أحمد حلمي سيف النصر

أمضى النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كما وصفه رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، سنين عدة في سجن مظلم، مظلوماً منسياً، ولم يكن لديه من عمل إلا بناء شخصيته، وإرشاد السجناء، وعيادة مرضاهم، وتسلية الموجعين منهم، والدعوة إلى الله الواحد القهار كدأب آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، حتى غيّرت (حياته) حادثة صغيرة بحسب الظاهر.. ولم تغير هذه الحادثة حياته فحسب، بل حال مصر وما حولها.
أرسل إليه الملك من يقوله له: «يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون»، (يوسف 46- 47).

كم كان تفسير يوسف لهذه الرؤيا دقيقاً ومحسوباً؛ حيث كانت البقرة في الأساطير القديمة مظهر النعمة والغنى.. وكون البقرات سماناً دليل على كثرة النعمة، وكونها عجافاً دليل على الجفاف والقحط، وهجوم السبع العجاف على السبع السمان يقتضي أن يستفاد من ذخائر السنوات السابقة.

وسبع سنبلات خضر وقد أحاطت بها سبع سنبلات يابسات تأكيد آخر على هاتين الفترتين فترة النعمة وفترة الشدة، إضافة إلى أنه أكد له هذه المسألة الدقيقة، وهي خزن المحاصيل في سنابلها لئلا تفسد بسرعة وليكون حفظها إلى سبع سنوات ممكناً.

وكلمة «دأب» على وزن «أدب» تعني في الأصل إدامة الحركة، كما أنها بمعنى العادة المستمرة، فيكون معنى الكلام: عليكم أن تزرعوا تبعاً لعادتكم المستمرة في مصر، ولكن ينبغي أن تقتصدوا في مصرفه.. ويحتمل أن يكون المراد منه أن تزرعوا بجد وجهد أكثر فأكثر لأن دأباً ودؤوباً بمعنى الجد والتعب أيضاً، أي اعملوا حتى تتعبوا.

وكون عدد البقرات العجاف والسنابل اليابسات لم يتجاوز السبع لكل منهما دليل آخر على انتهاء الجفاف والشدة مع انتهاء تلك السنوات السبع.. وبالطبع فإن سنة ستأتي بعد هذه السنوات ستكون مملوءة بالخيرات والأمطار، فلابد من التفكير في البذر في تلك السنة وأن يحتفظوا بشيء مما يخزن.

تخطيط مستقبلي

وفي الحقيقة لم يكن يوسف مفسراً بسيطاً للأحلام، بل كان قائداً يخطط من زاوية السجن لمستقبل البلاد، وقد قدم مقترحاً من عدة مواد لخمسة عشر عاماً على الأقل، وكما سنرى فإن هذا التفسير المقرون بالمقترح للمستقبل حرك الملك وحاشيته وكان سبب إنقاذ أهل مصر من القحط القاتل من جهة، وأن ينجو يوسف من سجنه وتخرج الحكومة من أيدي الطغاة من جهة أخرى.

إن يوسف من دون أن يطلب شرطاً أو قيداً أو أجراً لتفسيره بادر إلى تفسير الرؤيا فوراً تفسيراً دقيقاً لا غموض فيه ولا حجاب مقروناً بما ينبغي عمله في المستقبل و(قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون).
ثم أنه يحل بكم القحط لسبع سنين متوالية فلا أمطار ولا زراعة كافية، فعليكم بالاستفادة مما جمعتم في سني الرخاء (ثم يأتي بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن).
ولكن عليكم أن تحذروا من استهلاك الطعام (إلا قليلاً مما تحصنون) وإذا واظبتم على هذه الخطة فحينئذ لا خطر يهددكم لأنه (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس)..
و(يغاث الناس) أي يدركهم الغيث فتكثر خيراتهم، وليس هذا فحسب، بل (فيه يعصرون) المحاصيل لاستخراج الدهن والفاكهة لشرب عصيرها.

تنظيم الزراعة

كان يوسف يعلم أن جانباً كبيراً من الاضطراب الحاصل في ذلك المجتمع الكبير المليء بالظلم والجور يكمن في القضايا الاقتصادية، والآن وبعد أن عجزت أجهزة الحكم من حل تلك المشاكل واضطروا لطلب المساعدة منه، فمن الأفضل له أن يسيطر على اقتصاد مصر حتى يتمكن من مساعدة المستضعفين وأن يخفف عنهم قدر ما يستطيع الآلام والمصاعب ويسترد حقوقهم من الظالمين. ويقوم بترتيب الأوضاع المتردية في ذاك البلد الكبير، ويجعل الزراعة وتنظيمها هدفه الأول وخاصة بعد وقوفه على أن السنين القادمة هي سنوات الوفرة؛ حيث تليها سنوات المجاعة والقحط، فيدعو الناس إلى الزراعة وزيادة الإنتاج وعدم الإسراف في استعمال المنتجات الزراعية وتقنين الحبوب وخزنها والاستفادة منها في أيام القحط والشدة.. وهكذا لم ير يوسف بُداً من تولية منصب الإشراف على خزائن مصر.

اختار يوسف منصب الأمانة على خزائن مصر، وقال للملك اجعلني مشرفاً على خزائن هذا البلد فإني حفيظ عليم وعلى معرفة تامة بأسرار المهنة وخصائصها (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).
مرة أخرى تعلمنا هذه القصة هذا الدرس الكبير، وهو أن قدرة الله أكبر مما نتصور، فهو القادر بسبب رؤيا بسيطة يراها جبابرة الزمان أنفسهم أن ينقذ أمة كبيرة من فاجعة عظيمة، ويخلص عبده المخلص بعد سنين من الشدائد والمصائب أيضاً.
فلابد أن يرى الملك هذه الرؤيا، ولابد أن يحضر الساقي عنده ويتذكر رؤياه في السجن، وترتبط أخيراً حوادث مهمة بعضها ببعض، فالله تعالى هو الذي يخلق الحوادث العظيمة من توافه الأمور..أجل، ينبغي لنا توكيد ارتباطنا القلبي مع هذا الرب القادر..

بزوغ الحق

لقد كان تفسير يوسف لرؤيا الملك منطقياً إلى درجة أنه جذب الملك وحاشيته إليه، إذ كان يرى أن سجيناً مجهولاً فسر رؤياه بأحسن تعبير وتحليل، من دون أن ينتظر أي أجر أو يتوقع أمراً ما.. كما أنه أعطى للمستقبل خطة مدروسة أيضاً.

فهم الملك إجمالا أن يوسف لم يكن رجلاً يستحق السجن، بل هو شخص أسمى مقاماً من الإنسان العادي، دخل السجن نتيجة حادث خفي، ولذلك تشوق لرؤيته، ولكن لا ينبغي للملك أن ينسى غروره ويسرع إلى زيارته، بل أمر أن يؤتى به إليه كما يقول القرآن: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول) لم يوافق يوسف على الخروج من السجن من دون أن يثبت براءته، فالتفت إلى رسول الملك و(قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) إذن.. فيوسف لم يرغب أن يكون كأي متهم، أو على الأقل كأي متهم يعيش مشمولاً ب«عفو الملك».. لقد كان يرغب أولاً أن يحقق في سبب حبسه، وأن تثبت براءته وطهارته، ويخرج من السجن مرفوع الرأس، كما يثبت ضمناً تلوث النظام الحكومي وما يجري في قصر وزيره.
أجل لقد اهتم بكرامته وشرفه قبل خروجه من السجن، وهذا هو نهج الأحرار... والطريف هنا أن يوسف في عبارته هذه أبدى سمواً في شخصيته إلى درجة أنه لم يكن مستعداً لأن يصرح باسم امرأة العزيز التي كانت السبب المباشر في اتهامه وحبسه، بل اكتفى بالإشارة إلى جماعة النسوة اللاتي لهن علاقة بهذا الموضوع فحسب. ثم يضيف يوسف: إذا لم يعلم سبب سجني شعب مصر ولا جهازه الحكومي وبأي سبب وصلت السجن، فالله مطلع على ذلك (إن ربي بكيدهن عليم).
عاد المبعوث من قبل الملك إلى يوسف مرة ثانية إلى الملك، وأخبره بما طلبه يوسف مع ما كان من إبائه وعلو همته، ولذا عظم يوسف في نفس الملك وبادر مسرعاً إلى إحضار النسوة اللائي شاركن في الحادثة، والتفت إليهن (وقال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه) يجب أن تقلن الحق.. هل ارتكب يوسف خطيئة أو ذنباً؟
فتيقظ فجأة الوجدان النائم في نفوسهن، وأجبنه جميعاً بكلام واحد متفق على طهارته و(قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)
أما امرأة العزيز التي كانت حاضرة أيضاً، وكانت تصغي بدقة إلى حديث الملك ونسوة مصر، فلم تجد في نفسها القدرة على السكوت، ومن دون أن تسأل أحست بأن الوقت قد حان لأن تنزه يوسف وأن تعوض عن تبكيت وجدانها وحيائها وذنبها بشهادتها القاطعة في حقه، وخاصة أنها رأت كرم يوسف المنقطع النظير من خلال رسالته إلى الملك، إذ لم يطعن في شخصيتها وكان كلامه عاماً ومغلقاً تحت عنوان «نسوة مصر».
فكأنما حدث انفجار في داخلها فجأة و(قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين).

البراءة أولاً

في قصة يوسف رأينا أنه لم يكن مستعداً للخروج من السجن حتى يجري الملك تحقيقات حول النسوة اللائي قطعن أيديهن لتثبت براءته ويخرج من السجن مرفوع الرأس، لا أن يخرج كأي مجرم ملوث يشمله عفو الملك، وهذا ذل وأي ذل. وفي هذا الموقف درس لكل الناس في الماضي والحاضر والمستقبل