إن من الناس من راح يظلم الناس ثم يرفع يديه بالدعاء، وهناك مظلوم يئن ويتوجع ويدعو على ظالمه فترى أي الدعوتين تجاب؟!

إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام.

ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام، يقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.

- دخل ابن بقية الوالي العباسي الظالم على عبدصالح فلطمه لطمة شديدة على وجهه فقام العبد الصالح وقال: لأردن عليك بسهام الليل. قال: اذهب أنت، وسهامك فقام العبد الصالح في الليل والليل ظلام، والناس نيام، يرفع دعاءه وشكواه إلى من يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يقول: يا رب إن ابن بقية لطمني وأنت تعلم أنه لطمني، اللهم كما لطمني بيده فقطعها له في الدنيا يا رب العالمين.

وما كانت إلا أيام معدودة، حتى هجم القاهر العباسي على هذا البلد فاستولى عليه وقتل وأسر، وأخذ الوالي فقتله وقطع يده وعلقها على باب المدينة، فمر به العبد الصالح فخر لله ساجدًا.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

- 1 -

وذكر التنوخي: أن أحد الوزراء في بغداد اعتدى على أموال امرأة عجوز هناك فسلبها حقوقها، وصادر أملاكها. فذهبت إليه تبكي وتشتكي من ظلمه وجوره، فما ارتدع وما تاب وما أناب. قالت: لأدعون الله عليك، فأخذ يضحك منها باستهزاء قائلاً لها: عليك بالثلث الأخير من الليل. فذهبت وداومت على الثلث الأخير فما هو إلا وقت قصير حتى عزل هذا الوزير، وسلبت أمواله، وأخذ عقاره، ثم أقيم في السوق يجلد تعزيرًا له على أفعاله بالناس فمرت به العجوز فقالت له: أحسنت لقد وصفت لي الثلث الأخير من الليل فوجدته أحسن ما يكون.

وهذا سعيد بن زيد الصحابي المبشر بالجنة تتهمه أروى بنت أويس أنه سلب جزءاً من أرضها ظلمًا - وكانت كاذبة - ورفعت الأمر إلى والي المدينة مروان بن الحكم فاستدعاه وسأله، فقال: كيف وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين؟ فصدقه مروان وصرفه لكن المرأة لم تسكت عنه، وراحت تشيع حوله الشائعات، فلم يجد بُداً إلا أن يدعو الله ويقول: اللهم إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، واقتلها في أرضها.

وفي رواية: واجعل قبرها في دارها (فعمي بصرها وكانت تقول: أصابتني دعوة سعيد وبينما هي تمشي في دارها) تتلمس الجدران إذ سقطت في بئر لها فكانت البئر قبرها.

- وأخرج البخاري من حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر - رضي الله عنه - فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، وكانوا قد شكوه حتى ذكروا أنه لا يحسن الصلاة، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركض في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا وسأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية.

- قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبدالملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن.

- 2 -

وللدعاء أثر عظيم في كشف الهموم وتفريج الكربات:

فكم ضاقت الدنيا بأناس وظنوا أنهم هالكون فلما رفعوا أكف الضراعة إلى الله تغير الحال وتبدل المقام وأنجاهم الرحيم الرحمن.

خرج الصحابة مع أبي هريرة ومع القائد العلاء بن الحضرمي، وتاهوا في الصحراء وانقطع الماء، ووقفوا ينتظرون الموت، فقام العلاء يستقبل القبلة داعيًا: يا حكيم، يا عليم، يا علي يا عظيم أغثنا. فما كانت إلا لحظات حتى غطت السماء سحابة فأمطرت الجيش، وامتلأت الغدران.

وللدعاء، أحبتي، أثر عظيم في هداية العصاة بل والكافرين من الناس، فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله وأنا أبكي، قلت يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد أم أبي هريرة). فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت، ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال فرجعت إلى رسول الله فأتيته وأنا أبكي من الفرح.

قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى الله أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا.

فادع الله أيها المسلم الحبيب لابنك أو لزوجك أو لأبيك أو لأمك أو لجارك أو لمن كان على العصيان أو الكفران لعل الله يهديه إلى صراط مستقيم.

www.elbshbishy.com