ونحن هنا نقدم نخبة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
البداية من بيت النبوة الحافل بكل ما هو كريم ومثالي وعظيم، وكل ما يمثل قيمة حقيقية للمرأة المسلمة، وفي هذا البيت العظيم أم المؤمنين "الطاهرة" خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، أول من وقفت موقفاً داعماً لدعوة الحق ورسالة التوحيد، حيث يسجل التاريخ أنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وثبته على طريق الحق .
وأم المؤمنين الأولى سيدة عاقلة جليلة مصونة، ذات شرف وجمال في قومها (قريش) تجتمع مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في النسب عند جده قصي، وأمها فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني عامر بن لؤي، ولدت في مكة في بيت شرف ويسار ومات أبوها في "يوم الفجار" .
تزوجت مرتين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأول يدعى (أبا هالة بن زرارة بن البناش التميمي) والثاني هو: (عتيق بن عائذ بن عمرو بن مخزوم) ولها منهما ثلاثة من الولد هم: هند بنت عتيق، وهند وهالة ابنتا أبي هالة، وكانت خديجة رضي الله عنها ذات مال كثير وتجارة، تستعين بالرجال الأمناء الشرفاء وتدفع إليهم ما آتاها الله من مال ليتاجروا لها فيه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً من الذين تعاملوا معها .
اللقاء الأول
عندما نتصفح سجلات التاريخ الإسلامي نقف على قصة أول لقاء بين محمد صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة، فقد كان عمه (أبو طالب) الذي تولى تربيته فقيراً، كثير العيال، ولذا رأى أن يجد لابن أخيه عملاً يرتزق منه أفضل من رعي الغنم، فبلغه يوماً أن خديجة تستأجر رجالاً من قريش في تجارتها، وكانت تقوم على مالها بمعونة أبيها خويلد وبعض ذوي ثقتها، وقد ردت خطبة الذين خطبوها من كبار قريش بعد تجربة زواجها من الرجلين السابقين، لأنها كانت تعتقد أنهم يطمعون في مالها، واعتزمت أن يكون كل جهدها لتنمية ثروتها .
علم أبو طالب أنها تجهز لخروج تجارة إلى الشام مع القافلة فأخذ موافقة ابن أخيه على الخروج مع القافلة قبل أن يحصل على موافقة خديجة وخرج محمد في تجارته الأولى مع غلام يسمى (ميسرة)، كانت خديجة ترسله مع تجارتها، وانطلقت القافلة في طريق الصحراء إلى الشام، واستطاع محمد بأمانته وقدراته أن يتجر بأموال خديجة تجارة أوفر ربحاً مما فعل غيره من قبل، واستطاع بكريم صفاته وجمال عواطفه ومودته أن يكسب محبة ميسرة وإعجابه، ولما انتهى من تجارته الرابحة لخديجة في الشام وآن له أن يعود حمل لها كل ما رغبت أن يأتيها به .
قصة الزواج السعيد
هنا تأكدت خديجة أن هذا الشاب (محمد) حالة فريدة بين شباب قريش، فلم يكن فيه لهو الشباب، ولا جشع التجار، ولا غرور الأثرياء، ولا ضعف الفقراء، بل كان حالة من الأمانة والصدق والكرامة والاستقامة .
استمعت خديجة إلى محمد وهو يقص بعبارات بليغة ساحرة أخبار رحلته التجارية إلى الشام، وما ربحه من أموال، وما عاد به من خبرات، وهي تنصت مغتبطة، حتى انقلبت سعادتها حباً، الأمر الذي دفعها وهي في الأربعين من سنها، إلى أن تتحدث عن إعجابها بهذا الشاب "الصادق الأمين" إلى صديقتها نفيسة التي ذهبت ونقلت إليه بشائر هذه العواطف الصادقة قائلة له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به، قالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ . . قال: فمن هي؟ أجابت نفيسة بكلمة واحدة :(خديجة) . . قال محمد: كيف لي بذلك؟ . . وكان قد أنس هو أيضا إلى خديجة، وإن لم تحدثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردها أشراف وأغنياء قريش، فلما قالت له نفيسة جواباً عن سؤاله، سارع إلى إعلان قبوله .
حددت خديجة أول لحظة في حياة الكفاح والتضحية والسعادة مع محمد، حيث خطبها عمه حمزة بن عبد المطلب من عمها عمرو بن أسد بن عبد العزى . . وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بخمسة عشر عاماً، وكان عمره حينئذ خمساً وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة، وكانت أم المؤمنين الأولى، المؤمنة الصالحة المجاهدة التي تحملت الأعباء والمحن والتي بقيت معه إلى أن أكرمه الله بالرسالة، فآمنت به ونصرته حين كذّبه قومه .
أعظم المواقف
تقول المؤرخة الإسلامية الراحلة د . عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في مؤلفها (نساء النبي): "تتجلى أعظم مواقف خديجة مع رسول الإنسانية عندما تلقى رسالة الوحي في ليلة القدر، حيث اصطفاه الله تعالى خاتماً للنبيين عليهم السلام، وبعثه في الناس بشيراً ونذيراً، وكانت الرسالة إيذاناً بحياة جديدة شاقة كادحة، وبدءاً لعهد ملؤه الاضطهاد والعذاب والجهاد، قبل أن يتحقق النصر والانتشار لرسالة الحق" .
وتروي السيدة عائشة، رضي الله عنها، أن أول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة إلى أن جاءه جبريل عليه السلام في غار حراء وقال له: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، فرجع يرتجف، حتى دخل على خديجة فقال: "زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وأخبرها الخبر وهو يخشى على نفسه فطمأنته قائلة له: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق"، وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان شيخاً أعمى يكتب الخط العربي، فقالت: اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى .
نعم الدعم والعون
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها نعم المعين والداعم والمساند لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث وقفت معه في تلك الظروف الصعبة بنفسها وبمالها الوفير، وبعقلها الراجح، وآزرته في دعوته فكان لها فضل السبق في ذلك على الرجال والنساء، فهي أول من آمن بالله ورسوله في هذه الأمة .
ولفضلها وحسن عشرتها ودعمها المتواصل لدعوة الحق التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين لم يتزوج عليها في حياتها، وقد رزقه الله منها بأولاده جميعا إلا إبراهيم، وهم القاسم والطيب والطاهر "ماتوا رضعاً"، ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة رضوان الله عليهم، وقد سجلت معه أنصع صفحات الحب والتقدير والوفاء بين زوجين، فلم تسؤه قط ولم تغاضبه ولم ينلها منه لا عتب ولا هجر . وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها يوماً، فحملتني الغيرة، فقلت: "لقد عوضك الله من كبيرة السن"، قالت: فرأيته غضب وقال: "كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد" .
وهكذا تسجل السيدة خديجة رضي الله عنها صفحات مشرقة بالتضحية والعطاء للإسلام والحب الصادق لرسول الإسلام، والمواقف المشرفة دعماً لدين الله الخاتم، وهذا ليس بغريب على امرأة عاقلة كريمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، وبين النبي صلى الله عليه وسلم فضلها بأنها خير نساء الأرض في عصرها، حيث قال: "خير نسائها "أي الأرض" مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد"، وقال العلماء: كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها .
وقد بعث الله سبحانه وتعالى إلى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بالسلام مع جبريل عليه السلام فبلغها النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك وبشرها الرسول بالسلام من رب العالمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب"، والقصب هو اللؤلؤ المجوف الواسع، والصخب الضجيج والغلبة، والنصب التعب .
وقبل الهجرة بثلاث سنين أسلمت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الروح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعت نفسها المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، ودفنها صلى الله عليه وسلم بمنطقة الحجون .