د . عادل أحمد الرويني
قال تعالى: "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"، (آل عمران: 37) .
"هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء، فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء" . (آل عمران: - 38 - 40) .
"قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار"،
(آل عمران: 41) .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى:"(أنّى لك هذا"؟
- الجواب: الاستفهام حقيقي مشوب بالتعجب والاستغراب؛ حيث كان زكريا عليه السلام يجد عند مريم عليها السلام فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، ويجد عندها فاكهة غير فاكهة الدنيا المعهودة . فكلمة (أَنى) (تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان، ومن جهة الكيف ووصوله إليها) .
السؤال: بما يوحي ذكر كلمة (المحراب) في قوله تعالى: "كلما دخل عليها زكريا المحراب"؟
- الجواب: فيه إشعار بانقطاع مريم للعبادة وعكوفها ولزومها لمكان عبادتها . والله أعلم
السؤال: ما علة تأكيد الخبر في قوله تعالى: "إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"؟
- الجواب: لتوكيد مضمون الكلام قبله وتقريره دفعاً للتعجب والاستغراب في سؤال زكريا عليه السلام والله أعلم
السؤال: ما دلالة فاء السببية في قوله تعالى: "فنادته الملائكة"؟
- الجواب: للإشعار بسرعة إجابة دعائه الوارد في قوله: "هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء"، (آل عمران: 28) .
السؤال: اتفق جمهور العلماء على أن المنادي زكريا بالبشرى هو جبريل عليه السلام فلِمَ عُبر عنه بالجمع في قوله تعالى: "فنادته الملائكة"؟
- الجواب: لأن جبريل عليه السلام أفضل الملائكة ورئيسهم فأخبر عنه إخبار الجماعة تعظيماً له . والله أعلم .

تعجيب لا تعجب

السؤال: كيف يدعو زكريا عليه السلام بالذرية على الرغم من تيقنه كما صرح بانعدام أسبابها ثم يتعجب من حصول ما دعا به كما يفهم من الآية الكريمة؟
- الجواب: الحقيقة أن جواب زكريا - عليه السلام- استوقفني كما استوقف المفسرين قديماً وحديثاً . ولقد تعددت آراء المفسرين في توجيه جواب زكريا عليه السلام فمنهم من رأى أنه قال هذا للاستبعاد والتعجب من أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة . ومنهم من رأى أن الاستفهام للتعجب من كمال قدرة الله . والحق أن نفسي لم تسترح إلى تلك التأويلات لاستفهام نبي الله زكريا عليه السلام فلم يكن جواب زكريا عليه السلام إنكاراً ولا استبعاداً، لأن هذا لا يليق بمقام النبوة . ولم يكن أيضاً تعجباً من طلاقة القدرة الإلهية، لأنه رأى بعينيه من كرامة السيدة مريم ما يُذهب هذا التعجب، لأنه كان مستجاب الدعاء كما يدل عليه قوله: "ولم أكن بدعائك رب شقياً"، (مريم: 4)، كما لم يفاجأ بمخالفة الأسباب للمسببات في تبشيره بالولد، لأنه عاين تلك المخالفة في كرامة الله تعالى للسيدة مريم، ولأنه يوقن بكمال القدرة الإلهية وطلاقتها .
أقول والله أعلم بمراده: لعل الغرض من الاستفهام هو التعجيب لا التعجب، وهناك فرق كبير بين المعنيين، إن زكريا يريد تعجيب السامعين، ليحرك بواعث الإيمان في نفوس من لم يؤمن بالله، وليزداد رسوخ إيمان المؤمنين .
إذن: كان يراد من جواب زكريا عليه السلام هز العقول وإيقاظها، وتعيين موضع الغرابة، لتعجيب الناس الذين تشبثوا بالأسباب العادية، والله أعلم .

"أنى يكون لي غلام"

السؤال: ورد جواب زكريا عليه السلام في سورتي (آل عمران) و(مريم) فورد قوله في آل عمران: "قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء"، (آل عمران: 40)، فقدم مانع الإنجاب من جهة نفسه وهو الكبر على المانع من جهة زوجته وهو العقم، أما في سورة مريم فقدم حال امرأته على حال نفسه أي قدم مانع الحمل من جهة امرأته على مانع الحمل من جهة نفسه وذلك في قوله: "قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً"، (مريم: 8) . فما السر في هذا الاختلاف؟ وما سر زيادة (كان) في جوابه في سورة مريم؟
- الجواب: مما يلحظ كذلك في جواب زكريا عليه السلام في سورة (مريم) أن زكريا هو الذي بلغ الكبر فقال: "وقد بلغت من الكبر عتياً" في حين ذكر في (آل عمران) أن الكبر هو الذي بلغه فقال: "وقد بلغني الكبر" أقول: لعل السر في تقديم مانع الإنجاب من جهة امرأته على مانع الإنجاب من جهة نفسه في سورة مريم هو أن زكريا عليه السلام أطال في وصف شيخوخته وضعفه في أول السورة مما دل على عجزه عن إحبال امرأته، ألمح هذا في قوله: "قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً"، (مريم)؛ لذا كان من المناسب في هذا لموضع أن يقدم وصف امرأته على وصف نفسه، لأن وصفها غير معلوم، كما أن تأخير حال زكريا عليه السلام إنما كان لعلة لفظية هي: ليوافق لفظ (عتياً) ما بعده من فواصل الآيات البديعة التي استدعاها .
أما جواب زكريا في آل عمران فنجد أنه قدم حال نفسه على حال مانع الولادة من جهة امرأته، لأنه لم يسبق في دعائه ذكر لحاله، فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته . وتأمل قول زكريا عليه السلام في بيان عدم أهلية زوجه للإنجاب حيث قال في (آل عمران): "وامرأتي عاقر" وهذا يدل على وصف امرأته بالعقر حال الإخبار عنها، ولا يلزم من هذا القول أنها كانت عاقراً من قبل . أما قوله قي سورة (مريم): "وكانت امرأتي عاقراً" بزيادة (كان)، فإنه يدل على أن العقر وصف ملازم لامرأته منذ بلوغها، وأنه لم يطرأ عليها، فهي لم تكن في يوم من الأيام غير عاقر بدليل التعبير بالجملة الاسمية: "وامرأتي عاقر" . والله أعلم .

علامة تحقق البشارة

السؤال: جاء في سورة آل عمران على لسان زكريا عليه السلام: "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار"، وجاء على لسانه عليه السلام في سورة مريم: "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً"، (مريم:10) .
فلماذا طلب زكريا - عليه السلام - العلامة على وجود الولد بعد ما بشره الله تعالى به؟ أكان عنده شك في موعود الله تعالى حتى يطلب العلامة الدالة على حمل امرأته؟!
- الجواب: رأى بعض المفسرين أنه طلب الآية أي العلامة التي تدل على حمل امرأته لتحقيق البشارة، والتأكد من وقوعها ليزداد يقيناً . وهذا قول مردود، لأن بشارة زكريا عليه السلام بالولد وعد من الله تعالى يكون بمنزلة تحقيق للبشارة ووقوع لها، فلا يكون حينئذ إظهار الآية أقوى في ذلك من صريح القول . وأحسب والله أعلم أن البشارة بالولد كانت مطلقة غير متعينة أو مرتبطة بوقت فطلب زكريا عليه السلام العلامة على وجود حمل امرأته، ليبادر إلى الشكر ويتعجل السرور، فالحمل لا يظهر في أول العلوق به بل بعد مدة خصوصاً أن امرأته كانت ممن انقطع حيضها لكبرها، فأراد معرفته أول ما يوجد ليزيد من الشكر، أو ليتلقى تلك البشارة بالشكر من لحظة حدوثها ولا يؤخره إلى أن تظهر علامات الحمل ظهوراً معتاداً . والله أعلم .
السؤال: لِمَ قدم الجار والمجرور (لي) على المفعول به (آية) في قوله: "قال رب اجعل لي آية"؟
- الجواب: لإفادة التخصيص، فزكريا يطلب من ربه آية خاصة به تدله على حمل امرأته . والله أعلم
السؤال: لماذا كانت آية زكريا عليه السلام على حمل امرأته حبس لسانه عن الكلام مع الناس؟
- الجواب: حُبِسَ لسانه إلا عن القراءة والذكر والشكر، لينقطع عن دنيا الناس، وليحيا بقلبه ولسانه وعقله مع ربه، فينطلق لسانه إذا سَبح ربه، ويعجز إذا تكلم مع الناس، وفي هذا مناسبة للجو النفسي والروحاني والإيماني الذي كان يعيشه زكريا عليه السلام والله أعلم
السؤال: لماذا قيل: "ألا تكلم الناس" ولم يقل مثلاً "ألا تستطيع كلام الناس" . .؟
- الجواب: لعل العلة في ذلك بعث الطمأنينة في نفس زكريا عليه السلام بأن عجزه عن الكلام ليس لعلة ولا لمرض . وتلك أظنها شفقة ربانية بذلكم النبي الشيخ الفاني، ولذلك جاء التأكيد على هذا المعنى بالحال في قوله (سوياً)، لبعث مزيد من الطمأنينة والسكينة في نفس زكريا عليه السلام بأن لسانه لم يصبه سوء، وهذا ما دل عليه لفظ (سوياً) ومعناه سَوي الخَلْق، مكتمل الجوارح ما به خَرَس ولا بُكْم والله أعلم .
السؤال: لماذا قيل في آل عمران: "ثلاثة أيام" وقيل في مريم: "ثلاث ليال"؟
- الجواب: في ذكر الليالي والأيام في سورتي مريم وآل عمران دلالة على أن زكريا - عليه السلام - كان عاجزاً عن الكلام مع الناس مدة ثلاثة أيام بلياليهن، وهذا يدل على تكامل القصة في السورتين . بل إن اختصاص كل موضع بما أشرنا إليه يدل على عدم التكرار في القصة القرآنية إلا لهدف يخدم المعنى . والله أعلم .