خرج خالد بن الوليد إذاً، من الحيرة في أوائل شهر صفر سنة 13ه وعدته ستة آلاف (وفي رواية أخرى تسعة آلاف) قاصداً الشام، وكان عليه أن يجتاز نحو 600 ميل في ثمانية عشر يوماً . فطوى تلك المسافة في تلك الأيام، بعد أن قمع كل مقاومة فيها، مجتازاً المسالح والحصون المتساقطة وراء المفازة المهلكة والخاوية من كل ديار . في الوقت الذي كانت فيه جيوش المسلمين في الشام، تشرع في خطة جديدة للتراجع إلى الجنوب .
وكان الخليفة أبوبكر رضي الله عنه، قد سيّر أربعة جيوش للمسلمين بعيد منتصف السنة 12 ه، وعلى رأس كل جيش قائد مشهود له بالبطولة والشجاعة والحكمة والفروسية . إذ سير يزيد بن أبي سفيان على رأس ستة آلاف أو سبعة آلاف إلى دمشق، وسير شرحبيل بن حسنة على مثل هذا العدد إلى الأردن، وسير عمرو بن العاص على رأس جيش قوامه سبعة آلاف جندي إلى فلسطين . وسير أبا عبيدة بن الجراح على رأس خمسة آلاف جندي إلى الجابية . وقد أمدهم بعكرمة بن أبي جهل في جيش صغير ليحمي ظهورهم، ويسرع بالنجدة لمن يحتاج النجدة .
التراجع إلى الجنوب
وقد دعت حكمة الخليفة أبي بكر، إلى التفرقة بين هذه الجيوش في طرائقها وفي وجهاتها، لتأمين الماء والكلأ والمدد من جهة، ولتشتيت جموع الروم وتوزيع أغراضها من جهة أخرى . وربما أيضاً لغرض آخر وهو منع الالتفاف على الجيش الواحد، إذا أوغل في البلاد كما حدث قبل ذلك لجيش خالد بن سعيد . فالجيوش الأربعة، لا بد أن يكون كل واحد منها مدداً لصاحبه، وحائلاً قوياً لمنع الالتفاف عليه أو منقذاً له وحامياً لظهره إذا وقع في كمائن العدو . ومع تقدم هذه الجيوش الأربعة في وجهاتها التي رسمت لها، تقدم بعضها إلى دمشق، وتقدم بعضها الآخر إلى حمص، وأوغل بعضها في فلسطين . وعادت الاستطلاعات العسكرية بأن قيصر الروم يستعد لهم بجيش كبير في إنطاكية، وبجيش آخر في جوار بيت المقدس، فتشاور القادة العرب في ما يصنعون، فاستقر الرأي على التراجع إلى الجنوب . وقد اختلف المؤرخون فيمن هو صاحب المشورة الأولى في التراجع إلى الجنوب: أهو أبو سفيان بن حرب، أم عمرو بن العاص، ولكن الخليفة قد اقر هذا التراجع، لشعوره بحرج المسلمين في أماكنهم . فوضع خطة لإنقاذ أوضاعهم العسكرية من خلال استدعاء خالد بن الوليد من العراق لنصرة المسلمين في بلاد الشام وطرد الرومان منها، وتحرير القدس ودمشق وسائر البلدان .
دمشق تفتح أبوابها
وإذ يتعذر على المؤرخين تمحيص التواريخ في ترتيب الوقائع بعد وصول خالد بن الوليد إلى الشام، فإن المعركة الأولى على الأرجح، كانت قد بدأت مع الجيش الأصغر في أجنادين بالجنوب . وروى الطبري أن خالداً رضي الله عنه سار من القريتين وجوارين في منطقة حمص، إلى قصم وقاتل بني مشجعة، ثم سار إلى ثنية العقاب قرب دمشق ناشراً رايته السوداء، وكانت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وبها سميت الثنية . ثم سار إلى مرج راهط شرقي دمشق، مما يلي الغوطة، فأغار على غسان يوم فصحهم، وأرسل بسر بن أبي أرطأة، وحبيب بن مسلمة الفهري من قريش، فأغار على قرى الغوطة . ثم سار خالد رضي الله عنه ونزل بالجابية، وقيل بالباب الشرقي من دمشق، فأخرج بطريركها للمسلمين نزلاً وخدمة وقال احفظ لي هذا العهد، فوعده بذلك وكتب له كتاباً به .
وبعد أن دخلت جيوش المسلمين دمشق سلماً، وفتحت لهم أبوابها كافة واستوثق خالد رضي الله عنه بعهود مكتوبة من أهلها وبطريكها، سار خالد رضي الله عنه من دمشق إلى بصرى، وهي من أعمال حوران، فوجد عليها أبا عبيدة بن الجراح، وقيل يزيد بن أبي سفيان، فافتتحها وبعث بأخماسها إلى أبي بكر . وقد اختلف المؤرخون في شأن اليرموك . فهل وصل المسلمون إليها قبل أجنادين، أم أن وقعة أجنادين أتت بعد معركة اليرموك؟
والحال أن الروم هزموا في أجنادين، وبدأوا ينتظرون المسلمين القادمين لتحرير القدس وفلسطين كافة، وقد تحدث المؤرخون عن وفرة عدد الجيش الروماني ووفرة عدته بغير خلاف . غير أنهم قالوا إنه كان يتألف من عناصر عدة: الروم والأرمن والعرب وأجناس أخرى . وقد أثيرت فيهم حمية الدين، ولكنهم ثاروا لها متشككين متفرقين . أما جيش العرب المسلمين، فكان أمة واحدة، تدين بعقيدة واحدة وترجع إلى قيادة واحدة . وكانت صدورهم تحمل حمية القتال والثبات والاستبسال، غيرة على الدين، وغيرة على العرض . إذ كان في جيش المسلمين أصون كرائم العرب المسلمين: بنت أبي بكر وأم معاوية، وزوج عكرمة بن أبي جهل وعقائل أناس من الجند والقادة . وقد ناداهن أبو عبيدة قبل المعركة: أن يأخذن بأيديهن أعمدة الخيام والحجارة، فإن رأين أحداً من المسلمين منهزماً ضربن وجهه بأعمدتهن وأرجعنه بحجارتهن وقلن له: قاتل عن أهلك وعن الإسلام . أما خالد رضي الله عنه فقال لهن: يا نساء المسلمين: أيما رجل أقبل عليكن منهزماً فاقتلنه.