د. محمد عبدالحليم عمر*

قصة سيدنا موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬مليئة بالدروس الاقتصادية المتنوعة،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمتها‮ «‬الاستسقاء‮»،‮ ‬وهو طلب السقيا من الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬بإنزال الماء عند عدم وجود الماء والقحط،‮ ‬حيث جاء قوله تعالى‮: «‬وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في‮ ‬الأرض مفسدين».. ‬وفي‮ ‬ذلك درس للمتشائمين اليوم بأن العالم مقبل على ندرة شديدة في‮ ‬الماء وعدم كفايتها،‮ ‬فهذا‮ ‬يخالف مقتضى الإيمان بالله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬الذي‮ ‬أخبر في‮ ‬آيات عديدة بأنه‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬هو الذي‮ ‬خلق الحياة وتكفل بمقوماتها،‮ وأن خزائنه عامرة بالأرزاق،‮ ‬ومنها الماء‮ «‬وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم‮»‬‮.‬
وتنوع السلع مطلب إنساني،‮ ‬وهو درس مستفاد من قصة سيدنا موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬مع بني‮ ‬إسرائيل حينما شكوا إليه عدم الصبر على طعام واحد‮ - ‬رغم أفضليته‮ - ‬وهو المن والسلوى وطلبوا أطعمة أدنى منه،‮ ‬وذلك ما جاء في‮ ‬قوله تعالى‮: «وإذ قلتم‮ ‬يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك‮ ‬يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي‮ ‬هو أدنى بالذي‮ ‬هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم».
فمن هذه الآية‮ ‬يتضح أن من طبع الإنسان التنوع في‮ ‬الأطعمة،‮ ‬وأن الاقتصار على طعام واحد‮ - ‬ولو كان ذا قيمة كبيرة وأفضل أنواع الأطعمة‮ - ‬يمل منه الإنسان ويقلل الشهوة والرغبة،‮ وقد استجاب الله لدعاء سيدنا موسى بالتنوع،‮ ‬فقال سبحانه‮: «‬اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم‮».
ويظهر أيضاً في‮ ‬قصة سيدنا موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬مع سيدنا شعيب‮ - ‬عليه السلام‮ - حسن اختيار العاملين، حيث رشحت إحدى ابنتيه موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬للعمل لدى والدها،‮ بناء على مواصفات فيه تجعله أهلا للعمل،‮ ‬وهذه المواصفات هي‮ ‬القوة والأمانة‮: «‬قالت إحداهما‮ ‬يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي‮ ‬الأمين‮».. ‬والعلوم الإدارية اليوم في‮ ‬قمة تطورها لم تضف جديداً إلى أسس اختيار العاملين‮ ‬غير ما ذكر،‮ ‬حيث تحدد هذه الأسس إجمالاً في‮ ‬كل من الكفاءة‮: ‬بمعنى القدرة على العمل،‮ ‬والصفات الأخلاقية‮: ‬حسبما‮ ‬يتطلبه كل عمل،‮ ‬والعمل المرشح له سيدنا موسى كان العمل في‮ ‬الزراعة،‮ ‬وهو‮ ‬يحتاج إلى قوة،‮ ‬ثم الأمانة لأنه سوف‮ ‬يتسلم العمل في‮ ‬المال.
يلاحظ أن سيدنا موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬قد استخدم سلاح الدعاء الاقتصادي‮ ‬بشقيه مرات عديدة،‮ ‬كما‮ ‬يتضح من دعائه لبني‮ ‬إسرائيل بتنوع الطعام،‮ ‬واستجاب الله‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ ‬- لدعائه،‮ ‬وقال عز وجل‮: «‬اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم‮».. ‬وأيضاً من دعائه على فرعون ولفرعون مرتين‮:‬

الأولى‮: ‬حينما أرسل الله‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬جنوده من الطوفان والحشرات على فرعون وقومه كما قال ربنا‮: «‬فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات‮»‬،‮ ‬هنا لجأوا إلى سيدنا موسى طالبين منه الدعاء لله أن‮ ‬يكشف عنهم ذلك،‮ ‬واستجاب الله‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬لدعوته كما جاء في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬ولما وقع عليهم الرجز قالوا‮ ‬يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني‮ ‬إسرائيل‮».‬

المرة الثانية‮: ‬حينما دعا سيدنا موسى على فرعون وماله بالهلاك،‮ ‬حيث‮ ‬يقول ربنا سبحانه‮: «‬وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في‮ ‬الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا‮ ‬يؤمنوا حتى‮ ‬يروا العذاب الأليم‮»‬،‮ ‬واستجاب الله سبحانه لدعائه،‮ ‬حيث‮ ‬يقول عز وجل‮: «‬قال قد أجيبت دعوتكما‮».

أيضاً نستفيد من قصة سيدنا موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬معايير اتخاذ القرارات الاقتصادية،‮ ‬ويظهر ذلك في‮ ‬قصة قارون الذي‮ ‬كان من قوم موسى كما قال ربنا‮: «‬إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز‮»‬،‮ ‬حيث جاءت في‮ ‬سياق هذه القصة أربعة معايير لاتخاذ القرارات الاقتصادية والحكم على الأداء الاقتصادي،‮ ‬وهي‮ ‬ما ورد في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬وابتغ‮ ‬فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ‮ ‬الفساد في‮ ‬الأرض إن الله لا‮ ‬يحب المفسدين‮».‬
وتتلخص هذه المعايير في‮ ‬النظر في‮ ‬كل تصرف اقتصادي‮ ‬قبل الإقدام عليه للتأكد إن كان‮ ‬يرضي‮ ‬الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬بأنه حلال ومشروع ولا‮ ‬ينطوي‮ ‬على حرام، ‬ومن شأن الالتزام بهذا المعيار منع الممارسات‮ ‬غير الأخلاقية التي‮ ‬انتشرت في‮ ‬اقتصاد اليوم.
أيضاً أرسى موسى‮ - ‬عليه السلام‮ - ‬المعيار القرآني‮ «‬ولا تنس نصيبك من الدنيا‮»‬،‮ ‬أي‮ ‬لا بد لأي‮ ‬تصرف اقتصادي‮ ‬أن‮ ‬يحقق نفعاً لك وهذا ما‮ ‬يفسر اقتصادياً بتحقيق الكفاءة الاقتصادية‮.‬
و«أحسن كما أحسن الله إليك‮» ‬أي‮: ‬أحسن إلى من تتعامل معهم فلا تبخسهم حقهم،‮ ‬وأحسن إلى المحتاجين بأداء ما عليك وتصدق عليهم ومن شأن هذا المعيار أن‮ ‬يساعد في‮ ‬مكافحة الفقر.
و«لا تبغ‮ ‬الفساد في‮ ‬الأرض‮»‬،‮ ‬أي‮ ‬لا‮ ‬يترتب على تصرفك الاقتصادي‮ ‬فساد مادي‮ ‬بتلوث البيئة،‮ ‬أو فساد معنوي‮ ‬بالغش والرشوة والاختلاس‮.‬

أستاذ الاقتصاد الإسلامي جامعة الأزهر‮