بين جبال القلمون وسلسلة لبنان الشرقية وعلى بعد 88 كم من العاصمة السورية دمشق تقع بلدة دير عطية والتي تعني عطاء الله. ترتفع 1250م عن سطح البحر مما جعلها تشع حيوية لمناخها المعتدل صيفاً أما شتاء فتتمتع ببرودة تجعل سكانها يمضون أوقاتهم بجانب مواقد الحطب يتناولون حديث الذكريات. يتميز أبناء دير عطية بروح الجماعة وحب التعاون والاهتمام الثقافي، حيث تكاد الأمية تكون معدومة لاسيما بين أبنائها من الذكور وأبناء دير عطية مضيافون يحبون الغرباء ولهذا فإن دير عطية شهدت موجة من الهجرات إليها ووجد الوافدون كل متطلبات الحياة من أمن وأمان وانصهر هؤلاء ضمن أهالي البلدة وأصبحوا من أهلها.
في دير عطية تجد طيب الإقامة حيث بيوتها مفتوحة أبوابها مرحبة بالضيوف سواء من أهالي البلدة أو خارجها، إلى وقت قريب كانت دير عطية تعتمد في حياتها الاقتصادية على موردين أساسيين للزراعة حيث اشتهرت بزراعة العنب والتين والجوز والصناعة كصناعة الدبس الذي يصدر إلى خارج البلدة وكذلك تشتهر دير عطية بصناعة البسط والعبي المصنوع من صوف الغنم وشعر الماعز ووبر الجمل كما وتشتهر بصناعة أجران القهوة، وقد اشتهر أهل دير عطية ببناء القناطر وبناء أحجار النحت حتى إن الكثير من الصناع المهرة كانوا يغادرون دير عطية إلى العاصمة دمشق للمساهمة في مشاريع البناء وتوفير مصدر رزق لعائلاتهم.
حتى عهد قريب كانت التلة التي يقام عليها مزار الشيخ عطية مقصداً للكثير من أبناء دير عطية والقرى المجاورة طلبا للتبريكات، ويتذكر المعمرون من الأهالي أن دير عطية كانت تضم منطقة تسمى الميدان وهي مكان قريب من الشيخ عطية تتسابق فيه الخيول وتنطلق منه السيارات وهي إحدى مظاهر الفرحة الدينية والتي لا تزال آثارها موجودة في متحف دير عطية حتى الآن.
يعتبر المخطط العمراني لمدينة دير عطية من الأعمال الريادية للمدن السورية، إذ كانت دير عطية أول مدينة يوضع لها مخطط عمراني عام ،1934 ويتميز هذا المخطط بالشوارع المتوازية والممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، مما أعطاها تطوراً عمرانياً مبدعاً ميزها عن غيرها من المدن والقرى السورية، تعرضت دير عطية عام 1937 إلى كارثة طبيعية تعد الأسوء في تاريخها إذ جرفها سيل كبير دمر أغلب بيوتها وشرد أهلها وجرف ما يمتلكون من محاصيل زراعية وحيوانات وممتلكات، وكان للمغتربين من أبناء دير عطية دور كبير في إعادة بناء هذه البلدة، حيث أقيمت فيها أول مدرسة إعدادية عام 1953 تحولت إلى ثانوية ،1961 كما ساهم المغتربون ببناء مستوصف صحي، واستمرت تبرعاتهم في المجال الصحي ما أدى إلى إنشاء مشفى الباسل الذي يعد من أكبر المستشفيات في سوريا وأحدثها.
تشتهر دير عطية بأنديتها الرياضية ومركزها الثقافي ووجود البحيرات التي تميزها والتي هي مقصد للكثيرين، فضلاً عن غناها بالمدارس لكافة المراحل الدراسية والاختصاصات ووجود مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى المعاهد الفنية والتخصصية، وعام 2003 افتتحت أول جامعة خاصة فيها هي جامعة القلمون. ويبقى أن نقول إن أهم ما يميز دير عطية هو متحفها الذي يعد واحداً من أهم المتاحف السورية، ولهذا المتحف طراز خاص يمتاز به عن بقية المتاحف السورية فهو يضم عشرة مبانٍ فضلاً عن مبنى القلعة ومبنى الفن الحديث والتي بنيت جميعها على مراحل متعددة.
تعتمد طريقة العرض في متحف دير عطية على المادة الأثرية أي أن كل مبنى من مباني المتحف يضم نوعاً معيناً من التحف الأثرية، حيث يضم المتحف القسم الأثري ويتألف من مبنى العصر الحجري ويضم أدوات صوانية مختلفة تعود للعصور الحجرية القديمة ومن مبنى الفخار، كما يضم مجموعة قيمة من القطع الفخارية عرضت حسب تسلسلها التاريخي بدءاً من العصر البرونزي إلى الحديدي إلى العصر الهلنيستي إلى الروماني والبيزنطي والإسلامي، إضافة إلى الأواني الفخارية التي تعود للقرن العشرين والتي كانت تستخدم في دير عطية.
أما المبنى الخاص بالآثار الحجرية فيضم مجموعة قيمة من التماثيل والقطع الأثرية الحجرية التي يعود تاريخها إلى الألف السادس قبل الميلاد، أما القسم الخاص بالقطع الحجرية البازلتية الكلسية ففيه مجموعة قيمة من التماثيل والمنحوتات والزخارف الحجرية الرومانية البيزنطية والإسلامية، بينما يضم المبنى الخاص بالكتابات العربية المنقوشة على الحجارة مجموعة قيمة من الألواح الحجرية التي يوجد عليها بعض الكتابات العربية التي تعود للقرن الثامن الهجري وبعضها الآخر يعود للقرن الثامن والتاسع عشر الميلادي.
كل هذه المباني تقع جنوبي المبنى الأوسع المعروف باسم قلعة متحف دير عطية وأما البناء الأخير فيقع شمال القلعة ويضم مجموعة رائعة من الأواني الزجاجية الرومانية البيزنطية فضلاً عن بعض القطع الذهبية الرومانية والبيزنطية من تمائم وغيرها وبعض القطع البرونزية الرومانية وبعض الأدوات البرونزية تعود للعصرين الأيوبي والعثماني.
ويوجد قسم خاص بالنفائس والتقاليد الشعبية ويتكون من خمسة مبان منفصلة بعضها عن بعض وتضم أنواعاً مختلفة من النفائس والتقاليد الشعبية ولهذه المباني قسم مخصص للنفائس الزجاجية والخزفية ذات الأسلوب الفني الرفيع في شكلها ورسومها وزخارفها كالزهريات والكؤوس والفناجين والصحون وتعود إلى القرن العشرين، وتوجد في هذا القسم أيضاً خزانة تضم روائع من القطع النحاسية الروسية الصنع المزخرفة بالرسومات المتعددة، أما المبنى الثاني فهو خاص بالأدوات الزراعية القديمة التي اندثرت ولم يعد لها وجود كالمحاريث ولوازمها إضافة إلى بعض الأدوات التي كان يستخدمها البناؤون وإلى غير ذلك من السلال وكل ما تحتاجه الحياة الزراعية.
أما المبنى الخاص بالنسيج والأقمشة فيضم عدداً من الأنوال التي كانت تستخدم في حياكة السجاد والبسط وبعض المغازل اليدوية لجانب مجموعة قيمة من الألبسة النسائية التي كانت تستخدم في دير عطية وما حولها خلال القرن الماضي.
أما المبنى الرابع فيضم في غرفه المتعددة النفائس النحاسية والخزفية كالأباريق والقدور والملاعق وأدوات عليها زخارف بطريقة الحفر أو الطرق تعود للقرن الماضي كما وتوجد مجموعة من الأواني والتحف الخزفية المتعددة الأشكال والتي كان يستخدمها أهالي دير عطية.
وتعتبر قلعة الدير أكبر المباني طولها 217م وعرضها 11م بنيت بحجارة طبيعية وغير مشذبة، المبنى يتكون من طابقين يضم الطابق الأول البنادق والأسلحة الحربية وأسلحة الصيد المتنوعة ويضم الطابق الثاني مجموعة من المصابيح والقناديل الزجاجية والخزفية والتي لا نظير لها في متاحف العالم إضافة لعدد من المخطوطات القديمة والرسائل المتبادلة بين أهالي دير عطية المغتربين في أمريكا الجنوبية وغيرها وبين أهاليهم في بدايات القرن العشرين، إضافة إلى مجموعة من الحلي الفضية والأحجار الكريمة والسيوف والخناجر الرائعة الجمال تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين.
وأهم ما يحتويه المتحف جناح خاص بالرئيس السوري حافظ الأسد يضم مجموعة قيمة من الأعمال الفسيفسائية واللوحات الزيتية الخاصة لشخص القائد الخالد، إضافة إلى خطبه وأحاديثه وتصريحاته، ويوجد كذلك قسم خاص بالراحل حافظ الأسد يتوسطه تمثال حصان يمتطي صهوته الراحل، وهناك قسم خاص بالرئيس السوري بشار الأسد وفيه ألواح فسيفسائية ورسوم زيتية تمثل شخص الرئيس فضلاً عن عدد من نسخ القرآن الكريم التي طبعها الرئيس إضافة إلى الكتب التي تتضمن كلماته وخطاباته.
أما جناح الفن الحديث يقع في أقصى الشمال من المتحف ويضم أعداداً كبيرة من الفنون التشكيلية الحديثة معظمها ألواح ورسوم زيتية، إضافة إلى بعض المجسمات والصور الفوتوغرافية التي تمثل دير عطية بأحيائها وتقسيماتها القديمة. وأخيراً نصل إلى الباحات الخارجية وهي باحات واسعة تحيط بكل المباني التي ذكرناها أرضها مرصوفة بالحصى النهرية بشكل زخارف هندسية فسيفسائية، ويوجد بهذه الباحات توابيت حجرية رومانية وأعتاب بازلتية لبيوت وكنائس، ومجموعة من التيجان الكورنثية والتماثيل البازلتية الرومانية، كما تضم الباحات مجموعة معاصر حجرية رومانية وأجران حجرية، وفي المتحف الكثير من النفائس كالسرج الهلنيستي الفخاري ذي اللون القرميدي ويعود للقرن الأول قبل الميلاد، وتمثال فخاري روماني يمثل محارب يعود للقرن الثاني والثالث الميلادي وتمثال فتاة من العصر الروماني يعود للقرن الثاني والثالث الميلادي.
هذه هي بلدة دير عطية السورية الغنية بكل مايخطر على البال، كرم أهلها ووجودهم المتميزة بفكر أبنائها ودرجة علومهم العالية، الغنية بكل وسائل الحياة أضف إلى كل ذلك متحفها الذي أعطاها خصوصية ميزتها عن غيرها من المدن.