لم تنجب للنبي صلى الله عليه وسلم من نسائه إلا اثنتان هما خديجة بنت خويلد ومارية بنت شمعون القبطية المصرية رضي الله عنهما، فخديجة أنجبت من الذكور: القاسم، وعبدالله ويقال له: الطيب أو الطاهر، وماتا صغيرين لم يبلغا ودفنا بمكة قبل الهجرة، وأنجبت من الإناث زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة وكلهن كبرن وتزوجن.
فزينب تزوجت من أبي العاص بن الربيع، ورقية، وأم كلثوم، تزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه، واحدة بعد واحدة، وتوفاهما الله عنده. وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنجبت الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة.
ومارية القبطية أنجبت إبراهيم الذي مات وهو رضيع لم يفطم بعد ودفن بالبقيع كما دفنت كل من رقية وأم كلثوم بالبقيع وكذا فاطمة رضي الله عنها وقد ماتت بعد أبيها.

وفاة زينب

جاء في كتاب «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم» لمجدي محمد الشهاوي: «عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا معه، فرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتماً شديد الحزن، فجعلنا لا نكلمه حتى انتهينا إلى القبر، فإذا هو لم يفرغ من لحده، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعدنا حوله، فحدث نفسه هنيهة، وجعل ينظر إلى السماء، ثم فرغ من القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فرأيته يزداد حزناً، ثم إنه فرغ فخرج، فرأيته سري عنه وتبسم صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله رأيناك مهتماً حزيناً لم نستطع أن نكلمك، ثم رأيناك سري عنك، فلم ذاك؟ قال: كنت أذكر ضيق القبر وغمه، وضعف زينب، فكان ذلك يشق علي، فدعوت الله عز وجل أن يخفف عنها ففعل، ولقد ضغطها ضغطة سمعها من بين الخافقين إلا الجن والأنس». (أخرجه الطبراني).
وفي رواية عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج بجنازتها، وخرجنا معه، فرأيناه كئيباً حزيناً، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم قبرها خرج ملتمع اللون، وسألناه عن ذلك فقال: إنها كانت امرأة مسقامة، فذكرت شدة الموت وضمة القبر، فدعوت الله أن يخفف عنها». (أخرجه الحاكم)

.. وأختها رقية

ويذكر الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: «بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة تمر الأيام وتأتي غزوة بدر التي كتب الله فيها النصر للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو في غاية السعادة والسرور لهذا النصر الذي أكرمه الله به.. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خلف عثمان بن عفان رضي الله عنه لأن زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة جداً.. فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر علم أن رقية قد ماتت ودفنت، فاحتسبها عند الله ورضي بقضاء الله جل وعلا وشارك المسلمين فرحتهم بالنصر حتى لا تنقلب سعادتهم حزناً.. فيا له من نبي كريم بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وسلم».
وبعد أن توفيت رقية رضي الله عنها زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ابنته أم كلثوم رضي الله عنها.. ولذلك كان عثمان يسمى بذي النورين لأنه تزوج بنتين من بنات الرسول صلى الله عليه وسلم.

.. وأم كلثوم

وفى شهر شعبان سنة تسع من الهجرة النبوية المباركة، شعرت أم كلثوم بقرب لقاء الله عز وجل، وهبط عليها المرض، فأضحت طريحة الفراش، وفي صبح أحد تلك الأيام، كان صوت بلال ينسكب في آذان المسلمين، وكانت أم كلثوم رضي الله عنها ذابلة الجسد، قد نال منها الوهن، فتمددت في فراشها تغالب المرض، ولكن لسانها ظل يتحرك بذكر الله عز وجل، ودخلت عليها أم عياش، فألفتها في النزع الأخير، فأرسلت إلى الرجال في المسجد النبوي الشريف، فأسرع عثمان زوجها إلى داره، فإذا بأم كلثوم تعالج سكرات الموت، فراح ذو النورين يناديها في وجد، وهو مشفق عليها، وعلى نفسه، فقد كان يفزعه أن ينقطع بموتها نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر الفاروق وعلي وبعض الأنصار رضي الله عنهم جميعاً، ودخل النبي الكريم على ابنته، وهي تجود بآخر أنفاسها، فدمعت عيناه الشريفتان، ولسانه يتحرك بما يرضى الرب جل وعلا من الصبر الجميل.
وصعدت روح أم كلثوم إلى ربها راضية مرضية تشهد شهادة الحق، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبدالمطلب وأم عطية الأنصارية رضي الله عنهن وصلى عليها النبي الكريم، ومن ثم انطلقت الجنازة إلى البقيع، ووضعت أم كلثوم في قبرها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صابر راض بقضاء الله وقدره، دامع بغير صوت، حزين بلا جزع، متألم بلا هلع.

«إنا عليه لمحزونون»

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين (القين: الحداد) وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام، (الظئر هي المرأة التي ترضع ولد غيرها وزوجها ظئر لذلك الرضيع فلفظة ظئر تطلق على الأنثى والذكر) فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة».. ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، (البخاري).
وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنه وهو يجود بنفسه، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره، حتى خرجت نفسه، قال: فوضعه وبكى. قال ابن عوف: فقلت: تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء؟ فقال: «إني لم أَنْهَ عن البكاء، ولكنى نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نعمة، لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة، لطم وجوه وشق جيوب. وهذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم، ولولا أنه وعد صادق وقول حق وأن يلحق أولانا بأخرانا لحزنا عليك حزناً أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب».
وعن مكحول قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتمد على عبدالرحمن بن عوف وإبراهيم يجود بنفسه، فلما مات دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عبدالرحمن: أي رسول الله هذا الذي تنهى الناس عنه؟ متى يراك المسلمون تبكي يبكوا، قال: فلما سربت عنه عبرته قال: «إنما هذا رحم وإن من لا يرحم لا يرحم، إنما ننهى الناس عن النياحة، وأن يندب الرجل بما ليس فيه».. ثم قال: «لولا أنه وعد جامع، وسبيل مئتاء، وأن آخرنا لاحق بأولنا، لوجدنا عليه وجداً غير هذا، وإنا عليه لمحزونون، تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب». (طبقات ابن سعد).

من خطايا الجاهلية

عن أبي أمامة قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي إبراهيم وعيناه تدمعان فقال: يا نبي الله تبكي على هذا السخل؟ (السخل: الضعيف، يقال سخلت النخلة، أي: ضعف ثمرها) والذي بعثك بالحق لقد دفنت اثني عشر ولداً في الجاهلية كلهم آسف منه، (يقال: أسف وجهه أي: تغير لونه وشحب)، كلهم أدسه في التراب أحياء، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «فما ذاك بأن كانت الرحمة ذهبت منك، يحزن القلب، وتدمع العين على إبراهيم، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا على إبراهيم لمحزونون».