قد يكون ترتيب الأحداث الحياتية من الضرورة بمكان حين استعراض الجوانب الإنسانية لبعض الشخصيات، إلا أن ذلك قد يكون صعباً مع آخرين، ممن عاشوا حياة حافلة بالأحداث والمفارقات والمواقف والطرائف .
ومن هؤلاء د . أحمد النجار، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الإمارات، المثقف المتواضع، عميق العلم، والسعيد دوماً، فابتسامته لا تفارقه، وكأنها تقيم على شفتيه بتأشيرة إقامة أبدية، رحب الصدر، هادئ البال، منشرح النفس، يقول إن ثقته بنفسه مرجعيتها الأولى ثقته برب العالمين الذي أعطاه الكثير، ولم يبخل عليه بشيء .
يرفض الحزن حين تعترضه منغصات، ولا يرى داعياً للاكتئاب أو الغضب، ولذا فهو راضٍ دوماً وأبداً، يتقبل الأتراح قبل الأفراح، مستبشراً خيراً بالله سبحانه وتعالى، لا يقبل الهزيمة، ويصر على الانتصار في مواجهة تحديات ومعارك الحياة، ويعتمد نظرية أن المرء لن يتعلم إن لم يكن مقداماً، ولذا تسنده شجاعته في إقباله على خوض صعاب الأمور، متسلحاً في ذلك بالإرادة والأمل في النجاح والتميز، ومعه كان الحوار التالي:
عن نشأته الأولى يقول: أنا من مدينة خورفكان، ولدت يوم 21 مارس/ آذار عام ،1963 ترعرت على البحر، وعشت في ربوع مدينتي الجميلة، وحفظت وأنا صغير جزءاً من القرآن، وكنت أحب قراءة الكتب على اختلافها، والفقه بأنواعه، ولا أزال أهوى القراءة إلى درجة كبيرة، حيث لم يكن يمر يوم إلا وأقرأ لساعات طوال، وفي بعض الأيام كنت لا أنام ليلاً من كثرة القراءة إذا أعجبني كتاب معين، وأنا أمتلك مئات الكتب، إذ كان والدي كريماً جداً معنا في شراء الكتب، ومع ذلك فإن شغفي بقراءة الكتب لا يتضمن الكتاب الأخضر .
وبالنسبة إلى أسرتنا، فلي خمس شقيقات وشقيقان، والدي توفى عام ،1989 أما الوالدة، أطال الله في عمرها، فهي حالياً في السبعينات من عمرها، حيث تزوجت وعمرها تسع سنوات .
الدراسة والعمل
حدثنا عن دراستك، وتدرجك الوظيفي؟
تخرجت في كلية التربية قسم علم النفس، وعملت اخصائياً اجتماعياً لمدة أشهر معدودة في وزارة التربية والتعليم، شعرت خلالها كأنني أدفن نفسي في مقبرة، فالتحقت بالجامعة حيث عملت معيداً فيها، ومن بعد ذلك سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة، ثم إلى بريطانيا، إلى أن حصلت على الدكتوراه في علم النفس وعمري لم يتجاوز 27 عاماً، وبذلك كنت أصغر مواطن يحصل على الدكتوراه، قبيل انتهاء مدة الابتعاث الرسمي بسنوات، حيث استطعت خلال أربع سنوات ونصف السنة بعد حصولي على المؤهل الجامعي، الحصول على الدكتوراه، وأيضاً إتقان اللغة الانجليزية، علماً بأنه في بداية سفري إلى أمريكا، كنت أجهل كيفية ترجمة كلمة طالب أو كلية إلى اللغة الإنجليزية، وكنت عندما أخطب في صلاة الجمعة بالإنجليزية، ألجأ إلى كثير من الترقيع، إلى أن تمكنت تماماً من اللغة التي اقوم بالتدريس بها حالياً .
كيف تمكنت من إجادة اللغة الإنجليزية إلى جانب التحضير للدكتوراه والحصول عليها في المدة القصيرة التي ذكرتها؟
نظريتي تقول: مادمت لا تتحدث بلغة أمك وأبيك فلا تخجل من الخطأ، واخجل فقط عندما تخطئ في اللغة العربية . والشطر الثاني من نظريتي أن المرء لن يتعلم إن لم يكن مقداماً، وأذكر أنه بعد ثلاثة أسابيع من ذهابي إلى أمريكا، زرت أصدقائي في منطقة (كلورادو) ورأوني أجري محادثة هاتفية مع أحد مكاتب الطيران، لأحجز تذاكر للسفر، فسألوني كيف أمكنني ذلك، وقد مضى على وجودهم في أمريكا أشهر، ولا يجرؤون على ذلك الأمر، فكان جوابي هو: إن لم أقدم فلن أتعلم، ومن ثم فعلى الغير أن يصبروا عليّ لأني أتحدث معهم بفلوسي، وبهذه الصورة استطعت أن أرتقي وأحصل على الشهادة بسرعة .
وفي السياق ذاته، كان عندي كمبيوتر محمول سريع ومتطور في ذلك الوقت، واستطعت من خلاله طباعة كامل رسالة الدكتوراه، والتي تجاوزت صفحاتها أكثر من 940 صفحة، قد طلب مني المشرف اختصارها إلى النصف، فقمت بتصغير الجداول، وكنت لا أعرف الطباعة بالأصابع العشرة، فكنت أطبع بأصابعي المفردة، فإذا تعب إصبع استخدم الإصبع الآخر، وأذكر أنه في أحد أيامي الدراسية وكان ذلك وقت غزو الكويت، لم أجد إصبعاً في يدي يحتمل الضغط على زر الطباعة، ولازلت أتذكر أيضاً عند مناقشة الدكتوراه، أن الممتحن الخارجي في بريطانيا جاءني ليقول لي إنه أراد أن يلتقيني ليتعرف إلى الشخص الذي كتب رسالة الدكتوراه، وقد بقيت رسالتي لسنوات عديدة في جامعة درهام البريطانية باعتبارها الرسالة الأكثر قراءة .
هل تنوي توجيه أولادك إلى اتباع طريقك العلمي ذاته؟
لست ممن يحبون إجبار أحد على شيء، ومع أن كل إنسان يتمنى لأطفاله الأفضل، لكن لكل منهم خط سيره، وأنا أؤمن بالميل والطموح الإنساني، والأمنية والحلم الشخصي، مهمتي كأب توفير الظروف المناسبة لهم، والباقي عليهم .
كتب استهوتني
ما أكثر الكتب التي استهوتك قراءتها؟
أكثر الكتب التي استهوتني وحي القلم للرافعي، وكتب ابن الجوزي، وابن تيمية، والغزالي، وكتابات وإضاءات المنفلوطي ومحمد محمود شاكر، وأيضاً شعر أحمد شوقي .
هل مارست في طفولتك هوايات أخرى خلاف القراءة؟
كنت أهوى السباحة، والصيد، وصعود الجبال، كما كنت لاعب كرة ممتازاً، أضافة إلى أنني كنت أحاول التفكر بشكل مستمر، ولكن كنت دائم الفشل في ذلك، حيث كنت أجلس فترة الغروب على شاطئ البحر، وأظل أفكر بلا تفكير حقيقي في شيء له معنى، وعدا ذلك، فقد كان كل من يعرفني يستغرب من أدبي وخلقي وتهذيبي .
ثقافة غزيرة
كيف استفدت مما تعلمته صغيراً؟
بقي لي من طفولتي التدين والمعلومات الكثيرة التي زودتني بها الكتب العديدة التي قرأتها، حيث لم أنس أياً مما قرأت، والكثيرون ممن يتحدثون معي، أو يستمعون لي، يستغربون من كم المعلومات التي لدي، سواء في الأدب، أواللغة، أوالدين، والتاريخ، وأصول الفقه، وفقه المذاهب الأربعة وغيرها .
ما الذي كان يميز عائلتك عمن سواها؟
أنا من عائلة كبيرة، كانت معروفة بثرائها سابقاً، ومن ثم وبسبب القحط تغير الوضع، اضافة إلى الخسارة المالية الكبيرة التي مني بها والدي الذي كان يعمل في التجارة، والغوص وصيد السمك، إذ كان رجل بحر، وكان دائماً يقول: لما تكبر أتمنى أن أفتخر فيك لدرجة أن تكون رقبتي طويلة عند التحدث عنك، وكان دائماً ينصحنا بالقراءة والعلم، وأيضاً كان جدي تاجراً غنياً، إلى أن أصيب بالعمى، فعمل مؤذناً في المسجد، وكان يعرف توقيت الساعة العربية ببصيرته، فضلاً عن تميزه في أشياء أخرى كالحكمة، ورعاية الناس، وإجادة التصويب بالسلاح قبيل إصابته بالعمى .
مرح ولكن . . .
هل ابتسامتك الدائمة ترجمه لهدوء داخلي، أم إنها ستار خارجي لانفعالات داخلية؟
أنا مرح بطبعي، وأبتعد عن تأزيم الغير، وينطبق على المثل القائل اتق شر الحليم إذا غضب، والحقيقة أنني كنت أكثر هدوءاً من الآن، ولكن يمكن القول إنني أميل إلى الهدوء بشكل عام، وما يثير غضبي غباء الناس، والأخطاء غير المبررة، وتكرار ارتكاب الخطاً، لكنني دائم التسامح، وسعة الصدر، وأنا صديق لأطفالي، لإيماني بمقولة إذا كبر ابنك خاويه .
ماالذي يسعدك فعله؟
يسعدني إدخال السرور على قلوب الناس، والاحساس بفرحتهم، وتحقيق مطلب لأي منهم .
متى تزوجت، وكيف تعرفت إلى زوجتك؟
تزوجت عام ،1988 من شقيقة صديقي، التي أعجبتني شخصيتها، وكانت زوجتي حينها طالبة، وتأكدت مع الوقت أنني أجدت الاختيار، فزوجتي هي أكثرالناس فهماً لي، كما أنها استطاعت امتصاص انشغالاتي وعثراتي، حيث نجحت تماماً في سد جميع الثغرات في حياتنا سواء في البيت أو غيره، فضلاً عن كونها السند لي في معظم أموري وأعمالي، سواء البرامج التلفزيونية أوغيرها، إذ إنها الشريك الأوحد لي في أموري كافة .
ما الذي يغضبك في زوجتك؟
لا شيء، فأنا راضٍ تماماً عنها، وأحمل لها مشاعر عميقة بالامتنان .
ما عدد أطفالك؟ وكيف تتعامل معهم؟
عندي 3 أولاد و3 بنات، وفي البداية كنت أسير في الأسواق مع الأولاد، إلى أن أنجبت البنات، فأصبحت أهوى صحبتهن، وخاصة ابنتي خولة التي تبلغ الحادية عشرة من العمر، والتي تعتبر أكثر بناتي قرباً لي، لأنني رزقت بها بعد أشقائها الثلاثة، ومن ثم جاءت بعدها شقيقتها عائشة وعمرها 7 سنوات، والتي يعجبني فيها سرعة التعلم، وحفظها لكتاب الله، فضلاً عن قربها من قلب من يراها، وبعدهما جاءت هند الصغيرة التي لم تتعد عامها الأول وهي آخر العنقود . أما ابني عبدالعزيز فمخرج تلفزيوني، ويعتبر الأصغر بين أقرانه، وقد أصبح مخرجاً قبل أن يحصل على الشهادة الجامعية، وابني هادف يدرس الهندسة في كلية الطيران في العين، وعبدالله في الصف العاشر، وأولادي جميعاً مميزون، ولكل منهم صفة تميزه عن الآخر، والحقيقة أنني عانيت في فترة مراهقتهم، إلا أنني أؤمن بأن لكل مرحلة طفرتها، وواجبنا كأسر أن نحسن احتواء الأبناء واستقطابهم .
دائماً يأتي علم الشخص على حساب تفكيره في المال، فهل أنت معي؟
الحقيقة ليست كذلك تماماً، فقد تعلمت أن العلم يدعم بالمال، وأسوأ العلماء هم الفقراء، والحقيقة أن العالم العربي لا يحترم العلم ولا العلماء ولا يقدرهم، وكل ما يفعلونه ادعاء، والنظرية السياسية والإدارية والاقتصادية تسير على مبدأ الثقة وليس الكفاءة، ولهذا قررت أن أكون عصامياً عالماً وتاجراً، والمال لا يمثل لي شيئاً، فإنا إنسان متسامح وكريم .
هل يعني ذلك أنك رجل علم وأعمال؟
أنا رجل أعمال غير ناجح تماماً في النواحي المالية، ولكني في الوقت نفسه غير فاشل تماماً .
ثقتي من الله
من أين تستمد ثقتك بنفسك؟
ثقتي بنفسي ترجع إلى ثقتي بالله سبحانه وتعالى، ودائماً أبدي الثقة بالغير، ولا أحب التشكيك بأحد، وليس عندي مشكلة في أي بلاء يصيبني لأنني مؤمن بقضاء الله وقدره، وأنا أحرص على الإكثار من الاستغفار، والتدين من دون لحية وثوب قصير، كما أنني وطني وقومي حتى النخاع .
وأخيراً ما العادة التي لا تقصر عن القيام بها؟
لا أتوانى عن إخراج الكثير من الصدقات، سواء عن روح والدي، أو لأمور أخرى.