- وقد ورد عن أبي حنيفة ومالك، رحمهما الله، في شأن عضو الميت إذا وجد: إن وجد الأكثر صلي عليه ودفن وإلا فلا، لأنه بعض لا يزيد على النصف، فلا يصلى عليه كالذي بان في حياة صاحبه .
- هذا إذا كان المنفصل عضواً من أعضائه ، فما بالك بالشعر والظفر ينفصلان عن حي؟ فمن باب أولى ألا يحتاجان إلى صلاة ودفن .
- قال النووي رحمه الله: قال أصحابنا: وإنما نصلي على العضو إذا وجد إذا تيقنا موت صاحبه، وأما إذا قطع عضو من حي كيد سارق مثلاً فلا يصلى عليه، وكذلك لو شككنا في العضو هل منفصل من حي أم ميت فإنه لا يصلى عليه .
- ويقول النووي أيضاً في مكان آخر: والدفن لا يختص بعضو من علم موته، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو وشعر وظفر وغيرها من الأجزاء يستحب دفنه .
- وقد ورد في بعض الآثار أنه حتى قلفة الذكر التي تقطع عند الختان وكذلك مشيمة المرأة يستحب دفنهما تكريماً للإنسان .
- أقول: ومثل هذه الآثار وإن كانت ضعيفة، إلا أنها إذا اجتمعت فإنها تدل على أن الإنسان مكرم حياً وميتاً، لقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (الإسراء: 70) .
- وقد ورد أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمر بدفن دمه كما رواه الترمذي والحاكم في مسنده .
- وقد ورد في المغني لابن قدامة (ج 1 ص 88) أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يعجبه دفن الدم، وهذا الحديث أخرجه الخلال إلا أن في إسناده إرسالاً .
وفيالإصابة لابن حجر (ج 3 ص 421) عن مثلة بنت مشرح الأشعرية قالت: رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنه ويقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك (أخرجه ابن أبي قاسم وابن السكن وفي اسناده ضعف) .
- بناء على مثل هذه الآثار رأى الفقهاء، رحمهم الله، أنه يستحب أن يدفن ما يزيله الشخص من ظفر وشعر ودم تكريماً للإنسان، والإنسان المسلم عموماً يعرف بطبعه أنه لا يليق بأن يأخذ أسنانه أو أسنان غيره إذا سقطت، فينثرها في الطرقات .
- وما يحصل اليوم من أن الحلاق يكنس شعر رؤوس الناس بعد الحلاقة، ويسلمها للنفايات، وكذلك المستشفيات تجري عمليات جراحية، فتقطع أعضاء من الحي ثم تضعها في النفايات، فيه شيء من إلحاق الإهانة بالإنسان الذي كرمه الله حياً وميتاً .
- وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية (ج 9 ص 83) نقرأ للعلماء أن الأجزاء المبتورة نتيجة للحوادث أو أجزاء مثل نواتج الختان والمشيمة وأعمال الأسنان، لا يجوز إحراقها بل تدفن في مكان طاهر .
- هذه هي جملة ما وقفت عليه في هذا المبحث، والله تعالى أعلم .