يقع خان الحنطة في مدينة اللاذقية في سوريا، وهو أحد الخانات القليلة الباقية فيها، لكن أهميّته لا تأتي من البناء فقط، بل أيضاً من خلال موقعه ضمن المدينة القديمة منذ تأسست اللاذقية عام 333 ق .م من قبل سلوقس نيكاتور مروراً بالفترة الرومانية وحتى الوقت الحالي، وحين نمشي على الرصيف الموازي للخان نكون بذلك نسير على الطريق الروماني القديم وقبله على الطريق الهلنستي، وحين ندخل إلى حوانيت الخان نكون أصبحنا داخل الرواق الروماني القديم ونستطيع أن نلمس أعمدة هذا الرواق الغرانيتية، ونتخيل كيف كان الناس قبل 1900 عام يمشون في الظل ضمن رواق جميل كان مكافأة سخية لهم من قبل الإمبراطور الروماني سبتموس سفيروس نتيجة لوقوف أهل اللاذقية معه في حربه ضد بسينوس نيجر عام 198م .

يقدم لنا الخان أيضاً قصة التجارة في مدينة اللاذقية على مرّ ألفي عام، وكيف تحولت الشوارع الرومانية إلى أسواق، وكيف تغيرت وظيفة الخانات في فترة الانتداب الفرنسي، وكيف تحوّل هذا الشارع الروماني الجميل المزدان بالأروقة إلى سوق شعبي لبيع الخضار والدواجن .

ونقرأ من خلال حجارة الخان قصة العمارة وكيف تغيرت أساليبها وطرق إنشائها وموادها عبر الفترات التاريخية المتعاقبة .

هذه الأهمية دفعت بدائرة آثار اللاذقية إلى تسجيل خان الحنطة على قائمة المباني التاريخية في المدينة في ،1999 كما كان موضوعاً لاهتمام العديد من الباحثين العرب والأجانب .

نشطت حركة بناء الخانات في اللاذقية في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر الميلاديين نتيجة لازدهار حركة التجارة في ذلك الوقت، نظراً لأهمية المدينة على طريق الحج الساحلي أيام السلطنة العثمانية، سواء كان الحجاج متجهين نحو بيت المقدس أو نحو الديار المقدسة، والخانات نوع من المباني العامة، التي كانت تستخدم للتجارة وتخزين البضائع وللمبيت، وكان بعضها يختص بنوع واحد من التجارة كما هي الحال بخان الحنطة، وعُرف أيضاً بالخان الجديد لأنه كان يقع بالقرب من الجامع الجديد . لم يعرف تاريخ بناء الخان على وجه الدقة، لكن من المؤكد أنه بني على أنقاض أبنية أقدم، بحيث إنّ القسم الجنوبي منه احتل مكان الرواق الروماني القديم، فلا تزال ثلاثة عشرة عموداً من أعمدة الرواق الغرانيتية باقية في مكانها الأصلي ومغمورة حتى منتصفها تقريباً تحت الرصيف .

تاريخ بناء الخان واسم من أمر بذلك غير معروفين، علماً بأنه وردت الإشارة إليه في وثيقة خطية مؤرخة سنة 1139هـ / 1726م يتبين منها أن هذا الخان كان يتألف من طابقين، كما تمّ ذكره في وثيقة أخرى مؤرخة عام 1870م في قضية بيع دكان مجاور له لكنها لم تحدّد مكانه، لكن وثيقة مؤرخة سنة 1907م ذكرت خان الحنطة وأنه يقع غربي الجامع الجديد الذي أنشأه سليمان باشا العظم وبقربه القهوة الجديدة، وهذا يدل على أن الخان حافظ على وظيفته حتى أواخر الفترة العثمانية .

وكانت تتبع الخان حاكورة أمام بابه وتشتمل على أشجار الزيتون والتوت ومنافع ومرافق، لكنها اختفت .

وكان مالكو الخان من الشخصيات المعروفة في تاريخ اللاذقية، فقبلان باشا المطرجي الذي كان أبناؤه يملكون جزءاً من الخان كان أمير اللاذقية في مطلع القرن الثاني عشر الهجري الموافق أواخر القرن السابع عشر الميلادي، إذ أسندت ولاية طرابلس إلى والٍ اسمه أرسلان باشا المطرجي، وأصبح أخوه قبلان باشا أمير اللاذقية . فرأى أرسلان باشا تحويل مركز اللواء من جبلة إلى اللاذقية، وكانت استحالت إلى بلدة صغيرة تعيش على هامش الحياة . رافق هذا التحويل انتعاش البلد . فأنشأ أرسلان باشا مسجداً وحماماً في حي الأشرفية (حي الشحاذين) .

أما عمر آغا الدوكير فهو واحد من أبناء اللاذقية له أوقاف واسعة في المدينة والريف، مثل قرية الهنادي وله حجتان وقفيتان مؤرختان في جمادى 1136هـ 1723م وفي محرم 1139هـ 1726م .

بدأت الخانات تفقد أهميتها وسيطرتها على حركة التبادل التجاري في مرحلة الانتداب الفرنسي، وكان ذلك نتيجة لتطبيق أنظمة التخطيط الغربية على المدينة .

كما تعددت ملكية الخان في تلك الفترة، ففي عام 1930 كان القسم الأكبر منه ملكاً لورثة عبدالله حسني سلاحشور، وكانوا مقيمين في تركيا، بينما بيعت الدكاكين المفتوحة على الشارع ووزعت على عشرة مقاسم .

وازدادت بعدها أحوال الخان سوءاً يوماً بعد آخر والتعديات عليه، وفي محاولة من مجلس مدينة اللاذقية لتحسين هذه المنطقة، تمّ توسيع شارع الغافقي (سوق العواميد القديم) عام 1958م .

بعد ذلك انتقلت ملكية جزء من الخان إلى مصطفى بن أحمد شيبون وأصبح يستخدم لتخزين المرخ (قشر الصنوبر) والفحم والحطب، ثم أخذ يشتري النحاس الأصفر ويصدره إلى حلب والشام، كما استمر في استخدام غرف الطابق الأول الشمالية كفندق، بقيت واحدة من الغرف مسكونة حتى الثمانينات من القرن الماضي، ولايزال ورثة أحمد شيبون يستخدمون الخان مستودعاً لأنواع متعددة من المعادن التي تصدر إلى الخارج .