يعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غيرهم أن الموت آت بسكراته وبفزعه، فكانوا يستعدون لهذا اليوم وشدائده، بمراقبة الله تعالى في كل أحوالهم، في السر والعلانية، والليل والنهار، والأفراح والأحزان، حتى تشققت منهم الأقدام، لكثرة القيام بين يدي العلي المنان، إنهم رجال عرفوا الله حق المعرفة وعملوا لمثل هذا اليوم حق العمل فعرفهم الله، ومن بين هؤلاء الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي ظل طوال حياته يقاتل في سبيل نشر هذا الدين وإعلاء كلمته، لدرجة أنه لم يكن بجسده شبر واحد إلا وفيه ضربة سيف أو رمية سهم أو طعنة رمح، وعندما داهمه مرض الوفاة بكى، وكان يتمنى أن يموت في أرض المعركة.
يروي الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن أبي الزناد: أن خالداً بن الوليد لما احتضر بكى، وقال: «لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء».
حكمة إلهية
وعن أبي وائل قال: لما حضرت خالد الوفاة، قال: «لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عمل شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متمترس، والسماء تهلني ننتظر الصبح، حتى نغير على الكفار». ثم قال: «إذا مت، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوهما عدة في سبيل الله».
لم يقتل خالد بسيف قائد مبارز ولا برمح جندي محارب أو بسهم غادر رغم أنه كان دائماً في قلب المعارك مقبلاً غير مدبر مقتحماً صفوف الأعداء لا يحسب حساباً للموت ولا يأبه بمن يواجه، وفي ذلك حكمة من المولى العلي القدير سبحانه وتعالى، بألا يقال أغمد «فلان» سيف الله الذي سله على المشركين وهذا ما لم يحصل، فكان أن مات رضي الله عنه موتة طبيعية وهو في فراشه، فكانت تلك الحكمة الإلهية من ألا يموت خالد سيف الله المسلول بسيف بشري.
وقيل إنه دار حوار بين خالد بن الوليد رضي الله عنه والقائد الرومي جرجة في معركة اليرموك، حيث خرج جرجة أحد القادة الروم لمبارزة خالد وعندما خرج خالد لمبارزته سأله القائد الرومي قائلاً: هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال خالد: لا، قال جرجة: «فيم سميت سيف الله؟ قال خالد: إن الله عز وجل بعث فينا نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتبعناه. فقال صلى الله عليه وسلم أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين» ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
الموت أسرع من عمر
يؤكد مجدي فتحي السيد في كتاب «الصحابة والصالحون على فراش الموت»، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقال: «عجزت النساء أن يلدن مثل خالد» وبكاه يوم مات بكاء كثيراً، وعلم الصحابة رضوان الله عليهم فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب، بل يبكي فرصة أضاعها الموت من عمر، إذ كان يعتزم رد الإمارة إلى خالد بعد أن زال افتتان الناس به.
وأشار إلى أنه لما حضرت خالد بن الوليد رضي الله عنه الوفاة راح يبكي ليس خوفاً من الموت، الذي طالما واجهه بحد سيفه في المعارك وهو يحمل روحه على سن رمحه، وإنما كان حزنه وبكاؤه لشوقه إلى الشهادة، فقد عز عليه، وهو الذي طالما ارتاد ساحات الوغى وارتجفت منه قلوب أعدائه وتزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، أن يموت على فراشه، حزيناً ولم يمت في ساحات المعارك شهيداً، ويكفيه رضي الله عنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» أخرجه مسلم.