الشارقة - "الخليج":
كغيرها الكثير من المجتمعات البدوية التي تعايشت مع الصحراء، واعتمدت النخل والماعز مصدر رزقها، عاش المجتمع الإماراتي القديم، وشكّل تراثه الذي بات اليوم هويته التي يعود إليها ليؤكد أصالته وطول المسافة التي قطعها ليكون ما هو عليه اليوم من مجتمع متحضر يتمتع بأنماط الحياة المعاصرة كافة، سواءً على صعيد الشكل المعماري، أو نمط العيش، أو حتى سبل التنقل .
رغم هذه المظاهر التي تؤكد حالة النهوض التي شهدتها الإمارات، إلا أنها لا تطمس هويتها السابقة، ولا تنظر إليها بعين غير راضية، بل تعنى بها بوصفها موروثاً يشكل ذاكرة البلاد، ويسرد مشوارها، ومسيرة الأجداد، لذلك تعتني المؤسسات الرسمية والأهلية والخاصة بأشكال التراث كافة، والتي تشمل الأكل والشرب، واللباس، والمعمار، والمهن .
ومن تلك المظاهر التي ما زالت حتى اليوم تلقى عناية، وتقدم في المتاحف، والمراكز التراثية، مهنة دباغة الجلود، وربما لا يخلو مجتمع ريفي أو بدوي يعتاش من الأغنام، والماعز، إلا مارسها، فهي مهنة مرتبطة بكل ما يتعلق في الصناعات الجلدية، والملابس والأحذية .
من هنا عرف المجتمع الإماراتي مهنة الدباغة، وصار لها ممتهنوها الذين يعرفون بدقة صنعتهم، وحرفيتهم العالية بها، فهي مهنة تحتاج إلى صبر وجهد، ودراية في الجلود وجودتها، فكان الدباغ الذي يذيع صيته في دقة صنعته، يلجأ إليه الكثير من "الصنايعية" الذين يعتمدون في صناعاتهم على الجلد، كالأحذية، والملابس، والطبول، وقِرَبِ الماء، وغيرها من الصناعات .
ويعّرف باحثو التراث مهنة الدباغة، بأنها مهنة موغلة في القدم، ينطلق عمل الدباغ فيها فور الانتهاء من سلخ جلد الماعز، حيث يرش الجلد بالملح ويترك تحت الشمس ثم ينزع عنه الشعر ليصبح جلداً نظيفاً جاهزاً للاستخدام .
وتتم عملية الدباغة على مراحل، فمنذ أن يسلخ جلد الماشية حتى يبدأ الدباغ عمله، إذ يترك الجلد بما عليه من ملح تحت الشمس لقرابة الأسبوعين، حتى يخرج منه كل المياه، ويجف ولا يبقى فيه أي مساحة حية طرية، فوجود لحم طري، أو بقاء جانب من الجلد ليس جافاً، يؤدي إلى تعفن الجلد عند استخدامه وتآكله لاحقاً . لذلك بعد أن يجف تماماً، يغمر بالماء والملح لينزع عنه الشعر، وفي تلك الحالة يكون نزع الشعر سهلاً لأن الجلد قد جف، فحين ينزع، يصبح الجلد نظيفاً، ويجفف من جديد، ثم يأخذ طريقه لباقي الصناعات الجلدية، فيدعك ويحف، ويقص، حسب الغرض الذي صنع لأجله، فإما أن يشد على الطبول، أو يخاط لقرب الماء أو يصنّع للأحذية .
ولا يدبغ جلد الماعز، وحسب، بل استخدمت المجتمعات التي تعيش في الصحراء، جلود الغنم وصوفها، فظهرت دباغة جلود الغنم التي يُستفاد من صوفها، حيث يقوم الدباغون بصناعة الملابس الشتوية منها، ويدبغون جلودها لتصبح طرية مع إبقاء الصوف وتشذيبه وتنظيفه .
وكذلك يستخدم جلد الأغنام نوعاً من الأثاث، إذ تفرش وسط الجلسات وعلى المقاعد، إضافة إلى أن الكثير من البيوت التراثية، التي تستخدمها نوعاً من الزينة وتعلقها على الجدران، بعد أن توضب، وتصبغ بأشكال هندسية، تضيف إلى البيوت جماليات شعبية تكمل أثاث البيت الذي غالباً ما يكون جلسات عربية، ومساند .
اليوم وقد تغيرت الحال، ولم يعد الدباغ يستعين بأدواته البسيطة، والملح، في الدباغة، تطورت المهنة ليقام لها مصانع ضخمة، تنتج الجلود، فظهرت العديد من مصانع دباغة الجلود في الإمارات، وباتت تنتج أجود أنواع الجلود في المنطقة، فتغيرت آليات صناعته وتغيرت أنواعه ومواد تجهيزه .
وباتت صناعة الجلود تمر بمراحل عديدة بعد الدباغة حيث تصبغ الجلود باستخدام لصبغات "الأنيلين" وصبغات الخشب الطبيعية والصبغات الحمضية، أو باستخدام بعض مواد الدباغة، وتتم الصباغة بتقليب الجلد مع مخلوط من الماء الدافئ ومادة الصباغة، ويضاف عادة الزيت لزيادة نعومته . وَتُرش مادة التشطيب على الجلد بعدد من الطبقات، ويستخدم في ذلك نوع من البروتين الموجود في الحليب ومركبات أخرى تؤخذ من الدم والحليب والشمع والزيوت، وكذلك "الكازين"، ليتم فيها تشطيب الجلد وتجهيزه، حيث تتم دحرجة أسطوانة فولاذية أو زجاجية فوق الجلد لتنعيمه وجعله براقاً، حينها يسمى الجلد شديد اللمعان "الجلد النموذجي"، وينتج بوضع طبقات من الطلاء الزيتي الثقيل "الورنيش" في نهاية عملية التحسين، فيكسب الورنيش الجلد النموذجي لمعة شديدة الثبات تمنحه مظهراً براقاً مميزاً .