قصة سيدنا موسى - عليه السلام - مليئة بالدروس الاقتصادية المتنوعة، وفي مقدمتها «الاستسقاء»، وهو طلب السقيا من الله - عز وجل - بإنزال الماء عند عدم وجود الماء والقحط، حيث جاء قوله تعالى: «وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين».. وفي ذلك درس للمتشائمين اليوم بأن العالم مقبل على ندرة شديدة في الماء وعدم كفايتها، فهذا يخالف مقتضى الإيمان بالله - عز وجل - الذي أخبر في آيات عديدة بأنه - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق الحياة وتكفل بمقوماتها، وأن خزائنه عامرة بالأرزاق، ومنها الماء «وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم».
وتنوع السلع مطلب إنساني، وهو درس مستفاد من قصة سيدنا موسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل حينما شكوا إليه عدم الصبر على طعام واحد - رغم أفضليته - وهو المن والسلوى وطلبوا أطعمة أدنى منه، وذلك ما جاء في قوله تعالى: «وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم».
فمن هذه الآية يتضح أن من طبع الإنسان التنوع في الأطعمة، وأن الاقتصار على طعام واحد - ولو كان ذا قيمة كبيرة وأفضل أنواع الأطعمة - يمل منه الإنسان ويقلل الشهوة والرغبة، وقد استجاب الله لدعاء سيدنا موسى بالتنوع، فقال سبحانه: «اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم».
ويظهر أيضاً في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - مع سيدنا شعيب - عليه السلام - حسن اختيار العاملين، حيث رشحت إحدى ابنتيه موسى - عليه السلام - للعمل لدى والدها، بناء على مواصفات فيه تجعله أهلا للعمل، وهذه المواصفات هي القوة والأمانة: «قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين».. والعلوم الإدارية اليوم في قمة تطورها لم تضف جديداً إلى أسس اختيار العاملين غير ما ذكر، حيث تحدد هذه الأسس إجمالاً في كل من الكفاءة: بمعنى القدرة على العمل، والصفات الأخلاقية: حسبما يتطلبه كل عمل، والعمل المرشح له سيدنا موسى كان العمل في الزراعة، وهو يحتاج إلى قوة، ثم الأمانة لأنه سوف يتسلم العمل في المال.
يلاحظ أن سيدنا موسى - عليه السلام - قد استخدم سلاح الدعاء الاقتصادي بشقيه مرات عديدة، كما يتضح من دعائه لبني إسرائيل بتنوع الطعام، واستجاب الله - سبحانه وتعالى - لدعائه، وقال عز وجل: «اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم».. وأيضاً من دعائه على فرعون ولفرعون مرتين:
الأولى: حينما أرسل الله - سبحانه وتعالى - جنوده من الطوفان والحشرات على فرعون وقومه كما قال ربنا: «فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات»، هنا لجأوا إلى سيدنا موسى طالبين منه الدعاء لله أن يكشف عنهم ذلك، واستجاب الله - سبحانه وتعالى - لدعوته كما جاء في قوله تعالى: «ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل».
المرة الثانية: حينما دعا سيدنا موسى على فرعون وماله بالهلاك، حيث يقول ربنا سبحانه: «وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم»، واستجاب الله سبحانه لدعائه، حيث يقول عز وجل: «قال قد أجيبت دعوتكما».
أيضاً نستفيد من قصة سيدنا موسى - عليه السلام - معايير اتخاذ القرارات الاقتصادية، ويظهر ذلك في قصة قارون الذي كان من قوم موسى كما قال ربنا: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز»، حيث جاءت في سياق هذه القصة أربعة معايير لاتخاذ القرارات الاقتصادية والحكم على الأداء الاقتصادي، وهي ما ورد في قوله تعالى: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين».
وتتلخص هذه المعايير في النظر في كل تصرف اقتصادي قبل الإقدام عليه للتأكد إن كان يرضي الله - عز وجل - بأنه حلال ومشروع ولا ينطوي على حرام، ومن شأن الالتزام بهذا المعيار منع الممارسات غير الأخلاقية التي انتشرت في اقتصاد اليوم.
أيضاً أرسى موسى - عليه السلام - المعيار القرآني «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، أي لا بد لأي تصرف اقتصادي أن يحقق نفعاً لك وهذا ما يفسر اقتصادياً بتحقيق الكفاءة الاقتصادية.
و«أحسن كما أحسن الله إليك» أي: أحسن إلى من تتعامل معهم فلا تبخسهم حقهم، وأحسن إلى المحتاجين بأداء ما عليك وتصدق عليهم ومن شأن هذا المعيار أن يساعد في مكافحة الفقر.
و«لا تبغ الفساد في الأرض»، أي لا يترتب على تصرفك الاقتصادي فساد مادي بتلوث البيئة، أو فساد معنوي بالغش والرشوة والاختلاس.
أستاذ الاقتصاد الإسلامي جامعة الأزهر