بنى يوسف بن تاشفين (1061 1106م) مشيد إمبراطورية المرابطين مدينة مراكش سنة 1062م فلم تزل دار مملكة المرابطين والموحدين إلى انقراض الدولة الموحدة. أما في إسبانيا فكانت إشبيلية القصبة لا قرطبة. وتسمى ملوك المرابطين بأمراء المسلمين. واستحوذوا على السلطة الزمنية مع اعترافهم بخلافة أمير المؤمنين في بغداد. وهكذا فقد تجدد الدعاء للخلافة العباسية على منابر الأندلس والمغرب بعد انقطاعه منذ زمن عبد الرحمن الداخل وثبت عز المرابطين في الشمال الغربي من إفريقية وفي جنوبي الأندلس مدة تزيد على نصف القرن.

وضرب المرابطون السكة وجددوها ونقشوا في دينارهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وتحت ذلك: أمير المسلمين فلان ابن فلان. وكتبوا في ظهرها اسم أمير المؤمنين الخليفة العباسي، وقلد ألفونس الثامن ملك كاستيل (1158 - 1214م) طراز هذه النقود فاحتفظ بالكتابة العربية ولو انه طبّق اللفظ على العقائد النصرانية.

وفي زمن المرابطين وهم حديثو عهد بالإسلام وحاملو التراث البربري الذي لم تكن جذوته قد ماتت فيهم بعد، ظهرت بوادر الحمية الدينية ينادي بها غيارى الفقهاء، فأدت في مطلع القرن الثاني عشر إلى إنزال النقمة بالنصارى واليهود والمتساهلين من المسلمين أيضاً.

تهجير المستعربين

وكان المستعربون في هذا العصر عنصراً متميزاً من الشعب الأندلسي يحسن لغة المسلمين الفاتحين ويجري على عاداتهم إلا أنه احتفظ بدينه المسيحي. وبازدياد عدد هذا العنصر أصبح بنوه عرضة لقيود مرهقة. وسكن النصارى المستعربون المدن الكبيرة في شوارع خاصة بهم. وقد سمح لهم في عصر الأمويين بالمحاكمة أمام قضاة من بني جنسهم ولم يرتدوا الملابس التي تميزهم عن سائر طبقات الشعب. ويغلب أن يكون للواحد منهم اسمان: عربي يشتهر به ولاتيني أو إسباني يعرف به رسمياً. وبلغ بهم استعرابهم درجة أخذوا معها يختنون أولادهم ويطبقون نظام الحريم في بيوتهم. وكان أكثر هؤلاء المستعربين يحسنون لغتين: العربية ولغتهم الأصلية (لغة الرومانس) المأخوذة من اللاتينية العامية، ومن هذه نشأت اللغة الإسبانية المعروفة.

وتحقيقاً لفتوى الفقهاء أمر يوسف سنة 1099م بهدم الكنيسة البديعة البنيان التي كانت قد شيدت في غرناطة في عصر القوط الغربيين ثم آلت إلى المستعربين. وفي سنة 1126م أعمل السيف في رقاب هؤلاء الغرناطيين ونفى سائرهم إلى مراكش. وسبب ذلك اتصالهم بالعاهل النصراني في الشمال. ثم جاء إجلاء المستعربين الثاني بعد إحدى عشرة سنة فلم يبقَ منهم في الأندلس إلا القليل.

سقوط المرابطين

عاشت دولة المرابطين الأندلسية من (1090 - 1147م)، وكان أبناؤها من البربر قد ألفوا شظف البداوة فما أن تم انتقالهم إلى ربوع الترف في مراكش والأندلس حتى اعتورهم الوهن. وكان دخولهم الأندلس في زمن طال فيه اقلاع العرب عن الحرب والفتح. ولهذا تسنى للفاتحين سبيل السيطرة على البلاد وهؤلاء بدورهم أصابهم الدمار إذ احتكوا بالمدينة، فاستسهل الموحدون نزع شوكتهم. مما جعل الأندلس طوال القرن الثاني عشر والشطر الأول من القرن الثالث عشر تحت حكم هاتين الدولتين من البربر وكانت عاصمتهما مراكش في المغرب.

دولة الموحدين كدولة المرابطين هي في الأصل حركة سياسية دينية أسسها رجل من قبيلة مصمودة هو محمد بن تومرت (نحو 1078 نحو 1130م) فاتخذ لقب المهدي ونادى بإحياء السنة الإسلامية الصحيحة، فدعا أبناء قبيلته والقبائل الأخرى الجامحة من أهالي جبال الأطلس بمراكش إلى مذهب التوحيد انتصاراً لعقائد السلف. وهذا سبب تسمية أتباعه بالموحدين. وكان ابن تومرت رجلاً ربعة أسمر عظيم الهامة احترف أبوه إسراج القناديل بالمساجد فشب محمد هذا محبّاً للعلم ذا نسك ورباط ينكر آلات الملاهي وأواني الخمر. ولقي في فاس يوماً وهو شاب أخت علي بن يوسف سلطان المرابطين حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زي نسائهم فوبخها فدخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريع.