تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب هذا عنوان كتاب لمحمد خلف المرزبان يتحدث فيه عن خصال الكلب وحكم الناس عليه بالسوء وعدم قبوله في كل الأمور، والحقيقة عكس ذلك، لأنه من خلق الله فيه من الصفات الحسنة كما فيه من الصفات الذميمة، والأفعال المرذولة وسوء التدبير الكثير الكثير، غير أن هذا مغفور للحيوان الأعجم مسؤول عنه الإنسان العاقل المكلف الذي ميزه الله بالإدراك وجعله للحساب يوم القيامة متعرضاً، ولجنته أو ناره مستحقاً.
وكفى أن يكون الكلب متحلياً بما فقده بعض الناس، وهكذا الناس منذ الخليقة منهم فاضل ودنيء، كريم وبخيل، صادق وكاذب، متثبت ومتهور.
ولولا أن الله جل شأنه وتعالت حكمته فطر الناس على ذلك لما عرف حسن المحسن وقبح المسيء وبضدها تتميز الأشياء. إن الإحسان من أخلاق الأنبياء عليهم الصلوات والسلام الذين اختارهم الله جل وعلا لرسالاته وجعلهم القدوة لخلقه، وذكر جل شأنه صفات الخير موزعة عليهم مثنياً على كل واحد ببعض منها تنبيهاً لنا وتعليماً، ولا يعني هذا أن أحدهم غير متصف إلا بما ذكر له من صفات الخير بل هم مجمع الفضائل فإن ذكر الله: كرم إبراهيم وصدق إسماعيل وصبر أيوب وشجاعة داود وحلم عيسى ورحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كل واحد منهم كان كريماً صادقاً صابراً وفياً حليماً شجاعاً، غير أن هناك من الأسباب ما لا يحسن ذكره كي لا تشيع في الناس الأخلاق التي ارتضاها بعضهم لأنفسهم، وهم في نظر بعض الناس قدوة وأسوة، فإن تكشفت للناس حقيقتهم نكبت المروءة وخدشت مكارم الأخلاق.
واذكر قصة الرجل الذي شاهد في الصحراء الرجل المتمارض فأركبه فرسه، وعليها سلاحه وطعامه وشرابه، فما أن استقر المتمارض على الفرس حتى لكزها هارباً تاركاً رجل المروءة عرضة للموت والضياع. وكيف ناداه صاحب الفرس فقال: لقد وهبتك الفرس وما عليها شرط ألا تحدث بما صنعت معي. فرجع وسأله: ولماذا؟ فقال صاحب الفرس: حتى لا تموت المروءة بين الناس.
أعود لأتكلم عما قرأته في هذا الكتاب عن الكلب ومحاسنه التي غابت عن كثير من الخلق. روي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً قتيلاً فقال صلى الله عليه وسلم: ما شأن هذا الرجل قتيلاً؟ فقالوا: يا رسول الله إنه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة فوثب عليه كلب الماشية فقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: قتل نفسه، وأضاع ديته وعصى ربه عز وجل، وخان أخاه، وكان الكلب خيراً من هذا الغادر، ثم قال صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يحفظ أخاه المسلم في نفسه وأهله كحفظ هذا الكلب ماشية أربابه؟.
وكان لعامر بن عنترة كلاب صيد وماشية وكان يحسن صحبتها، فلما مات عامر لزمت الكلاب قبره حتى ماتت عنده وتفرق عنه الأهل والأقارب.
وروي عن شريك قال: كان للأعمش كلب يتبعه في الطريق إذا مشى حتى يرجع، فقيل له في ذلك فقال: رأيت صبياناً يضربونه ففرقت بينهم وبينه فعرف ذلك لي فشكره، إذا رآني يبصبص لي ويتبعني. ولو عاش الأعمش إلى عصرنا ووقتنا هذا حتى يرى أهل زماننا هذا لازداد في كلبه رغبة وله محبة.
ومما يدل على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة الناس من مدحه بالخير والشر وبالحمد والذم، حتى قد ذكر في القرآن مرة بالحمد في قوله تعالى وكلبهم باسط ذراعيه (سورة الكهف)، ومرة بالذم في قوله تعالى فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث (سورة الأعراف)، وكذلك في الأشعار والأمثال حتى استعمل على طريق الفأل والطيرة.
وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال في الخصال المحمودة في الكلب: هي عشر ينبغي أن تكون في كل فقير: الأولى انه لايزال جائعاً وذلك من آداب الصالحين. الثانية أنه لا يكون له موضع يعرف به وذلك من علامة المتوكلين. الثالثة أنه لا ينام من الليل إلا القليل، وذلك من صفات المحسنين. الرابعة أنه إذا مات لا يكون له ميراث، وذلك من أخلاق الزاهدين. الخامسة أنه لا يهجر أخاه وإن جفاه وطرده، وذلك من شيم المريدين. السادسة أنه يرضى من الدنيا بأدنى يسير وذلك من إشارات المتواضعين. السابعة أنه إذا غلب من مكانه تركه وانصرف إلى غيره وذلك من علامات الراضين. الثامنة أنه إذا طرد ثم دعي أجاب وذلك من أخلاق الخاشعين. التاسعة أنه إذا أحضر شيء من الأكل وقف ينظر من بعد وذلك من أخلاق المساكين. العاشرة أنه إذا رحل من مكانه لا يرحل معه بشيء وذلك من علامات المجردين.
هذه الخصال كلها ذكرت في كتاب انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك لتبيان أن الكلب وإن نجس فهو لا يعاقب معاقبة الإعدام، فبعض العامة يعاقبون الكلاب ويعتقدون معاقبتها ديناً يدينون به إلى الله تعالى، وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين. وقد قال بعض من يذم الكلاب: الناس ينامون بالليل الذي جعله الله تعالى سكناً ويتصرفون ويبصرون في النهار الذي جعله الله عز وجل مسرحاً، وهي على ضد ذلك، فاحتج من يرد عليه فقال إن سهرها بالليل ونومها بالنهار خصلة ملوكية ولو كان غير ذلك كان الملوك به أولى، وإنما انتباهها بالليل لأن الليل ينتشر فيه اللصوص ويكثر التسلق والنقب والسرقة ممن إذا أفضى إلى منزل قوم لم يرض إلا بالقتل وركوب السوءة ونهب المال، فهي تحرس من هذه الأحوال وتنبه عليه أصحابها. أما عن وصية الأعرابي فقد ذكر صاحب كتاب تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب عن أحمد بن منصور عن أبيه عن الأصمعي قال: حضرت بعض الأعراب الوفاة وكلب في جانب خيمته، فقال لأكبر ولده:
أوصيك خيراً به فإن له
صنائـع لا أزال أحمدهـا
يدل ضيفي عليّ في غسق الليل
إذا النـار نـام موقدهــا
هذا الكتاب غيّر مفاهيم كثيرة كانت في نفسي، فالمعتقدات شيء والحقيقة شيء آخر، أتمنى لو أن كل قارئ قرأ هذا الكتاب ليجد كثيراً من الأمثلة الجميلة والمعاني اللطيفة.