بيروت - رنه جوني:
ما إن يطل الشتاء برأسه حتى يحتل الدبس المائدة فهو يعطي الدفء والصحة بالمفهوم اللبناني العام، يحتل دبس العنب والخروب مكانة رائدة في القرى اللبنانية وقلما يخلو بيت من أحد أنواعه، حيث يحرص معظم الناس على وجوده حيث يعطي طاقة ودفئاً ويؤكل بعد وضع طحينة السمسم أو اللبن فوقه غمساً بالخبز، وعند تساقط الثلوج يُمزج مع الثلج لتحضير مثلجات ويستخدم للتحلية بدل السكر ولصنع الحلويات المنزلية ولمعالجة نزلات البرد في فصل الشتاء .
كيف يصنع دبس الخروب والعنب وما فوائدهما الصحية؟ قديماً قيل عن دبس العنب إنه "ذهب لبنان الأبيض" وهو أيضاً أكسير الحياة، الذي أعيد اكتشافه عالمياً لفوائده الغذائية العديدة وكبديل صحي وطبيعي للسكر، وصناعة دبس العنب صناعة بيئية طبيعية مئة في المئة، لا يدخلها أي مركبات كيميائية . فهي "تصلح لغذاء الأطفال والكبار ولكافة أفراد الأسرة، ويوصي بها الأطباء وأخصائيو التغذية" .
في وسط المعصرة، يتولى حسين القضماني بلباسه التقليدي، تحريك عصير العنب في قدر كبير موضوع تحت نار قوية، مستخدماً مغرفة كبيرة قديمة ذات يد طويلة، في زاوية أخرى، يراقب عدد من العمال عملية التقطير وتجميع "المادة الذهبية" آلياً في خزانات قبل أن تشق طريقها النهائي لتتوزع على قوارير من أحجام مختلفة . يقول القضماني: "صناعة الدبس قديمة يعود عمرها إلى أكثر من ألف سنة، في سوريا وفلسطين كما إيران واليونان وفرنسا وإيطاليا وتركيا، واصبحت معروفة ومطلوبة عالمياً بعد أن ثبت أنها مصدر جيد للطاقة وتحتوي على العديد من المعادن الضرورية، وفي لبنان تحتل بلدة راشيا في البقاع الغربي المرتبة الأولى فيها وأدخلت التطور إليها بعد أن استعادت مكانتها التي كادت تفقدها بسبب لجوء البعض إلى المواد الاصطناعية" .
تمر عملية تصنيع "دبس العنب"، بمراحل عدة، تبدأ بقطاف الثمرة في نصف شهر سبتمبر/ أيلول، والخطوة الأولى عصر العنب، ثم تجفيفه ونقله إلى خزانات خاصة، ولفت القضمائي إلى أن "عصير العنب يترك مدة 12 ساعة حتى ترقد الشوائب في قعر الخزانات، ثم ينقل العصير المصفى إلى حلل كبيرة ليتم تكثيفه، عبر تبخير المياه منه لتبقى المواد الصلبة، ويطبخ العصير على البخار على درجة حرارة تصل إلى 100 درجة مئوية" . وحدد قدرة التصنيع في معصرته ما بين 400 إلى 500 طن من العنب في السنة، فيما يستعمل أكثر من 1500 طن من العنب في المنطقة لهذه الصناعة، ما يجعل المنتوج النهائي حوالي 150 إلى 200 طن من دبس العنب في راشيا .
دبس العنب له أهمية غذائية، فهو مادة محلية طبيعية، ويقول القضماني إن القدامى كانوا يسمونه "أبو عصبين"، وهو غني بمادة تساعد على توسيع الشرايين وتنقية الدم وتنشيط الأعصاب والمحافظة على نضارة البشرة والشباب . كما أنه غني بمادة التانين والألياف الغذائية التي تساعد على إنقاص الكوليسترول في الدم وتنظيم السكر، لافتاً إلى أن "العنب يحوي نسبة كبيرة من المعادن، وخصوصاً البوتاسيوم الذي يقي من ارتفاع ضغط الدم والكالسيوم المقوي للعظام، أما قشر العنب فيحتوي على مركب يحارب الشيخوخة ويقي من أمراض السكري والسرطان" .
وإذا كان دبس العنب إكسير الحياة، فإن دبس الخروب "عسل الفقراء الأسود" الذي يجنبهم الكثير من الأمراض، ويعد واحداً من أبرز مواد التجميل ويستخدم في صناعة الأدوية، ولكن هل من يقدر هذه الصناعة ويعطيها حقها؟
على مشارف جبل الرفيع يقع معمل دبس الخروب، الذي يعد الأول في منطقة النبطية وإقليم التفاح، افتتح قبل سبع سنوات من قبل الجمعية التعاونية الزراعية في عربصاليم بتمويل من الحكومة النمساوية، ويشكل واحداً من أبرز العوامل التي شجعت على إعادة زراعة شجرة الخروب التي عادت لتزين الطرقات في الكثير من البلدات في إطار خطة تعزيز المساحة الخضراء أولاً وثانياً تشجيع الزراعات الإنتاجية .
رحلة الخروب إلى معصرته، تبدأ بعد نضج ثمره وتحول لونه إلى الأسود، يقطف في شهر سبتمبر/ أيلول، ويجفف تحت أشعة الشمس، بعدها ينقل إلى المصنع، حيث تكون الفرامة بانتظاره . تقطعه وتفرمه ليعمل الغربال على تنقية كسر الخروب الصغيرة والكبيرة من شوائبها ويعربها ليذهب الكسر نقياً إلى التخمير، حيث في غرفة معتمة لمدة 60 يوماً يخمر وبعد هذه المدة ينقع في المياه لمدة ثماني ساعات يتم خلالها استخراج عصارته التي تحول إلى شراب مفيد لأمراض المعدة، بعدها تكون النار في انتظار العصارة لكي تطبخه وتحوله دبساً بعد مشوار أربع ساعات من الغليان على البخار الذي توفره آلة الشاديار، بعدها يصبح جاهزاً للبيع الذي يسوق تحت اسم دبس الجبل الرفيع . بشغف يعمل الحاج محمد نذر داخل المعمل ويعتبر أن "الصناعة في لبنان مهدور حقها، لو كانت هناك التفاتة بسيطة كنا صدّرنا إنتاج الخروب إلى الخارج ولكن عبثاً"، يمضي نذر ساعات داخل المصنع، يستقبل الخروب من المزارعين ويعيده إليهم دبساً معتمداً طريق المقايضة "عمدنا إلى هذه الطريقة تشجيعاً للمزارع أولاً وهرباً من احتكار السوق خاصة أن بعض التجار لجأ إلى استيراد الخروب من مصر ما خفّض سعره كثيراً" .
"شجرة الفقراء" جاء من يعرف قيمتها وعادت تنشط في قرى النبطية وإقليم التفاح "نحن بلد الداء ونصدر الدواء للخارج"، يردد الحاج محمد وهو الذي ينهمك في غلي شراب الخروب "لا أحد يعرف قيمة هذه الشجرة ولا ثمرها، للأسف، كان الأجداد يعتمدون عليه كمصدر حلو والألمان يستخدمون حبوب الخروب المحمصة مكان حبوب البُن أحياناً لصناعة القهوة، والفرنسيون يعتمدون على قشر البذر في صناعة أدوية التجميل ونحن لا نبالي بقيمته" لافتاً إلى أن "الأطباء اليوم ينصحون مرضاهم بأكل الدبس لأنه دواء ناجع للعديد من الأمراض إذ يحتوي على الفيتامين "ب" الذي يخفف من نسبة الضغط النفسي عند الفرد وينشط عمل الخلايا في الجسم، ويساعد على حل مشاكل الغازات وعسر الهضم والاكتام، يقصدني أطباء ليشتروا بذر الخروب ليصدروه إلى فرنسا لأنه يدخل في أدوية التجميل وغيرها ويعيدوا تصديره إلينا" .