في دموعه سحر يزيده جمالاً، وفي ضعفه قوة تزيده رجولة . من منا لم يهزه موقف حزن أو فرح، وجعله يذرف دموعه حزنا أو فرحاً؟ الإنسان رجلاً أو امرأة هو كتلة أحاسيس ومشاعر يتأثر بكل ما يحيط به .

تعودنا صلابة وقوة الرجل بعيداً عن ذرف الدموع التي كثيراً ما ارتبطت بالمرأة، حيث يقال إن سلاح المرأة دموعها وهي دائما أسرع من دموع الرجل . في داخلي كثير من التساؤلات عن البكاء، وبكاء الرجل بالتحديد، تساءلت: ألا يحق للرجل أن يبكي، وما الذي يدفع هذه الدمعة الغالية لتخط طريقها فوق ثنايا وجهه؟ وما الأمر الجلل الذي دفع به إلى البكاء؟ وما الذي جعل رجولته تنحني لتسقط العبرات الغالية .

كل هذه التساؤلات حملتها إلى عدد من الرجال والسيدات الذين تحدثوا عن بكاء الرجل، كم هي محظوظة تلك التي تسيل دمعة رجل من أجلها؟ وكم هو كبير ذلك الرجل صاحب المشاعر والأحاسيس عندما تترقرق في عينيه دمعة فرح أو حزن، سألناهم فقالوا:

* معتصم عبود: وما الغريب في أن يذرف الرجل دموعه؟ أوليس إنساناً وحتى الدموع التي يذرفها حسب المواقف التي يعيشها، فمهما كان الرجل قوياً في لحظات فقدان غال عليه وفي لحظات الفراق أو حينما يشعر بالندم على فقدان أمر مهم في حياته، فإنه يبكي ويحاول دائماً أن يحبس دموعه ولكنه يفجرها عندما يكون في قمة الانكسار والضعف .

رافع شويط: لايعيب الرجل أن يبكي فهو ربما يبكي خشية من الله تعالى كما بكى سيدنا يعقوب على فراق ابنه يوسف عليهما السلام، وربما يبكي عند الصلاة وعند الدعاء لله تعالى والدموع ليست دليل ضعف الرجل، فأنا أبكي عندما أشعر بالوحدة والظلم مع حرصي على التماسك وحبس دموعي في حال وجودي مع الآخرين لأنهم لا يعرفون السبب لبكائي وربما يعتبرونه ضعفا في شخصيتي .

إبراهيم العبدالله يقول: لست مع بكاء الرجل مهما كانت الظروف، وعليه أن يتماسك وألا يذرف دموعه لاسيما أمام أولاده وزوجته لأنهم ربما يعتبرونه نقطة ضعف، وبالنسبة لي فقد بكيت عندما فقدت عزيزاً علي وغير ذلك فأنا حريص على التماسك لأننا هكذا تربينا على أن يبقى الرجل صلباً حتى في أصعب المواقف .

سامي منصور: أنا لست مع بكاء الرجل مهما كانت المواقف صعبة، مثلاً البعض يذرف الدموع في حالة التودد أو الاستعطاف لقضاء أمر أو حاجة أو مصلحة، أنا شخصياً أرفض هذا الأسلوب وأعتبر أن هذه الدموع هي دموع كاذبة ومن المعيب على الرجل استخدام مثل هذا الأسلوب .

عواد خراط: إذا بكى الرجل في مواقف تستحق ذلك، فهذا لا يدل على ضعف كما يظن الآخرون، فكم مرة بكيت عندما كانت أمي مريضة وكم كانت دموعي غزيرة عندما فقدتها، لا أعتبر أن ذرف الدموع عيب أو يقلل من شخصيتي وحضوري، فأنا إنسان ولي مشاعر وأحاسيس فهل عيب أن يبكي الرجل لخسارة عزيز عليه، أليس هذا الرجل إنساناً؟

رغيد المحمود: كثيراً ما يعتبرون أن بكاء الرجل عيب ونقص وضعف، وأنا أقول إن الدموع تغسل العيون والقلوب وتنقي الأفئدة والأحاسيس والمشاعر من الحزن والغضب والحقد، وعلمياً ثبت أن البكاء يخفف من آلام القلب والضغط التي تؤدي للإصابة بالجلطات والموت، في بعض الأحيان أبكي حزناً وربما فرحاً وأنا لا أعتبر البكاء إلا مخرجاً للتعبير عما في داخلي .

وليد جحا: من الذي حرم البكاء على الرجل أوليس الرجل إنساناً له أحاسيس ومشاعر؟ فهل يعقل أن أرى وأكون في مواقف إنسانية كموت أحد وربما هو قريب وغالٍ؟ هل يمكنني أن أتماسك؟ فالدمعة تسبقني لأنني أشعر أنه حتى الحيوان يبكي إذا وجد صغيره يموت أمام عينيه، ألا يبكي العجوز الذي حناه الدهر من شدة ما لاقى من ويلات فقدان ولده الشاب الذي تعب وسهر وذاق الأمرين حتى أصبح شاباً وفجأة يخطفه الموت من أمام عينيه؟ هل نقف عند هذه اللحظات إلا بالحزن والأسى؟

رامي حداد: ربما يبكي الرجل عندما لا يملك مالاً أو يقل المال بين يديه يبكي في خلوة مع نفسه حينما يرى نفسه عاجزاً عن تأمين متطلبات عائلته وهو لا حول له ولا قوة، فما العيب إذا بكى؟

ظافر الأسدي: البكاء يكون حسب طبيعة الرجل فبعض الرجال لا يحب أن يراه أحد يبكي، وبعضهم يكون شديد التأثر بما يجري حوله وتكون عاطفته مسيطرة عليه، ولايهمه الأمر سواء أكان أحد أمامه أم لا، وترى دمعته سخية، أنا مع الإنسان الذي يبكي لأن الدموع تغسل هموم الإنسان وقد أثبت علميا فائدة البكاء للإنسان .

كانت تلك آراء الرجال، وللنساء في دموع الرجال آراء، ردينة الشحاف تقول: الرجل الذي يبكي رجل رقيق المشاعر، وأنا أعترف بأن الرجل يحاول إخفاء دموعه وتحمل كل الصعوبات، وبالتأكيد عندما أرى رجلاً يذرف دمعه فهذا يعني أنه قد وصل إلى قمة الحزن واليأس وهذه الدموع دموع صادقة .

سميرة الخليل: لست مع بكاء الرجل، أفضل أن يتماسك لأنني أعتبر أن بكاءه شكل من أشكال الضعف، لأن المرأة تربت في مجتمعنا على أن ترى الرجل قوياً ومن العيب أن يبكي، وإن حصل وشاهدت مثلاً زوجي يبكي أحاول ألا أشعره أنني رأيته حفاظاً على مشاعره، بالتأكيد لو لم يكن الأمر يستحق البكاء وقد استنفذ كل حالات التكتم لما اضطر للبكاء وذرف الدموع .

أديل فرح: تأثرت كثيراً عندما رأيت الدموع تبلل عيني والدي وطبعاً لم اعتبرها دموع ضعف لأنه أعظم إنسان في نظري وله من الأحاسيس والمشاعر الرقيقة ما لا يمتلكها إنسان، فلكم دمعت عيناه فرحاً لنجاحنا ووصولنا أنا وإخوتي لمراكز متقدمة في العمل، احترم دمعته ولا أتمنى أن أراها رقراقة في عينيه ولا حتى في لحظات الفرح، وهل هناك أسمى من مشاعر الأبوة؟ فكيف ستكون دموعه، هي غالية بالتأكيد بغلاوته .

سهام جودت تقول: عندما أرى رجلاً يبكي أدرك فوراً أنه يبكي لأمر كبير وجارح وقوي وأتألم لرؤية هذا المشهد وأتعاطف معه، فدموعه دليل على أنه إنسان رقيق القلب والمشاعر .

وعلى صعيد التخصص يقول الباحث الاجتماعي أيمن حسواني: ليس عيباً أن يبكي الرجل فهذا اعتقاد خاطئ أفرزته العادات الاجتماعية والتقاليد المتوارثة، فالبكاء هو انفجار يحدث داخل جسم الإنسان نتيجة لبعض الضغوط والمشكلات التي تواجهه، وهذا الانفجار إما أن يظهر ويخرج بشكل دموع وإما أن يكبته الشخص فيتحول بداخله إلى حسرات وآهات تؤدي إلى موته أو إصابته بالأمراض، فالدموع حالة صحية حبانا إياها الله سبحانه وتعالى لنستطيع من خلالها استعادة توازننا النفسي، ولكن لابد من الإشارة إلى أمر وهو أن هناك عوامل فطرية ترغم الرجل على البكاء وهي الطبيعة الفطرية للفرد وهذا جانب وراثي بحت . . وهناك نوعان من الرجال شديدي الحساسية والتأثر بالمواقف وهذا النوع من الرجال سهل ذرف دموعه في المواقف الانفعالية والغضب والفرح والحزن، بالمقابل يمكننا أن نجد نوعاً آخر من الرجال اختلفت طبيعته الفطرية وتميز بكبح المشاعر المختلفة، ويمكننا أن نعزي ذلك لطفولة هذا الرجل، فإن كان قد نشأ في بيئة أسرية يملؤها الحب والدفء والرحمة والحنان والدلال لاسيما من الأم كان أكثر رهافة وحساسية، فعندما يصبح شاباً ورجلاً يكون أكثر استجابة لذرف الدموع في المواقف الانفعالية من الذي نشأ في بيئة أسرية تتسم بالحزم والشدة والحرمان والمعاناة، إضافة إلى أن المواقف والخبرات التي يمر بها الرجل يمكن أن تؤثر في درجة استجابته للبكاء، فكلما كانت المواقف مفعمة بالعاطفة الفياضة زادت استجابته للبكاء، بعكس الرجل الذي إذا مر بتجارب ومواقف بعيدة عن العواطف والرومانسية نجده بعيداً كل البعد عن البكاء، وعلى كل الأحوال نعود لنؤكد أن الدموع تدل على سمو النفس وإحساسها بالألم الذي تتعرض له، فالبكاء تعبير عن المشاعر ويؤدي لتحقيق راحة النفس والأعصاب، فلكم بكى رجال عند فقدان أحبة لهم ولكم إغرورقت عيونهم بالدموع عندما استقبلوا غائباً تركهم من سنين طويلة، ولكم حبس الكثيرون دموعهم حسرة لعدم قدرته على تأمين متطلبات عائلته ولكنه لم يعد يستطيع، فذرفها على الخدين.