جاء احتفال وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع مؤخراً بتخريج 30 شاباً وفتاة كخبراء في التراث بعدما درسوا أربعة أشهر ضمن برنامج دبلوم التراث التخصصي ليفتح الباب أمام الاهتمام الذي يلقاه التراث من اهتمام في المدارس والجامعات . وإذا كانت وزارة الثقافة بالتعاون مع جامعتي الإمارات وزايد أقدمت على تلك الخطوة فمن الواجب أن تتبعها العديد من الخطوات الأخرى، لأن من ليس له ماض ليس له حاضر ولن يكون له مستقبل . في هذا الملف التقينا شباباً وفتيات اختاروا حب الوطن ليكون تخصصهم الدراسي ليتحدثوا عن الأسباب التي دفعتهم الى هذه الخطوة . كما تحدثنا مع خبراء ليحددوا الأسباب التي تجعل الجامعات تهمل المساقات التي تتعرض لتاريخ الوطن وثوابته من قيم وتقاليد .

الدراسة 4 أشهر والمدرسون رواة

دبلوم في حب الوطن

حصول 30 شاباً إمارتياً على شهادة دبلوم التراث التخصصي الذي استحدثته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، بالتعاون مع جامعتي الإمارات وزايد، ويُعد الأول من نوعه على مستوى الدولة، بداية جادة لتكوين جيل من الخبراء يكون التراث مهنتهم وشغلهم الشاغل وبموجب هذه الشهادة العلمية يتحول الخريج إلى متحدث باسم التراث في الفعاليات والمنتديات الداخلية والخارجية . التقينا عدداً من هؤلاء الشباب وسألناهم عن سبب اختيارهم لهذا التخصص، ولماذ التراث بالذات، كلثم عبدالله سالم أوضحت أن سبب اختيارها لدراسة التراث جاء لكثرة القراءة فيه، مؤكدة أنها منذ أن كانت طفلة وجدت نفسها تعيش في جو تراثي يتعامل مع المفردات التراثية والحكايات التي كانت تستمع إليها من والدتها خاصة في الأمثال والحكم القديمة التي كانت تنطق بها في المناسبات والمواقف التي تدعوها لاستحضار ما يناسبها منها، بالإضافة إلى أنها كانت تحب سماع الشعر القديم من والدتها خاصة في المناسبات الدينية والوطنية .

وأشارت إلى أن حياتها في الصغر كانت مزدحمة بأبجديات تراثية عديدة كالألعاب التي تعتبرها أهم المناهج التراثية أثرت في ذاكرة جيلها الدراسية التي نحت بالعديد منهم إلى دراسة التراث والتخصص فيه وأضافت أن دراستها دفعتها للبحث بصفة دائمة عن الجديد الذي لا تعرفه في تراث الدولة خاصة في مجال سيرة الأجداد .

محمد خلفان صندل أشار إلى أن الذي دفعه لدراسة التراث عشقه للتاريخ، خاصة أنه يعمل في إدارة التراث بالشارقة التي وفرت له كافة الإمكانات ما جعله يقرأ ويبحث، وأخيراً كلل عشقة بالدراسة التخصصية .

وأوضح أن أسرته أثرت في تكوينه التراثي خاصة جده لأمه أحمد الشامسي الذي كان الرائد الأول في البريد الإماراتي قبل الاتحاد، وكان يحمله من دبي إلى الشارقة، ويعتقد صندل أن هذا التخصص سيكون جاذباً للشباب خلال الفترة المقبلة عندما يشاهدون خبراء في التراث، منوهاً إلى أنه بدأ متعلقاً منذ صغره بكل الإصدارات الصحافية، في الوطن العربي، وكان حلمه أن يكون الوصي على المستوى القومي جامعاً للصحف والمجلات، ما جعله يمتلك العدد الأول من جريدة الخليج، ومجلة المصور والأستاذ وميكي ماوس، والعديد من الإصدارات الأخرى بدرية محمد الشامسي أوضحت أن اختيارها لدراسة التراث راجع لأنها متخصصة في التاريخ، مادفعها للتفكير في ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية، في زمن تحكمه التكنولوجيا التي أبعدت الجيل الجديد عن تراثه، وجعلته متغيباً عن واقعه، مشيرة إلى أن هويتنا وتراثنا عاشته منذ طفولتها في البيت وسط حكايات جدتها وأمها، والجارات، وأنها تذكرت كل ذلك وقت أن كانت تجلس بين زملائها في المدرسة، ما جعلها تختار مجموعة التراث البيئي والقبلي والسكاني والاقتصادي للحصول على شهادة دراسية في التراث، وكان دورها في تلك المجموعة تدوين الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب .

علي عبيد المغني أعرب عن سعادته بدراسة التراث، لأنه منذ الصغر كان عاشقاً له وكان يستمع إلى الحكايات، يقرأ كتب الشعر والتاريخ والفلسفة، وكثيراً ما كان يحب جلسات الشواب التي تتناول التراث القديم، وعرف كيف كان الأجداد يعيشون، وكيف كانت علاقاتهم بالبحر الذي كانوا يعتمدون عليه في حياتهم .

لطيفة المطروشي قالت إن اختيارها لدراسة التراث راجع إلى أنها موظفة بإدارة التراث في الشارقة، بالإضافة إلى أنها تحب أن تكون معلوماتها التراثية علمية، لأن التراث مجال واسع وبه العديد من النظريات، ولفتت إلى أن جدتها كانت عاشقة للتراث وفنونه، وكانت تراها وهي تقوم بصناعة التلي من الخيوط، وجربت أن تقوم بتلك الصناعة لكنها فشلت لأنها بحاجة إلى صبر حسب ما قالت لها جدتها، وأوضحت أنها اختارت دراسة التراث عن طريق الجمع الميداني له وهو التدوين من خلال السماع لروايات الشواب، وهو هدف وطني لأنه يحافظ على الهوية .

أما موزة خميس العامري فأرجعت دراستها للتراث لحبها لشديد له، ولأنها تعتبره جزءاً من تاريخ الدولة لذا فضلت أن تكون دراستها أكاديمية لتصبح باحثة تتميز بالدقة خلال جمع التراث وتدوينه، متمنية أن يكون هناك مشروع في جامعة زايد التي حصلت منها على شهادة التخصص في التراث، للحصول على شهادة الدكتوراه خاصة أن الدولة لا يوجد بها هذا المجال حتى الآن .

بدرية الحوسني موظفة في هيئة الفجيرة للسياحة والآثار لذا أرادت أن تكون أكاديمية ومتخصصة في التراث الإماراتي، لتحقيق النجاح في وظيفتها، وأوضحت أن حبها للنجاح دفعها للبحث والإطلاع فحققت المركز الأول على مجموعتها أثناء الدراسة، التي اختارت فيها مجال المهن والحرف القديمة التي تؤصل لتاريخ أهل الإمارات، مضيفة أنه رغم حصولها على بكالوريوس في العلوم تخصص جيولوجيا إلا أن مجال التراث استهواها، فحصلت من قبل على شهادة في الضيافة من الجميرا للفنادق، بهدف تطوير نفسها لأنها عاشقة للتراث الذي ترى نفسها تعيش فيه وأنها تعيش في الماضي، ما أهلها لتصبح باحثة ومسؤولة عن باب أصالة في مجلة الفجيرة، ولفتت إلى أن عملها وسفرها للخارج ساعدها على تعريف الناس بعادات وتقاليد الإمارات والزي الوطني والأكلات والطب الشعبي، لدرجة دفعت العديد من الناس يتمنون زيارة الدولة، متمنية عدم توقف الفعاليات الخاصة بالتراث .

وتؤكد وفاء محمد هارون أن اختيارها لدراسة التراث جاء نتيجة اهتمامها به والقراءات اليومية التي اكتشفت من خلالها أنه عامر بالقيم والموروثات التي يبحث عنها الناس خلال تلك الفترة التي نعيشها، موضحة أن عملها في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أتاح لها ولغيرها تشكيل وعيهم عن طريق الندوات التي تسعى دائماً إلى الحفاظ على التراث من خلالها .

وقالت إن والديها كانا من المهتمين بالتراث ومفرداته، خاصة أن والدها كان يصحبها لزيارة الأماكن الأثرية مثل جبل حفيت والمتاحف والمساجد القديمة وكان يحكي تاريخها وكأنه كان يعيش وقت تشييدها، بالإضافة إلى الأمثال والحكم القديمة التي استمعت إليها من والدتها .

عملها بإدارة متاحف الشارقة للتراث جعلها ترتبط بالتراث ارتباطاً لا فكاك منه، هذا ما أكدته منى عبيد المخشب التي أوضحت أن حبها الشديد لوطنها وقراءاتها المستمرة عن سيرة الأجداد في الماضي، مشاهدتها للأعمال الدرامية التراثية كان من أهم الدوافع التي جعلتها تختار دراسة التراث في جامعة زايد وتحصل على شهادة متخصصة فيه .

ولفتت إلى أنها في صغرها كانت تشاهد شقيقها يعمل في الحرف التراثية مثل صناعة أدوات الصيد والسعفيات والألعاب الشعبية ما جعلها ترتبط بتلك المفردات التراثية، التي بحثت عنها في المدونات ولم تجدها، ما جعلها تقرر الدراسة التخصصية في التراث عندما أُعلن عنها، مشيرة إلى أن والدتها أول من حفزها على التسجيل في الدراسة، وتنبأت لها بالحصول على المركز الأول .

نعيمة الأميري أكدت أنها اختارت تلك الدراسة لأنها تعمل في تنظيم الفعاليات والمعارض بالإضافة إلى امتلاكها مركزاً لتدريب الشباب على صناعة الحرف التراثية .

وأضافت أنها وهي طفلة دائماً كانت ترى والدتها تقوم بتصنيع الملابس والتلي، بالإضافة إلى زيارتها لكل الأماكن التراثية الموجودة بالدولة، ومشيرة إلى أن مخالطتها لكبار السن الذين يعملون في تصنيع الأشياء القديمة مثل أم سيف وأم محمد، جعلها تتعلم العديد من المفردات التراثية .

مبادرة لتصحيح الوضع

عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث والشؤون الثقافية بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، أكد أن 30 راوياً تولوا التدريس للطلاب رغم أنهم لم يتعلموا التراث، إلا أنهم يملكون القدرة على التدريس الممنهج، لأنهم يعرفون المسح الميداني والتدوين، وأساسيات حفظ التراث، وأنهم أفضل الفئات التراثية في الدولة بعد أن أصبح التراث متاحاً للجميع، ما دفع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع إلى أخذ مبادرة لتوجيه خط بحثي وطني أكاديمي لتصحيح الوضع .

وأضاف: البداية كانت تأسيس مجموعة من الباحثين في التراث الإماراتي وأعلن عنها في الصحف عن طريق وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وتقدم مائة شخص، وكان لا بد من اختيار 30 منهم، عن طريق لجنة مكونة من مدير إدارة التراث بالشارقة، ود . حمد بن صراي من جامعة الإمارات، والباحثة في التراث شيخة الجابري، بعدها اجريت اختبارات للمتقدمين نجح منهم 30 فقط انخرطوا في برنامج الدبلوم التخصصي .

وأوضح المسلم أن الدارسين قسموا الى خمس مجموعات على رأس كل منها استاذان لهما خطوات في البحث والمسح الميداني، والتسجيل، ونتج عن ذلك أن أضافت الدورة رواة من كافة أنحاء الدولة، سجلت شهاداتهم وما بجعبتهم من فنون تراثية مختلفة، مشيراً الى أن ما حدث مفخرة للإمارات .

ولفت الى أن الوجبة التي قدمت للدارسين خلال ال 3 اشهر الأولى كانت عبارة عن منهجيات في البحث ومقدمات في التاريخ الإماراتي والخليجي، ومقدمة في علم الأنساب، بالإضافة الى مجموعة أخرى من المواد في التراث الإماراتي، مشيراً الى أن البرنامج نفذ تحت رعاية جامعة الإمارات واستضافته جامعة زايد في فرعها بدبي .

ونوه مدير إدارة التراث بالشارقة بأن الشهر الرابع الأخير في الدراسة كان عبارة عن تطبيقات عملية وميدانية لما درسوه خلال الفترة الأولى، ولتثبيت موضوع التخصص في منهج تراثي .

وزارة الثقافة تسابق الزمن

د . حمد بن صراي الأستاذ بجامعة الإمارات والمشرف على شهادة دبلوم التراث التخصصي أكد عدم وجود اهتمام جامعي بالتراث الإماراتي، رغم قيام بعض الجامعات بتدريس مواد تراثية إلا أنها تعتبر هزيلة ولا تقارن بما يحمله تراث الدولة من مفردات، وطالب بتشكيل لجنة على مستوى عال من الخبراء وأساتذة الجامعات من المواطنين مهمتها الاشراف على المناهج التراثية التي تدخل ضمن المنظومة التعليمية سواء في المدارس أو في الجامعات حتى يمكن اشباع حاجة المجتمع من الخريجين الجامعيين الذي تكون مهمتهم التحدث في الداخل والخارج عن التراث الإماراتي ووضعه في دائرة الضوء .

ولفت الى أن شهادة دبلوم التراث التخصصي الذي حصل عليه 30 شاباً يرجع الفضل فيها الى وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، التي تسابق الزمن لحماية التراث، ما جعل جامعة الامارات تتحمس للفكرة وتطورها، وتستضيفها جامعة زايد في فرعها بدبي، مشيراً الى ضرورة إنشاء مسار تخصصي في التراث يشترك في تدريس مواده أساتذة من قسم التاريخ والاجتماع لأنهم اقرب الناس الى التراث الوطني، بالإضافة الى ابتعاث مجموعة من المواطنين لدراسة الماجستير والدكتوراه في التراث، مع مواصلة هذه الدورات التخصصية .

وقال ابن صراي إن الاهتمام حالياً عبارة عن مبادرات وفعاليات من خارج الجامعات، محصورة في القطاعين الحكومي والخاص، وفي فترة الصيف فقط مشيراً الى أن أكثر الجهات اهتماماً بالتراث في الدولة هي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ودائرة الثقافة والإعلام بالشارقة .

وطالب بضرورة أن يصبح التراث عيداً على مدار العام حتى يمكن ربط الأجيال الجديدة به، بالإضافة الى وضع ميثاق للإعلام المرئي حتى يمكن أن تكون هناك برامج تراثية دسمة .

كنوز الأجداد مظلومة دراسياً

المساقات الجامعية تتجاهلها

التراث هو التاريخ الذي تنطلق منه الحضارات، والوعاء الذي يجمع الحصيلة الإنسانية لذا تحرص مختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة على الاحتفاء به لكن تحويله الى مساقات دراسية يتعلمها الجيل الجديد مايزال محصوراً في حالات فردية .

حول أسباب عدم تحويل تراثنا الى مناهج تدرس في الجامعات تحدث خبراء في السطور التالية .

علي محمد المطروشي مدير متحف عجمان، الذي تولى رئاسة فريق البحث في التراث القبلي والبيئي والاقتصادي في دبلوم التراث التخصصي أوضح أنه لا خير في إنسان ينسى ماضيه وعاداته وتقاليده، مشيراً الى أن ما يحدث للتراث الإماراتي يؤكد عدم الاهتمام به، خاصة من جامعات الدولة التي يفتقد اهتمامها الى المناسبات الوطنية . وأضاف: على الجميع أن يعلم أن التراث من أهم ركائز الهوية الوطنية، وذاكرة الشعب الإماراتي، لذلك يفترض أن يكون مادة أساسية تدرس للطلاب في الجامعات، خاصة في ظل الظروف التي نعاني فيها من الخلل في التركيبة السكانية والغزو الثقافي والعولمة وكلها عوامل من شأنها أن تؤدي الى طمس الهوية الوطنية، ومسخ التراث في عقول الأجيال الجديدة .

وطالب المطروشي بضرورة إنشاء مركز خاص مهمته جمع وتدوين وأرشفة ودراسة التراث اللامادي كالفنون الشعبية، وعدم الاكتفاء باجتهادات شخصية، وأن يكون هناك أشخاص مدربون علمياً على جمع التراث على مستوى الدولة، مقترحاً ضرورة أن يكون مقر هذا المركز في الشارقة لاشتراكها في الحدود مع كافة الإمارات، بالإضافة الى اختيارها عاصمة العالم للثقافة .

د . سيف بن عبود البدواوي أستاذ تاريخ الخليج في دائرة الثقافة والإعلام في عجمان أشار الى أن الاهتمام بالتراث في الدولة جاء متأخراً، وأن الجامعات لا تهتم به مطلقاً، وإنما يرجع الفضل لإظهاره وجعله مدخلاً للبحث عن الجذور الإماراتية الى الهيئات الثقافية الموجودة في بعض إمارات الدولة، موضحاً أن البحث الدائم في التراث يعد دفعة قوية للتعرف إلى تاريخ الأجداد .

وأضاف: تراثنا متنوع، ولابد من ربط الأجيال به على أن نبدأ بالتراث الشعبي مثل العادات والتقاليد، مشيراً الى أن العديد من الناس لا يعرفون معنى التقاليد التي تعني تقليد أساليب السابقين، وان كان ذلك في الملبس والمأكل أو في السلوك والتصرفات أو في العقائد والأعمال التي يرثها الخلف عن السلف .

وطالب البدواوي بضرورة تدريس التراث في الجامعات بشرط أن يتولى التدريس ابناء الدولة ليشعر الطالب أن هناك رجالاً سبقوه وحملوا راية التراث على اكتافهم لحماية الهوية الوطنية والخليجية .

د . علاء نورس أستاذ التاريخ بجامعة الإمارات اشار الى وجود اهتمام بالتراث داخل الجامعات وهو الاهتمام الذي يزداد عاماً بعد آخر، بدليل وجود مساق جديد في جامعة الامارات عنوانه التاريخ الشفوي، ويدرس منذ 3 سنوات، إلا أن التراث بحاجة الى التشجيع خاصة في مجال استقراء الماضي من قبل الذين أسهموا في صناعته أو شهود عيان لأحداثه، ان كان لهم أدوار بصورة أو بأخرى، ما يؤدي الى معرفة العقود الماضية بصورة أكثر دقة وتفصيل من الوثائق التي كتبها أناس من خارج الدولة، مدللاً على ذلك بالكتابات التي صدرت مثل كنت شاهداً، وسرد الذات الذي صدر مؤخراً، بالإضافة الى الرمال العربية، ومن المحل الى الغنى .

وأضاف: العالم عرف أهمية التراث في رسم المستقبل من خلال الارتكاز على تجارب الماضي، وهو ما نراه في اهتمام الجامعات العالمية المرموقة بدراسة مذكرات وذكريات الشخصيات المهمة، مثل مذكرات تشرشل وأنديرا غاندي وسوكارنو وبيفن ومذكرات أخرى كثيرة غيرت بعض الرؤى التي جرى استنباطها من الوثائق التي ابقت شيئاً وحذفت أشياء . وفلت الى ضرورة أن نعرف أن من لا يعرف التاريخ غير قادر على التخطيط للمستقبل، لأن التاريخ صادق في حكمه، وهو ما نرى بوادره الآن داخل الإمارات، خصوصاً داخل الجامعات، مشيراً الى أن التاريخ يبدأ بالأمس لكنه يقرأ المستقبل، حيث يطل علينا من نوافذ متعددة، وتبقى العودة إليه دوماً لتوضيح علاقة ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا .

شيخة الجابري الباحثة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، قالت: التراث غائب عن المناهج الدراسية، وحاضر على الطاولات للمناقشة، مشيرة الى ضرورة أن تكون هناك نقطة نظام تبدأ من الأسرة التي تعد اللبنة الأولى لربط الأجيال بالتراث، مع ضرورة الاستمرار في دراستهم حتى حصولهم على الشهادة الجامعية، مطالبة بضرورة بذل المزيد من الجهود من قبل الهيئات الثقافية، وأن تدرج المجالس التعليمية في جدولها أهمية التراث، بالإضافة الى ربط الثقافة التراثية بالوظائف العليا حتى يمكن دفع الشباب الباحث عن وظيفة الى القراءة والتثقف في تراث دولتهم .

وأكدت الجابري أهمية وضع التراث في دائرة الضوء بصفة مستمرة من خلال قرارات سيادية، لأنه أصبح من أهم الحلول الجاهزة للمشاكل الاجتماعية التي بدأت تطفوا خلال المرحلة الراهنة .

أحمد عبيد الباحث في التراث أشار الى أن الاهتمام الجامعي بالتراث ضعيف ولا يقارن بما تقدمه الهيئات الثقافية والتراثية بالدولة . ولفت الى عدم الاهتمام رغم أن كل ما يدور حولنا في المجتمع يتعلق بالتراث .

وأضاف: الحصون والقلاع التي تتميز بها الإمارات مثل قصر الحصن في أبوظبي وقلعة الفهيدي في دبي، وفي عجمان والفجيرة ورأس الخيمة، وأم القيوين، والعين وغيرها من الأماكن كانت مقراً للحكام، تؤكد أننا أصحاب حضارات هائلة وبحاجة الى قراءات جديدة لربطها بالحاضر، والتخطيط من خلالها للمستقبل .

د . أحمد زكزيا أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة أكد ضرورة الاهتمام بالتراث الإماراتي، مشيراً الى الحفاظ على التراث وتدريسه في مختلف المراحل الدراسية من أهم شروط الحفاظ على الهوية الوطنية، إلا أن الاهتمام الجامعي به لم يصل بعد الى المرحلة التي يمكن التوقف عندها، ورصد أهم ظواهرها، بالإضافة الى أن معظم الذين يعلمون ويدرسون التراث من خارج الدولة، ولا يمكن أن يحمل هذا التراث إلا على اكتاف المواطنين، لذلك كانت بادرة طيبة أن تقترح وزارة الثقافة والشباب نظام شهادة الدبلوم التراثي التخصصي، ويلتحق به 30 شاباً تم تخرجهم بعد دراسة دامت 4 أشهر، اظهروا استعداداً هائلاً للدراسة التي تعد جديدة عليهم .

ولفت الى ضرورة التركيز على التراث غير المادي حتى يحافظ على الهوية الوطنية وتعزيزها، وأن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من خلال الجامعات بمشاركة الهيئات سواء كانت حكومية أو خاصة .