"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" (سورة غافر: الآية 60)، فالدعاء يصل الخلق بالخالق، ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً قديراً على كل شيء، بيده الأمر كله، يقدم المساعدة لمن يطلبها وفى أي وقت . . بابه مفتوح لا يغلق في وجه أحد مهما عظم أو صغر . . نلجأ إليه في كل وقت وخصوصاً في الشدة . . ولكن كيف يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى يتحقق . . ولن نجد خيراً من الأدعية التي دعا بها الأنبياء، عليهم السلام ربهم، والتي وردت في القرآن الكريم، وفي صحيح سنّة المصطفى، صلى الله عليه وسلم . ولقد مر الأنبياء بمواقف صعبة لم ينقذهم منها إلا صدق دعائهم، حيث كانت لهم في هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي تجسد حسن التوسل ومناجاة الله وحده، ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي دعوا بها ونتعلم كيف يكون الدعاء .

"السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه . ."

"قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ " (سورة يوسف: الآية 33) .
إن تقوى الله والخوف من الوقوع في الإثم والبعد عما تجلبه المعاصي من مخالفة لما أمر به الله سبحانه وتعالى من مجلبات السعادة والقبول عند الله، وها هو التقي يوسف عليه السلام الذي فضل السجن على معصية الله، فهو النبي ابن الأنبياء يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم جميعاً السلام، والذي تحايل إخوته عليه وعلى أبيه حتى يفرقوا بينهما، وتركوه لمصيره المحتوم في غياهب الجب، يصفه الله تعالى بالصديقية، ولهذا يسمى "يوسف الصديق"، ويمتدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثين، فقال عنه في حديث: "إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم" . وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكرم الناس قال : "أكرمهم عند الله اتقاهم" . قالوا ليس عن هذا نسألك . قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن خليل الله" . قالوا: ليس عن هذا نسألك . قال : "فعن معادن العرب تسألونني؟"، قالوا : نعم . قال : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" .

في بيت "العزيز"

بيع يوسف عليه السلام في سوق الرقيق وهو في الثانية عشرة من عمره تقريباً، وأخذه الرجل الذي اشتراه إلى منزله وكان رجلاً من الطبقة الحاكمة في مصر، سماه القرآن العزيز . حيث تفاءل بوجهه الصبوح الكريم، وأمر زوجته بأن تحسن مثواه ومعاملته، لعله يعوضهما عن عدم وجود ولد لهما، فعاملته معاملة حسنة، وكانا يحبانه حباً شديد، ويعطفان عليه، بخاصة أنه كان بهي الطلعة، جميل الملامح، ذا وجه مشرق .
عاش يوسف عليه السلام في منزل عزيز مصر، ومرت الأيام وكبر، وحينها أدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه، فجعله مسؤولاً عن بيته وأكرمه، وذلك لما كان يتمتع به من أمانة واستقامة وشهامة وحسن خلق .
ويقول صفوت جودة أحمد في كتاب "أنبياء الله في القرآن الكريم": "كانت امرأة العزيز يزداد إعجابها به يوماً بعد يوم، حتى جاء اليوم الذي طلبت فيه من سيدنا يوسف الفحشاء، بعد أن خلت به في بيتها وتوسلت إليه بكل الوسائل، فقال سيدنا يوسف لها أعوذ بالله من فعل الفحشاء ومن خيانة زوجك، وبعد أن وجدت امرأة العزيز الرفض التام منه همت بإجباره على مطاوعتها، وهرب منها حتى وصل إلى الباب، وفجأة انفتح الباب فإذا بها تجد زوجها ومعه أحد أقاربها، فبادرت بإلقاء التهمة على سيدنا يوسف، واتهمته أنه راودها عن نفسها، فدافع عن نفسه وقال: هي التي راودتني عن نفسي، فالتفت الزوج إلى قريبها واستنار برأيه، فقال: له إذا كان قميصه ممزقاً من الأمام فهي صادقة، وإذا كان ممزقاً من الخلف فهو صادق، فوجدا أن قميصه قد مزق من الخلف" .

حديث المدينة

سرعان ما انتشر الخبر في المدينة عن امرأة العزيز، ولما سمعت بحديث النساء أرسلت في طلبهن لحضور وليمة كبرى، وخططت لتكشف وقع رؤية يوسف عليهن فأعطت كل واحدة منهن سكيناً لتقطع بها الفاكهة، وأمرت يوسف بأن يدخل، فدهشت النساء من جمال يوسف الملائكي، وقلن: لا بد أنه ملك كريم، وبدأن يقطعن أيديهن في ذهول ومن دون أن يشعرن، وهنا ردت امرأة العزيز عليهن: "قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين" (سورة يوسف: الآية 32) . وكأنها وجدت الفرصة لتثبت لنفسها العذر في مراودتها له، فيوسف باعترافهن قد بلغ من الجمال ما لا يوجد مثله في البشر، وبدأن في إغرائه بجميع الطرق، وهنا توجه يوسف عليه السلام إلى ربه داعياً ومتوسلاً ووقف وسط هذه الفتنة يناجي ربه أن يصرف عنه كيدهن، "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (سورة يوسف: الآيه 33)، فيوسف عليه السلام يعرف أنه من البشر، وإن لم يصرف الله عنه كيدهن لاستجاب لغوايتهن ولأصبح من الجاهلين الذين لا يلتفتون إلى عواقب الأمور . وعلى الرغم من أن السجن أمر كريه، فإنه فضله على معصية خالقه، لتأتي الاستجابة منه سبحانه . "فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم" (سورة يوسف: الآية 34) . وصرف الله عن يوسف كيد النساء، وبدأت المدينة كلها تتحدث عن الفتى الذي رفض زوجة العزير وقطعت النساء أيديهن بسببه .

محنة السجن

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "قصص الأنبياء": "بعد أن ظهرت العلامات الشاهدة على براءة يوسف عليه السلام أمام العزيز وأهل مشورته وانكشف لهم انحراف امرأة العزيز وإصرارها على أن توقع بيوسف في الفعل الفاضح من دون خجل أو خوف من الفضيحة . رأى العزيز أن يوضع في السجن ليكون في ذلك فصل بينه وبينها، حتى تهدأ ضجة الفضيحة، ليظهر للناس أنه مسؤول عن كل هذا السوء الذي ظهر في بيت العزيز، فأصدر أمراً بسجنه لأجل غير مسمى حتى ينسى الناس هذه القصة . وهكذا أنجاه الله من مكر النسوة وهو جل وعلا له مطلق السمع ومطلق العلم، ولا يخفى عليه شيء، ويستجيب لأهل الصدق في الدعاء . ولبث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين راضياً غير قانط من رحمة الله" .
وهكذا نرى أن تقوى الله من أسباب قبول الدعاء والنجاة من المكائد واستحقاق محبة الله .