فقدت الساحة الفنية في الكويت واحداً من أبرز أعلامها هو الملحن القدير خالد الزايد، الذي غيبه الموت في 29 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، طاوياً تاريخاً طويلاً من الإبداع شارك به في تطوير وتحديث الأغنية الكويتية، وأثرى بأعماله المكتبة الغنائية في الإذاعة والتلفزيون.
بدأ تعلقه بالفن من خلال الأنشطة الغنائية التي كانت تقيمها المدارس في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وعندما دخل الثانوية أصبح يعزف على العود ويغني، وساعده على ذلك قدرته المتميزة على الأداء وصوته الجميل. وحتى عندما أصبح ملحناً معروفاً سجل أكثر من أغنية بصوته، كما شارك في الغناء بعدة حفلات داخل وخارج الكويت، وقدم خلال مشواره الفني الطويل مجموعة كبيرة من الألحان الغنائية الجميلة التي تغنى بها كبار الأصوات الغنائية.
ولد خالد غانم الزايد عام ،1945 وبعد أن حصل على الثانوية العامة من ثانوية الشويخ سافر إلى مصر ليدرس في جامعة الاسكندرية، لكنه لم يكمل دراسته وعاد إلى الكويت ودرس في معهد المعلمين، وعين مدرساً للمواد العامة في وزارة التربية، ثم انتقل للعمل في مكتبة التراث التي كانت آنذاك تابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وتعاون مع فرقة التلفزيون للفنون كملحن ومدرب وقدم لها العديد من الأعمال الغنائية الجميلة من أبرزها حي لبنى ومشتاق وأسهر وسلبت القلب وأعمال أخرى كثيرة.
وعندما كان يدرس في المرحلة الثانوية عام 1964 كانت معه مجموعة من الأصدقاء الموهوبين منهم المخرج التلفزيوني والسينمائي عبدالله المحيلان، والشاعر الغنائي بدر بورسلي، وفي تلك الفترة تعرف عن طريق ابن خالته على الفنان المطرب يحيى أحمد الذي كان في ذلك الوقت مطرباً معتمداً في الإذاعة، وفي أحد الأيام جلس الثلاثة خالد الزايد وعبدالله المحيلان ويحيى أحمد وقرروا تأليف وتلحين أغنية يغنيها يحيى أحمد في الاذاعة.. وفعلاً بدأ المحيلان بكتابة كلمات الأغنية ولحنها الزايد إلا أن سفره إلى مصر لاستكمال دراسته الجامعية حال دون تنفيذها.
وبداية مع التلحين، كما يقول المؤرخ الفني صالح الغريب، كانت عام 1967 عندما أجيز كملحن في الإذاعة حيث بدأ رحلة كفاحه المضني، ويعود الفضل في تقديمه إلى الإذاعة للملحن عثمان السيد والشعراء بدر الجاسر وخالد العياف وفايق عبدالجليل وبدر بورسلي، وقدم في بداية مسيرته الغنائية مجموعة من الأغنيات العاطفية وعدداً من الأغنيات الدينية والوطنية من خلال مجموعة من الأصوات القديمة والجديدة، وكانت البداية مع لحن غنائي وطني من تأليف الشاعر الغنائي فايق عبدالجليل.
قصة حياة الزايد نموذج للكفاح والصبر وقوة الإرادة، واستطاع بصفاء ذهنه وموهبته أن يُثبت قدمه في دنيا الفنون وأن يجمع حول فنه جمهوراً كبيراً، وأن يجعل من حب الناس له ولفنه ثروةً ضخمة لا تقدر بمال. وكان يكفيه تواجده المتميز من خلال وعمله كمدرب وملحن في فرقة التلفزيون للفنون منذ عام 1982 التي قدم من خلالها شتى الألوان الشعبية المطورة المطلوبة للفرقة. ومن آخر أعماله الغنائية معها تلحين مجموعة من الأغنيات الشعبية المطورة منها أسهر ومشتاق وسلبت القلب وحي لبنى من قصائد الشاعر قيس بن ذريح المعروف بمخبول لبنى.
عشق الزايد الموسيقا بقلبه وبروحه، وعندما نستمع إلى ألحانه نحس بروحه الفنية العالية المستمدة من الإجادة والإبداع، وتأخذنا أنغامه إلى عالم مليء بالجمال والاحساس بمتعة الأداء والنغم الرقيق الحالم. وصورت ألحانه البيئة الكويتية الأصيلة على اختلاف الميول والمشاعر، ولم يتوقف عند هذا العطاء المتميز في تقديم الأغنية الكويتية الأصيلة المطورة، بل استطاع ان يتجاوز ذلك بأن يطور من موسيقاه ليجعل لها طابعاً شعبياً نابعاً من روحه الكويتية، واستطاع أن يبرز معالم الموسيقا الخليجية في ألحانه العديدة، إذ استعمل من الأوزان المختلفة أعدادا كبيرة مختلفة الألوان. ولم يكتف بالألحان الكويتية بل تعداها إلى العربية والخليجية وتغنى بألحانه أكثر من فنان منهم عبدالمجيد عبدالله وعلي عبدالستار والراحل طلال مداح الذي غنى من ألحانه أبعد عني.
في بداية حياته الفنية عام 1967 عندما كان يدرس في معهد المعلمين تعرف خالد الزايد إلى الفنان المطرب راشد سلطان الذي سجل له أول أغنية عاطفية بعنوان طويت حبي من كلمات الشاعر فايق عبدالجليل، وبعد ذلك لحن له أغنية دينية بعنوان الأندلس من كلمات الشاعر عبدالمحسن الرفاعي. وعام 1971 ارتبط فنياً بالفنان فيصل عبدالله والفنانة الراحلة عائشة المرطة، وقدم الأول له ثلاث أغنيات في موسم واحد هي ما هي غريبة من كلمات مبارك الحديبي ويا غنائي من كلمات بدر بورسلي وعلى هونك من كلمات محمد محروس. وعام 1973 غنى فيصل عبدالله من ألحانه أغنية غالي من كلمات الشاعر فايق عبدالجليل، وكانت هذه الأغنية سبب شهرته الواسعة.
اللقاء الأول الذي جمعه بالفنانة الشعبية الراحلة عائشة المرطة كان عام ،1971 من خلال أغنية حكم الهوى التي كتب كلماتها الشاعر ماجد سلطان، وكانت الاغنية بمنزلة طلقة فنية قوية دوت في أرجاء الخليج العربي، وكانت مرحلة ثانية من مراحل حياة عائشة المرطة انتقلت فيها من مرحلة الدفوف إلى مرحلة الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب.
تواصل الزايد مع جيله وجيل الشباب في مسيرته الفنية الطويلة الحافلة بالكثير من الألحان، ومن أبرز المطربين الذين تعاون معهم في فترة السبعينات أيضاً، المطرب الكبير غريد الشاطئ أحد أبرز رواد الأغنية الكويتية المطورة في الستينات.
ومن المطربين الرواد الذين تعاون معهم المطرب القدير مصطفى أحمد أحد أبرز نجوم الأغنية الكويتية الحديثة والذي غنى له ثلاث أغنيات من كلمات الشاعر الغنائي مبارك الحديبي.
واكتشف الزايد المطرب إبراهيم القطان الذي غنى من تلحينه أغنية عاطفية بعنوان دعيني من كلمات عبداللطيف البناي، وأغنية حيرني الشوق، إذ أعاد الزايد غناء اللحن الذي غنته المطربة رباب بصوت القطان.
وقدم ألحاناً للمطرب السعودي محمد عمر، ولم ينس أن يكون للشعر الغنائي الخليجي تأثيره في مرحلة انتشاره الخليجي وذلك من خلال تعاونه مع صناع الكلمة الغنائية السعودية مثل الأمير تركي عبدالصمد والأمير خالد بن يزيد.
واعتمدت مرحلة الثمانينات من رحلة الزايد الفنية على موهبته، إذ بلغ ذروة المجد الفني، وكان وراء ما حققته الأغنية الكويتية من نجاحات باهرة رفعتها إلى مستوى كبير من الشهرة، ومن هذه الأغاني يا دنيا غناء عبدالله الرويشد وعيدنا عيدين لنبيل شعيل وخيرت قلبي لنوال، وأغنيات قلت أتحمل ونهيت النفس وموفق ومسموح لفتاة سلطان، وغنى له عبدالمحسن المهنا يا ذا الحمام من كلمات عبداللطيف البناي، وعبدالكريم عبدالقادر أغنية هقاوي، أما المطرب مبارك المعتوق فغنى له مجموعة من الأغنيات منها مشيت سنين من كلمات عبدالعزيز سلطان وعشاق الهوى من كلمات نايف المخيمر ولا تشره علينا من كلمات مبارك الحديبي، أما المطرب خليفة بدر فغنى له أغنية عادت الأيام، وغنى الفنان محمد المسباح من ألحانه وكلمات يوسف ناصر أغنية بعنوان آخر كلام.
وفي التسعينات اتجه إلى التعامل مع العناصر الشبابية الغنائية.