أرسل سعد بن أبي وقاص بتوجيه من الخليفة عمر بن الخطاب بعثة إلى ملك الفرس يزدجرد لتدعوه إلى الإسلام، وكانت البعثة مكونة من أربعة عشر شخصاً هم: النعمان بن مقرن وبُسر بن أبي رهم وحملة بن حوية وحنظلة بن الربيع وفرات بن حياة وعديّ بن سهيل وعطارد بن حاجب والمغيرة بن زرارة بن النباش الأسدي والأشعث بن قيس والحرث بن حسان وعاصم بن عمرو وعمرو بن معد يكرب والمغيرة بن شعبة والمعنّى بن حارثة . وكان هؤلاء يمثلون نخبة من دعاة الإسلام العقلاء والأذكياء، الذين غمر الإيمان قلوبهم وطفقت وجوههم بالبشر .

خرج الوفد من عسكر سعد، واستأذنوا على الملك يزدجرد . فأمهلهم، ريثما أحضر وزراءه ومعهم رستم . واستشارهم فيما يصنع، ثم أذن لوفد المسلمين بالدخول عليه .

بلاغة إيمانية

أحضر يزدجرد الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال النعمان بن مقرن لأصحابه: إن شئتم تكلمت عنكم، ومن شاء آثرته . فقالوا بل تكلم . فقال: #187;إن اللّه رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر . ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة . فلم يدع قبيلة إلا وقاربه منها فرقة وتباعد عنه بها فرقة . ثم أمر أن نبتدئ إلى من خالفه من العرب . فبدأنا بهم . فدخلوا معه على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق#171; .

وأضاف النعمان بن مقرن قائلاً: #187;ثم أمرنا أن نبتدئ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف . فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسّن الحسن . وقبّح القبيح كله . فإن أبيتم، فأمر من الشر هو أهون من آخر شرّ منه . الجزية . فإن ابيتم فالمناجزة (الحرب) . فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب اللّه، وقمنا على أن تحكموا بأحكامه . ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم . وإلاّ قاتلناكم#171; .

كان وفد سعد بن أبي وقاص إلى الملك الفارسي يزدجرد، يمثل قوة الانفتاح وقوة الإيمان، تماماً كما يمثل قوة الساعد وقد ظهر ذلك في كلام النعمان بن مقرن الذي بدا أنه لا يتعصب لفكر أو دين . وأن بناء أصول الدعوة إلى الإسلام على مثل هذا الوجه، إنما هو خير وسيلة لهداية الأمم من دون إكراه، إلاّ في حدود مصاحبة الدعوة للقوة التي يراد بها حمايتها واظهار شأن أهلها وقوتهم ومجدهم، خصوصاً عند من لا يرى قوة الدين وصحته من الناس، إلاّ وهو مقرون بقوة أصحابه .

فظاظة واستعلاء

لم يقنع يزدجرد بما سمع من كلام النعمان بن مقرن . بل أجابه بجوابٍ فظٍ، كشف فيه عن مدى امتهانه للعرب، وتعجبه من ظهورهم بذلك المظهر العظيم، بعد أن كانوا من أفقر الشعوب وأدناها . وعلى ذلك أجاب المغيرة بن زرارة (وكان أبوه زرارة بن عدس من أفصح الناس في زمانه) بأن ما وصف به العرب من الجهل وسوء الحال، إنما هو حق، #187;إلا أنه قد كان ذلك قبل الإسلام . وأما بعده فالحال صار غير الحال#171; ثم دعاه إلى ما دعاه إليه النعمان بن مقرن من قبول الإسلام، أو يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، أو السيف .

وكان هذا الجواب قد زلزل يزدجرد، لأنه لم يسمعه لا هو ولا أجداده قبله من عربي . فغضب غضباً شديداً . وطلب قفة مملوءة بالتراب، وقال: #187;ضعوها على رأس أشرف هؤلاء . ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن . وقال: #187;ارجعوا إلى صاحبكم واعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية . ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأكثر مما نالكم من سابور#171; .

استبشار بالفتح

وما كاد يزدجرد ينتهي من كلامه، حتى وقف عاصم بن عمرو، وتقدم من الملك يزدجرد، وقال: أيها الملك أنا رئيس هذه البعثة، وسيد هؤلاء الرجال . وبادر إلى قفة التراب وحملها على عاتقه، وخرج إلى سعد بن أبي وقاص، وقال وهو يخرج بتراب فارس: أبشروا أيها الرجال، #187;فوالله لقد أعطانا اللّه أقاليد ملكهم#171; . فذهبت كلمته مثالاً بعد معركة القادسية ومن بعدها معركة المدائن .

وبعد خروج بعثة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، من مجلس يزدجرد في المدائن، قال الملك الفارسي لقائده رستم، وقد فارقه الوفد، ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء . وأشار إلى مجلسه من الوزراء الفرس وكبار المستشارين: ما أنتم بأحسن جواباً منهم . ولقد صدقني القوم . لقد وعدوا أمراً ليدركنه أو ليموتن دونه . على أني وجدت أفضلهم أحمقهم، حيث حمل التراب على رأسه . فقال رستم: أيها الملك إنه أعقلهم . وتطير من ذلك .

وإذا ما عدنا إلى خبر بعثة سعد بن أبي وقاص إلى ملك الفرس، وجدنا في الخبر الذي انتهى إلى المؤرخين أمراً عجباً حقاً . فكيف يعتقد يزدجرد أن القوم وعدوا أمراً هم مدركوه، ثم يعاملهم بمثل تلك المعاملة التي يريد بها تأكيد امتهانه لهم واحتقار أمرهم؟ وهذا بلا ريب من الخرق في الرأي والتناهي في الكبرياء والتعالي على التاريخ .