يُعد الخزف واحداً من أهم الفنون التي مارسها الفنان العربي منذ توطدت أركان الإسلام في مختلف بلاد العرب، وذلك لأن هذا الفن حقق فكرة الحضارة الإسلامية في جوانب متعددة اختصرت بسِماتها روح الإسلام في بساطته وصفائه وشفافيته، وأضفى هذا الفن صبغة الفخامة والجمال على جوانب متعددة من الخزف الذي حل بديلاً عن أواني الذهب والفضة وعكس جماليات الفن الإسلامي في أزهى صوره.

وبرع الفنان العربي في استعمال البريق المعدني الذي يعتبر صفة خاصة انفرد بها الخزف الإسلامي وكان أول ظهور لهذا النوع من الخزف في العصر العباسي فضلاً عن إنتاج الفسيفساء الخزفي الذي بدأ في عصرالسلاجقة واستمر في التطور والازدهار حتى وصل إلى أقصى مراحل الإبداع الفني في القرن الرابع عشر الميلادي.

وتُعتبر مدينة الرقة السورية الواقعة على نهر الفرات واحدة من أشهر المدن الإسلامية التي اشتُهرت بصناعة الخزف منذ مئات السنين وكانت هذه المدينة أيام العباسيين وحتى العهدين الأتابكي والأيوبي مركزاً لمعامل خزفية وزجاجية تنتج أنواعاً عديدة ونادرة من الخزف وتصدره إلى مختلف الدول والأمصار، وانتشر خزف الرقة إلى أوسع من حدود بلاد الشام، وأصبح هذا الخزف أحد مفاتيح تأريخ الخزف الإسلامي في عصر ازدهاره، كما شجعت العلاقات التجارية القوية والنشيطة أيضاً التبادل الحرفي الفني مع مصانع الخزف في مصر، ومع مراكز الإنتاج الإيرانية. وبذلك حافظت الرقة على دورها الريادي في إنتاج هذه الحرف والصناعات والفنون حتى دُمرت على يد المغول العام 1259م.

ويرى الباحث م. س ديماند في كتابه( الفنون الإسلامية) أن خزف الرقة استمر يُنسب خطأً إلى عصر هارون الرشيد (786- 809 م) بسبب إقامته بعض الوقت هناك غير أن زخارف آنيتها وأسلوب رسوم الأشخاص تدل على أنها من عصر متأخر، ومع أنه يمكن إرجاع بعض خزف الرقة إلى القرن الحادي عشر إلا أن معظمه يرجع إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر لاحتوائه على عناصر زخرفية من مميزات عصر أتابكة السلجوقيين في سوريا والعراق كما يؤكد ديماند في كتابه. وهناك أنواع عديدة من خزف الرقة ذي البريق المعدني وأنواع زخرفية أخرى امتازت بلونها البني الداكن وهو من الألوان النادرة في مراكز صناعة الخزف الأخرى، وتزين أواني الرقة زخارف نباتية وكتابات نسخية أو كوفية وأحياناً طيور محورة تحويراً كبيراً ومرسومة بالبريق المعدني على طلاء شفاف مخضر يزيد في بهجته أحياناً إضافة اللون الأزرق والزهري إليه، ومن الأنواع الأخرى التي امتاز بها خزف الرقة نوع رُسمت زخارفه باللون الأسود تحت طلاء أزرق فيروزي وتبدو رسوم بعض القطع على جانب كبير من الرشاقة والجمال، أما زخارفها النباتية والكتابية فقد تُركت بيضاء أو رُسمت بالبريق المعدني البني اللون، وكان الموضوع الزخرفي يُرسم على أرضية من الأشكال الحلزونية، وجمعت زخارف الأباريق الكبيرة بين البريق المعدني والزخارف البارزة، وقد أعجب الرحالة والحجاج والمحاربون الصليبيون بهذه الأواني الخزفية وزخارفها الفنية الجميلة وألوانها العديدة الرائعة وعادوا إلى ديارهم بالكثير منها وهو مانراه الآن ضمن كنوز المتاحف الأوروبية والمجموعات الخاصة من التحف، وتعتبر مجموعة متحف المتروبووليتان من خزف الرقة ذات أهمية كبيرة إذ تضم مزهرية وسلطانية عليها رسوم نباتية وفي وسطها صورة كائن خرافي يشبه النمر برأس إنسان، وسلطانية أخرى صغيرة يزينها رسم طائر وسط إكليل من الأزهار والأوراق وقدر من الخزف ذي البريق المعدني في وسطه زخارف نباتية وكتابات تنتمي إلى القرن الثالث عشر الهجري، وهناك ابريق من الخزف المنقوش مزخرف بورود وبراجم رُسمت على شكل حراشف السمك، ويعتبر هذا الإبريق الموجود في متحف أشمولي في اكسفورد تحفة فنية رائعة بكل المقاييس الفنية والإبداعية وهو يعود إلى القرن السادس عشر الهجري وهي الفترة التي شهدت أوج ازدهار هذا الفن.

استُخدم الخزف الذي انتجته الرقة في صناعة شتى الأواني من أكواب وأقداح وكؤوس وقناني وأباريق وسلطانيات وصحون ومباخر ومشاعل، واختلفت أشكالها وامتازت بمظاهر الجمال وإبداع الزخارف وكانت بعض الأواني على درجة كبيرة من الرِقة حتى كانت شفافيتها ظاهرة واختلفت الألوان من أبيض إلى أزرق زهري إلى فيروزي إلى أصفر أو أخضر إلى أسود تحت طلاء أزرق أو شفاف أما الزخارف فمنها التفريعات النباتية ومنها رسوم الطيور والحيوانات والأشكال الآدمية والكتابات الكوفية المتشابكة مع الخزف. وهناك أنواع عديدة مختلفة. ولإنجاز قطعة من الخزف ذي البريق المعدني كان الحرفي يرسم الزخرفة بملح معدني على سطح لامع أولاً ثم يقوم بتثبيتها من خلال تعريضها للنار بطريقة تُكسبها بريقاً معدنياً يختلف لونه بين أحمر نحاسي وأصفر ضارب للخضرة وتنبعث من هذا البريق أحياناً ألوان قوس قزح، ومن الأنواع الأخرى المعروفة من خزف الرقة نوع رُسمت زخارفه باللون الأسود تحت طلاء فيروزي وتتكون الحليات الرئيسية في هذه المجموعة من الأواني من زخارف نباتية وزخارف متشابكة وحروف كوفية وطيور ألحقت بها رسوم نقط وشولات ولوالب داخل مناطق منفصلة ويشبه ما عرفناه من خزف الرقة ما عُثر عليه من خزف بمدينة الرصافة الواقعة على مقربة من الرقة، إذ يبدو التشابه واضحاً بين زخارف الخزف في هاتين المدينتين ويمكن تقسيم خزف الرصافة إلى نوعين مختلفين أحدهما ذو زخارف بالبريق المعدني والآخر ذو زخارف مرسومة، ويُلاحظ أن لون البريق المعدني في النوع الأول ليس بنياً كخزف الرقة وإنما هو بني داكن مائل إلى الحمرة أو أرجواني وتضم متاحف (المتروبوليتان) في نيويورك و(فريرغاليري للفنون) في مدينة باليتمو في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة رائعة من المصنوعات الزجاجية والخزفية التي اشتهرت بها الرقة في العصر العربي الإسلامي وخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين.

ورغم أنه لم تقمْ في مدينة الرقة حفريات علمية منظمة إلا أن أبحاث زره وهرتزفلد في تلك المنطقة، وما عُثرعليه من خزف تالف هناك، تدل على أن الرقة كانت مركزاً عاماً لصناعة الخزف، وفي ظل غياب كتابات تؤرخ الخزف المنسوب للرقة أصدرت للكاتبة مارلين جنكينز - مادينا، حافظة الآثار الإسلامية في متحف المتروبوليتان بنيويورك، كتاباً بعنوان عودة إلى الرقة: خزف سوريا الأيوبية تدحض فيه التشكيك المتصاعد في تقييم دور الرقة كمركز لصناعة نمط الخزف المنتشر في مواقع سورية عديدة.

ومن بين أهم المجموعات التي نجحت مادينا في تأكيد نسبتها للرقة بناء على الوثائق المحفوظة في متحف قونيا في تركيا قطع خزفية غير مكتملة الصنع مما يؤكد أن الرقة كانت مركزاً لصنع الخزف وليست مستهلكة له فقط ثم تعرض مادينا لمميزات مواد وطريق دهن هذه القطع وتتمثل في زخرفتها بطلاء أسود تحت دهان مزجج أزرق فيروزي، أو زخرفتها بطلاء أسود تحت دهان مزجج بلا لون، أوطلاء بالبريق المعدني تحت دهان مزجج، ودعمت هذه الخصائص بدراسة بتروغرافية تؤكد علاقة القطع الخزفية المعروضة بنفس التربة الطينية.

ويلاحظ الباحثون عند دراستهم لخزف الرقة وفرة توقيعات الخزفيين على الأواني التي يصنعونها، والتي تشير إلى أن عادة التوقيع قديمة نجدها في الخزف السوري كما هو الحال مثلاً مع الصحون والأقداح التي تحمل أسماء كل من مسلم وسعد وإبراهيم، وفي زمن المماليك شاع مثل هذا النوع من التوقيع الذي رمز به الحرفيون إلى فنونهم، وعلى كل حال فإن وجود توقيعات الفنانين أوغيابها لا يحددان قيمة العمل الفني لأن الفنون الإسلامية، لا تعبر عن مشاعر الفنان الذاتية في كثير من الأحيان، ولا تريد أن تروي لنا أو تؤرخ للأحداث العامة، بل هي تقوم على أسس وعناصر تترجم فلسفة جمالية خاصة، عبرت عن علاقة صوفية بالله وبالطبيعة كما يقول الباحث د. بركات محمد مراد.