كان سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، شديد الحرص على رجاله . فقد عسكر في القادسية قبالة جيش الفرس بالعتيق بقيادة رستم، وعمل بوصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمر جيشه بالصبر والمطاولة . وأخذ ببث العيون خلف خطوط الفرس ليستطلع أمرهم ويقف على مواقع الضعف منهم، وليهتدي إلى قلوب الناس، وما كان يستميلهم ويعجبهم، وليستدل على خطوطهم فيعمل داخلها بالهدم والبناء معاً في آن .

وكانت المحاورات مع الفرس بواسطة بعوثه إليهم تستكمل سبل تعزيز قدراته عليهم نفسياً ومعنوياً، بحيث يجعل قلاعهم تنهار من الداخل، كما تجعل من صفوف جيشه وشعبه الذي يعضده صرحاً قوياً متماسكاً، لا تستطيع أعتى العواصف أن تنال منه مهما بلغت قوتها ومهما طغى جبروتها .

حذيفة بن محصن

وتركت وفادة ربعي بن عامر إلى بلاد فارس لاستطلاعها ولقاؤه مع رستم ومحاججته، آثارها القوية في نفس قائد الفرس، فأراد هذا الأخير أن يستميل أمراءه بعد ذهاب ربعي بن عامر، أو أراد تردد رسل المسلمين عليه، رجاء اقتناع قومه منهم وتفويت شرور الحرب عنهم . ولهذا نراه من الغد، يرسل إلى سعد بن أبي وقاص، أن أبعث إلينا ذلك الرجل (ربعي بن عامر) . فأوفد سعد، رضي الله عنه، إليهم حذيفة بن محصن، فأقبل في زي سابقه البسيط، ووقف على رستم راكباً . فقال رستم له: انزل . فأبى . فقال رستم: ما جاء بك؟ ولماذا لم يجئ الأول (ربعي بن عامر)؟ قال حذيفة بن محصن: إن أميرنا يحب العدل بيننا في الشدة والرخاء . ثم سأله رستم عمّا جاء بهم؟ فأجابه حذيفة، كما أجابه ربعي بن عامر وعرض عليهم الإسلام أو الجزية أو الحرب . وقال له إن المسلمين كالجسد الواحد، يجيز أدناهم على أعلاهم .

بعضكم أرباب بعض#171;

وسارع رستم إلى صرف حذيفة من الغد، فبعث إليه سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة، وكان داهية العرب في زمانه . فأقبل إليهم، وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة (مرمى سهم)، لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها . . وقد فهم المغيرة بن شعبة بشدة ذكائه مقصد رستم ورجاله . بحيث أرادوا أن يروه عظمة رستم ومهابته وكسرويته على الصفوف . فأقبل المغيرة، حتى جلس مع رستم على سريره . فوثبوا عليه ومعكوه وأنزلوه . فقال المغيرة بن شعبة مبعوث سعد، رضي الله عنه: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام . ولا أرى قوماً أسفه منكم . إنا معشر العرب، لا نستبعد بعضنا بعضاً . فظننت أنكم تواسون قومكم (يريد: تساوونهم بأنفسكم والخطاب كما لا يخفى للأمراء)، تماماً كما نتواسى . فكان أحسن من الذي صنعتم، أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد . وإني لم أتكلم، ولكن دعوتموني . اليوم علمت أنكم مغلوبون وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول.

نار في الهشيم#171;

والواقع أن المغيرة بن شعبة مبعوث سعد رضي الله عنه، قال ما قال على ملأ الناس بين جندي وأمير وقائد عسكري . وكان يسمع بصوته الجهوري كل الناس . فسرى كلامه في الرؤوس كما تسري النار في الهشيم، وانتفض له القوم، كما ينتفض الطائر من سباته العميق .

لقد أيقظ خطاب المغيرة بن شعبة، بما حمل إليهم من نفحات الإيمان والعقلانية والبطولة قوم كسرى وعناصر جيشه وحرسه وشرطه ودهاقينه الذين أصغوا إليه، فوقع في قلوبهم كالماء البارد في شدة القيظ . فهبوا هبوب المستيقظين من سباتهم العميق ونادوا معاً بأعلى الصوت: صدق والله هذا الأعرابي فيما قال .

وأما الدهاقين، وهم أهل البلاد والحقول والقرى الذين كان كسرى يقدمهم على غيرهم في المزارع، ويوكل إليهم العمل في الأرباع، فكان كلام المغيرة قد صب عليهم السياط من العذاب، فقالوا: والله لقد رمى (أي المغيرة) بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه . قاتل اللّه أولينا، حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة .

لقد استفز كلام المغيرة الدهاقين، لأنهم كانوا يشكلون الطبقة المستفيدة من كسرى الذي جعلهم أشراف البلاد وسادة الأمة . وجعل بقية الشعب خدماً لهم وعبيداً عندهم . ولذلك ما كاد يخرج مبعوث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المغيرة بن شعبة من مجمع الناس، حتى أصروا على الحرب ورفض ما دعاهم إليه المسلمون . فأفضى ذلك إلى زوال دولتهم وذهاب ملكهم .

ونحن نرى أن ما حال بينهم وبين الإسلام واستبقاء ملكهم في أيدي ملوكهم، إنما هو حب الشهوات والحرص على السيادة المطلقة، التي أراد لهم المسلمون تركها، وعيّرهم بها المغيرة بن شعبة وسابقوه من الموفدين . فكم أزال الاستبداد من الدول وكم دمر من الممالك . وليس أشأم على الناس والدول، من حكومات تؤصل في رجالها الاستبداد، بينما كان الإسلام يطلق دعوة الرحمة على الناس أجمعين.