واصل بنو إسرائيل عصيانهم لله سبحانه وتعالى ولم يستجيبوا لأمر الحق لهم بدخول الأرض المقدسة، فعاقبهم بقدرته تعالى بأن حرمها عليهم وهذه الأرض المقدسة كما نعلم هي أرضنا المحتلة في فلسطين، وكان الأمر وقتها بدخول أريحا لقتال المشركين فيها..

وإذا انصرف الحكم الإلهي على واقع زماننا فإن احتلالهم لفلسطين اليوم هو استمرار في المعصية وتحدي إرادة الله.. وعاقبهم كذلك في الوقت ذاته بالتيه في الأرض بكل ما يمثله التيه من عذاب نفسي ناتج عن عدم الاستقرار وافتقاد الراحة والسكينة أربعين سنة لعلهم أن يتوبوا ويعودوا إلى جادة الإيمان.. وفي هذا قال تعالى: فإنها مُحرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين وذهب بعض المفسرين إلى أن الله تعالى حرم على بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة (فلسطين) أربعين سنة، وفي خلال هذه المدة يتيهون في الأرض ولا يهتدون إلى الخروج منها عقوبة لهم على المعصية.

وقال المفسرون: في مدة التيه (أربعون سنة) مات موسى ولحق به هارون (عليهما السلام).. ومات أيضاً كل من عصى أمر الله في دخول أريحا، وبعد انقضاء مدة الحكم بالتيه دخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون وهو فتى سيدنا موسى عليه السلام ولم تنقطع عنهم سلسلة المعاصي والآثام، ولم يقل أحد من الشراح والعلماء ببقائهم في الأرض المقدسة وهي ليست لهم لقوله تعالى: فإنها مُحرمة عليهم وتأكيد الأمر بالتحريم أبد الدهر، ثم كان التيه زيادة على تحريمها عليهم.

قوم نوح

وعن تواصل المعصية وإصرار بعض الأقوام على العناد والاستكبار يوجهنا القصص القرآني إلى قوم نوح عليه السلام وهو أحد الأنبياء ومن أولي العزم من الرسل الذين لاقوا من أقوامهم أكثر من غيرهم وصبروا وجاهدوا وعنه قال تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، أي أنه تواصل معهم وبينهم وعاش فيهم داعياً إلى الهداية والإيمان تسعمائة وخمسين عاما كاملة إلا أنهم أصروا على بهتانهم وظلمهم، بعد أن بذل نوح عليه السلام في دعوتهم جهدا عظيما لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء والمرسلين ولاقى عنتا شديدا من قوم يعبدون الأصنام، وهو يدعوهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده (سبحانه) وهذه المدة (تسعمائة وخمسون) ليست كل عمر النبي نوح، ولكنها كما ذهب المفسرون والشراح هي المدى الزمني الذي استغرقته مسيرة الدعوة والتبليغ والتبشير وتوجيه الإنذار من ظلمة الشرك وعواقبه، ومع هذا الجهد الذي لا يتصوره بشر استمروا على الكفر، ولم يؤمن من قوم نوح إلا أقل القليل، أما الكثير فقد واصل الكفر وكذب ما جاء به النبي الذي استجاب لأمر ربه وبدأ في إعداد السفينة وهم يسخرون ويهزأون حتى جاء الطوفان وأغرقهم الله جميعا وانجى نوحا والذين آمنوا معه.

رحلة الانسان

والحديث عن عمر نوح (عليه السلام) يأخذ الأعداد إلى رحلة الإنسان الطبيعي (وليس النبي) وتبيان مراحل عمره ومنتهى أمله في الدنيا التي يعيشها، وقدم لنا القرآن تصويرا متكاملا وبديعا لها بقوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، وفيها يبين الخلاق العظيم تسلسل مراحل عمر الإنسان بالأرقام والأعداد بداية من الحمل والولادة والرضاع.. وينتقل به إلى البلوغ وحتى يبلغ أشده من شباب ورجولة، فيصل إلى قمة النضج (أربعين سنة بين العمر) وهي نهاية مرحلة اكتمال العقل والرشد والفهم والحلم، وفيها يطلب الإنسان السوي والسليم على الفطرة من الله تعالى أن يهديه ويلهمه شكر النعمة التي أنعمها عليه وعلى والديه وهدايته إلى الإيمان ووصوله إلى هذه الحالة، وأن يوفقه لعمل الصالحات والطاعات.

أما الدعاء الأرق للإنسان دائماً وفي كل زمان ومكان فهو أن يصلح الله ذريته، وعندها يكون كمال السعادة البشرية، وهنا أو عند هذا الحد يختم الإنسان دعاءه الجميل بالتوبة إلى الله تعالى من جميع الذنوب والآثام والتأكيد على أنه من المستمسكين بدعوة الإسلام.