تقع الأحداث العظيمة لنتعلم منها ونخرج بالدروس والعبر التي ننتفع بها ونتعرف إلى آثارها عبر التاريخ.. وستبقى حادثة الإسراء والمعراج مثالا حيا على اصطفاء الله لنبيه الكريم وتقريبه إياه وتفضيله على سائر خلقه بهذه الرحلة المباركة.

وتظل المعجزة مددا للمؤمنين الصادقين الذين يبحثون عن غذاء الروح، والسمو بالأخلاق والسلوكيات، ومعراجا للنفس الذكية، كما أن الذكرى تبقى زادا لعلماء الحضارة وقراءة التاريخ الإنساني، وبيانا للروابط بين بني البشر، ومساحات للتقارب والتباعد بينهم، كما أنها تبقى مصدرا لتوليد قواعد جديدة في فقه العلاقة مع الآخر، ينتفع بها الفقهاء، ويقوم على استخلاص هذا الجهد علماء الأصول.

تبدأ سورة الإسراء بكلمة سبحان الذي أسرى.. وفيها التنزيه والتعظيم والإجلال لصاحب هذه المعجزة من ألفها إلى يائها فكانت المعجزة كلها بقدر الله وبقدرة الله عز وجل ولكن الأمةَ تتعلم درس التسبيح والتعظيم والتمجيد لله عز وجل والكون كله مسبح لله يقول تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبحُ بِحَمْدِهِ (الإسراء: 44) فالكون كله مسبح لله عز وجل ذكرًا لله تبارك وتعالى فكل عبادة في هذا الدين الحنيف لها حد ووقت إلا الذكر ليس له حد ولا وقت ولا حال يقول تعالى: إِن فِي خَلْقِ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْلِ وَالنهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ (سورة آل عمران: 190-191).

فينبغي أن تعيش الأمة مسبحة لله وذاكرة لله، فهذا رجل سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن عبادة يسهل أن يطبقها وترفع درجته عند ربه فقال له: ولا يزال لسانك رطباً بذكر الله.

وأن تعيش الأمة مسبحة فهذه كانت وصية خليل الله إبراهيم لنبينا في هذه الرحلة المباركة فعندما صعد إلى السماء السابعة وجد خليل الله إبراهيم ساندًا ظهره إلى البيت المعمور فقال: له يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنةَ طيبة التربة وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فهل تعلمت الأمة كيف تغرس لنفسها في جنة الله؟

الأمة الذاكرة لربها أمة منصورة لأنها أمة موصولة بالله، وأما الأمة الناسية لربها المعرضة عن هديه ومنهاجه فهي أمة كما قال القرآن فيها: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَب لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (سورة طه: 124-126).

هذا نبي الله سليمان الذي آتاه الله ملكا لم يعطه لأحد قبله ولم يعطه لأحد بعده يعلم الرجل الذي تعجب من ملك آل داود فقال سبحان الله لقد آتى الله آل داود ملكًا عظيمًا فقال له يا رجل إن قولك سبحان الله هو أعظم عند الله من ملك آل داود.

دور المسجد

إن ربط أحداث الرحلة في بدايتها ونهايتها بالمسجد، حقيقة لافتة ولاشك.. فالخروج من مسجد إلى مسجد لتعلم الأمة قيمة المسجد ومكانته في الإسلام، فهو بيت الأمة الذي اهتم به رسول الله في بداية بناء دولة الإسلام، فالمسجد له مكانته وله دوره في الإسلام، ولا بد أن يعود دور المسجد ورسالة المسجد حتى يتخرج فيه الرجال الذين يحملون دعوة الله ويبلغون رسالة الله الذين قال الحق فيهم: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصلاةِ وَإِيتَاءِ الزكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (سورة النور: 36-38).

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة: بيوتي في الأرض المساجد، وزوارها عُمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فكان حقاً على المزور أن يُكرم زائره.

أراد الله تبارك وتعالى أن يربط بين المسجدين، المسجد الذي ابتدأ منه الإسراء، والمسجد الذي انتهى إليه الإسراء، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حتى يرتبط في وجدان المسلم هذان المسجدان، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وقد وصف الله المسجد الأقصى بالبركة في قوله: الذي باركنا حوله تثبيتاً لمكانة هذا المسجد، وهذا قبل أن يوجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المسجد النبوي لم ينشأ إلا بعد الهجرة، في المدينة وتوطيد هذا المعنى وتثبيته في عقول الأمة وقلوبها هدف من أهداف السورة حتى لا يفرط المسلمون في أحد المسجدين، فمن فرط في المسجد الأقصى أوشك أن يفرط في المسجد الحرام، فالأقصى هو المسجد الذي ارتبط بالإسراء والمعراج، والذي صلى إليه المسلمون مدة طويلة من الزمن، حينما فرضت الصلاة، حيث كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، ثلاث سنين في مكة وستة عشر شهراً في المدينة، وهو المسجد الذي لا تشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبهذا كانت القدس هي المدينة الثالثة المعظمة في الإسلام بعد مكة والمدينة.

عقائد التوحيد

يقول صاحب الظلال رحمه الله: والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعًا، وكأنما أريد بهذه الرحلة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعًا، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آماداً وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى، وبذلك تصبح هذه الأماكن المقدسة جزءاً لا يتجزأ من الرسالة الخاتمة، ولا يحق لأحد أن ينكر على أصحاب هذه الرسالة اهتمامهم بتلك الأماكن، والمطالبة بحقهم فيها، والدفاع عنها ضد أي اعتداء.

تهيئة لمستقبل الدعوة

هيأ الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، الإسراء والمعراج، ليكون ذلك تسرية وتسلية له عما قاسى، تعويضاً عما أصابه ليعلمه الله عز وجل أنه إذا كان قد أعرض عنك أهل الأرض فقد أقبل عليك أهل السماء، وإذا كان هؤلاء الناس قد صدّوك فإن الله يرحب بك وإن الأنبياء يقتدون بك، ويتخذونك إماماً لهم.

كان هذا تعويضاً وتكريماً للرسول صلى الله عليه وسلم منه عز وجل، وتهيئة له للمرحلة القادمة، فإنه بعد سنوات قيل إنها ثلاث سنوات وقيل ثمانية عشر شهراً (لا يعلم بالضبط الوقت الذي أسري فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم)، كانت الهجرة وكان الإسراء والمعراج إعداداً لما بعد الهجرة، من حياة جهاد ونضال مسلح، حيث سيواجه صلى الله عليه وسلم العرب جميعاً، سيرميه العرب عن قوس واحدة، ستقف الجبهات المتعددة ضد دعوته العالمية، الجبهة الوثنية في جزيرة العرب، والجبهة الوثنية المجوسية من عباد النار والجبهة اليهودية المحرفة لما أنزل الله والغادرة التي لا ترقب في مؤمن ذمة، والجبهة النصرانية التي حرفت الإنجيل والتي خلطت التوحيد بالوثنية، والتي تتمثل في دولة الروم البيزنطية.

كان لا بد أن يتهيأ صلى الله عليه وسلم لهذه المرحلة الضخمة المقبلة ومواجهة كل هذه الجبهات، بهذا العدد القليل وهذه العدة الضئيلة، فأراد الله أن يريه من آياته في الأرض وآياته في السماء.. قال الله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا حتى يرى آيات الله في هذا الكون وفي السماء أيضاً كما قال الله تعالى في سورة النجم التي أشار فيها إلى المعراج: ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى (النجم: 17 18).

أراد الله أن يريه من هذه الآيات الكبرى حتى يقوى قلبه ويصلب عوده، وتشتد إرادته في مواجهة الكفر بأنواعه وضلالاته، كما فعل الله تعالى مع موسى عليه السلام، حينما أراد أن يبعثه إلى فرعون، هذا الطاغية الجبار المتأله في الأرض الذي قال للناس أنا ربكم الأعلى، ما علمت لكم من إله غيري.

اختبار المؤمنين

لم تَخْلُ هذه الرحلة أيضًا من مغزى آخر، وهو أن الله عز وجل أراد أن يبلوَ ويختبر المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيرى مدى صدق إيمانهم، ومدى ثبات عقيدتهم، عندما يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم أخبار هذه الرحلة التي لا يتصورها عقل في تلك الحقبة من الزمن، هل سيثبتون على تصديقه صلى الله عليه وسلم، أم ستتخلخل عقيدتهم، وينهار إيمانهم؟

كانت رحلة الإسراء والمعراج مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توالت عليه شدائد الأحداث وقسوتها، حيث نقلته الى عالم أرحب، وأفق أقدس وأطهر، فلئن مات أبو طالب، وانتقلت خديجة إلى جوار الله عز وجل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعين الله، يحوطه ويرعاه، يحرسه ويصونه، ولئن ضاقت سبل الأرض، وسدت أبوابها، فهذه آفاق السماء مفتحة، وأبوابها مشرعة، وطريق ولوجها سهلة، فما ودعه ربه، وما قلاه، ولا هجره، ولا جفاه، إنه بعين المشيئة تتولاه بالنصر والتأييد، ولئن بُعِثَ كل نبي إلى قومه خاصة، فإنه المبعوث رحمة للعالمين كافة، والوارث لكل ما سبقه من الأديان، يكمل مكارمها، ويقوم ما حرفت أيدي البغي من تعاليمها، ويرد للدنيا فطرتها، وللإنسانية كرامتها، ويصلح الملة العوجاء، وينشر الحنيفية السمحة، ويحقق قول الحق تبارك وتعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (التوبة: 33).