القاهرة - ماجدة النجار:
في أعقاب ثورة 1952 ولدت الدكتورة ثريا عبد الجواد أستاذ الاجتماع القانوني ووكيل كلية الآداب جامعة المنوفية، وفي رحاب ثورة يناير 2011 تعيش أحلى سنوات ربيع العمر بعد سن التقاعد، فهي ابنة أعظم ثورتين مرت بهما مصر في تاريخها الحديث على حد تعبيرها . تقول: "أنا ابنة الطبقة الوسطي التي استفادت كثيراً من ثورة يوليو المجيدة، فقد تربيت في الريف المصري بمحافظة المنوفية لأبوين تزوجا بطريقة تقليدية حيث لم يكن للمرأة دور في اختيار شريك الحياة" .
تضيف د . ثريا عبدالجواد: "حصل أبي على الثانوية العامة وغادر الريف إلى المدينة ليعمل موظفاً بالجهاز الإداري لمصانع الحديد والصلب، ثم فوجئ بتلغراف من جدي يدعوه لحضور عقد قرانه على من اختارها بالقرية دون أن يراها أو تراه، ثم انتقلت الأسرة للقاهرة بعد الزواج، وانتقلت معنا أسرة أبي، فسكن الجميع بحي جزيرة بدران بشبرا، لي من الأشقاء ستة، اثنان من الذكور وأربع من الإناث احتل الترتيب الرابع بينهم، من الأشياء التي أذكرها جيداً ما كانت تحكيه أمي لنا عن إنجابها البنات الواحدة تلو الأخرى في الوقت الذي تنجب فيها العمات اللائي يسكن إلى جوارها الذكور، ما كان يعرضها للخجل والخزي، فحينما كانت تلد أمي كن لا يسألن عن صحتها ولكن يسألن عن نوع المولود ذكر أم أنثى، حتى إنها حين ولدتني امتنع أهل أبي عن زيارة أمي أو الاحتفال بسبوع المولودة، كانت أمي رغم أنها لم تتعلم تصر على تعليم أبنائها، لا تفرق بين ولد أو بنت وقد ازداد هذا الشعور مع اهتمام ثورة يوليو بالتعليم المجاني لكل شعب مصر، ومن ثم كان هناك إصرار من الأسر على مواصلة تعليم الأبناء، أما نحن فقد واصلنا التعليم مع أبناء عمومتي الذكور فكان البنات يبدين تفوقاً ملحوظاً على الذكور الذين لم يستطيعوا مواصلة تعليمهم الجامعي .
وفي سن العاشرة توفي أبي وانتقلنا إلى حي منشية البكري حيث نسكن في الشارع الذي يقع بنهايته منزل جمال عبد الناصر .
أصبحت أمي هي المسؤولة عن الأسرة في غياب الأب وكذا أخي الأكبر د .عبد الجواد سيد عبد الجواد الذي كان من أوائل دفعته بكلية العلوم، وقد أرسله عبد الناصر لاستكمال دراسته بالاتحاد السوفييتي وكان أول من عين بهيئة الطاقة الذرية واستمرت أمي تلعب دوراً مهماً في تعليمنا وتدريجياً تحول عداء أهل أبي لأمي إلى فخر بما تحققه من نجاح في تعليم أبنائها لاسيما البنات، وفي المرحلة الإعدادية التحقت بمدرسة سراي القبة ولم أعرف أن هدى ومنى عبد الناصر تدرسان في نفس المدرسة إلا من خلال صورة والدهما، لم نشعر بأي فرق بيننا وبينهما لا في المعاملة ولا في الاهتمام كنت أسمع من زميلاتي أنه يتم استدعاء ولي أمرهما إذا ما اقترفت إحداهما خطأ ولم نشعر كذلك بوجود حرس أو سيارة تنقلهما . كانت سلوى شعراوي جمعة ابنة وزير الداخلية تأتي إلى المدرسة بسيارة متواضعة جداً، في هذه المرحلة تربينا في رحاب ثورة يوليو وتعلمنا قيم الوحدة وأهمية النسيج الوطني بشقيه فكان لدينا حصص التربية الوطنية التي تدرس الانتماء الوطني والتربية الدينية .
كان شهر رمضان المبارك من أجل المناسبات التي يحتفل بها المصريون يتبادلون الأطباق الشهية والحلوى ويجلسون حول المائدة لعمل كعك العيد، كانت العلاقات مليئة بالدفء والحب والتسامح .
لم أدرك هذه القيم النبيلة إلا عندما كبرت ورأيت التصنيف الطبقي بين فئات الشعب وكيف أن لأبناء الفقراء مدارس ولأبناء الأغنياء أخرى، وكيف تفسخ النسيج الوطني على يد نظام فاسد استخدم أسلوب الفرقة ليستحوذ على خيرات الوطن ويستبد بأهله .
والحقيقة كما تذكر د .عبد الجواد أنها تدين بالفضل لأخيها الذي مارس دور الأب في تربية الوجدان والعقل والانفتاح على ما تحمله الثقافتان الإسلامية المنفتحة والغربية بمعناها الواسع، فقد كان حريصاً على الإتيان بالجديد من المنتج الثقافي فيوجهها لقراءة الكتب وارتياد المكتبات التي أنشأتها وزارة الثقافة بكل حي، وتقول: "كنت وأخواتي نحصل على جوائز مجانية من المكتبات كلما انتهينا من قراءة كتاب ما، وأذكر أنني قرأت كل ما كتبه إحسان عبد القدوس في المرحلة الثانوية، وكامل كيلاني وأحمد تيمور، واستمعنا من خلاله إلى الموسيقى الكلاسيكية ثم الأوبرا التي تذوقتها من تكرار سمعها وازداد اهتمام أخي بي وتأثره القوي لأنني كنت مستجيبة لكل توجيهاته حتى حصلت على الثانوية العامة بمجموع 75% سنة ،1970 ما أهلني للالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية أو كلية الإعلام لكن أخي اختار لي قسم الاجتماع الذي تدرس فيه أختي الكبرى" . وتضيف: "كان هذا الاختيار من أعظم ما أنجزته طوال حياتي، في أواخر هذه السنة حدث ما لم يكن متوقعاً، فقد بدا يوماً عادياً وبمرور الوقت لاحظنا أن جميع المحطات تذيع القرآن الكريم ونحن لا ندري ما الذي يحدث، حتى أذيع البيان الذي تلاه الرئيس الراحل أنور السادات معلناً وفاة عبدالناصر، وفي أقل من دقائق معدودة كانت أصوات الصراخ والعويل من جميع المنازل بالحي وعشرات بل مئات يخرجون في اتجاه منزل الزعيم، رأيت مشهداً لن أنساه طوال حياتي، حيث امتلأت الشوارع المؤدية لمنزل عبدالناصر بكتل بشرية تموج في حركة واحدة لا يمكن اختراقها بأي حال من الأحوال، وبعد أقل من ربع ساعة كان مدخل منزلنا ولمدة ثلاثة أيام متتالية محطة لجميع من توافدوا قاصدين منزل الزعيم، وكانت أمي تعد الطعام والشراب وتقدمه للوافدين . شيء واحد جمع بين هؤلاء البشر . . بكاء لا ينقطع وشعور بالإحباط والخوف من المستقبل . . ظل الآلاف يتوافدون على حي منشية البكري حيث يرقد الزعيم حتى تمت مراسم الدفن بالضريح المخصص له بكوبري القبة، وكانت هذه أول مسيرة أسير فيها من منزلنا حتى المثوى الأخير بالمسجد، والجموع تردد: "أبكي ابكي يا عروبة ع اللي بناك طوبة طوبة"، وكذا ترديد نشيد الوداع: "الوداع يا جمال يا حبيب الملايين" .
عاودت أخي عبد الجواد نوبة الاكتئاب التي أصابته بعد نكسة 67 لكنها بعد وفاة الزعيم كانت أشد وطأة، وبوفاة عبد الناصر فقدنا كثيرًا من المعاني التي كنا نمارسها أو نحلم بها .
تستكمل د .عبد الجواد قائلة: حين منيت مصر بهزيمة 67 كان الشعور بخيبة الأمل والانكسار مشوبا بالتحدي في أن النصر آتٍ طالما كان بيننا عبد الناصر، وعندما توفي أصبح الحزن مقترنا بالهزيمة وعدم الأمل في الانتصار .
في سنة 1971 التحقت بكلية الآداب جامعة عين شمس، وتعلمت على أيدي نخبة من الأساتذة الكبار الذين كانوا رمزاً للتوجه الثوري والاشتراكي، فكانت سنوات الجامعة محطة خصبة شديدة الثراء، حيث كانت من البؤر النشطة للثورة على العدو الصهيوني والأوضاع التي آلت إليها مصر ممثلاً في الهزيمة، ومن ثم لعب الشباب دوراً مهماً للقصاص ممن تسببوا في النكسة وتهيئة النظام لخوض المعركة .
في عام 1975 حصلت على الليسانس بتقدير "جيد" فقط حيث انخفضت درجاتي عن عمد في مادة أحد الأساتذة يكره مشاركتي وتوجهاتي، كان هذا أحد الأسباب المهمة التي جعلتني أصر على استكمال دراستي العليا وأصبحت زميلة له فيما بعد .
في عام 1976 كنت التحقت بالسنة التمهيدية للماجستير، وأثناء عودتي للمنزل بعد أن أديت آخر مادة سمعت أصوات صراخ وبكاء تصدر من شقتنا، وبدخولي عرفت أن أمي توفيت إثر نوبة قلبية .
حين توفيت أمي كنت وأختي الصغيرة وأخي نعيش معاً، أما الكبريات فقد تزوجن، تقاسمت وأختي أعباء الأسرة وكانت العمات تتناوبن علينا لتسيير بعض شؤوننا، وأدركت من معايشتهن الفرق الكبير في الفكر والثقافة والنضج بين عقلية أمي، تلك السيدة الأمية، وبين القاهريات المتعلمات .
وانطلاقاً من فكرة العدالة التي علمتنا إياها أمي تقاسمت وأختي شؤون البيت، فضلا عن عملي كباحثة بمشروع التنمية الريفية وعلاقته بالمشكلة السكانية، وهناك التقيت الدكتور محمود منصور أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة الأزهر، فشعرنا بالتواصل الفكري والثقافي والسياسي، فتزوجنا بعد عام فقط، ثم رزقت بابني الأكبر عمرو الذي يعمل مهندساً ثم وليد الصيدلي والمهتم بشؤون البيئة وعايشت فترة الانفتاح الاقتصادي بمنتصف السبعينيات وشاهدت بنفسي كيف وجهت هذه السياسة المجتمع من خلال سلسلة من القوانين التي أعادت هيكلة الحياة في مصر، فاهتممت بالقانون ومدى تأثيره في المستقبل السياسي والاقتصادي بكل أبعاده .
في عام 1981 كانت رسالة الماجستير بعنوان "الوعي الاجتماعي للمرأة بين الشرائح المختلفة ودور الفقر" ثم الدكتوراه عام 1987 التي ناقشت خلالها التغيرات الاجتماعية والسياسية بتحليل قوانين الانفتاح التي أصدرتها فئة الطبقة الرأسمالية والطفيليين الذين غيروا منظومة المجتمع بما كان يعرف بالقوانين "سيئة السمعة" التي واكبت سياسة الانفتاح السياسي .
وهنا ينبغي أن أسجل دور زوجي الذي ساندني طوال حياتي ولم يفرض عليّ أعباءً قهرية، فترك لي حرية التصرف في كل ما يتعلق بشؤون الأولاد والمنزل والعمل والدراسة، والبعض يراني مستبدة في القيام بجميع أعمال النظافة وترتيب المنزل والطبخ ومذاكرة الأولاد، كانت المهام كلها على كاهلي من دون أي مشاركة من الزوج الذي تحكمه ظروف ثقافة وعادات المجتمع، فمهما بلغت درجة التعلم والثقافة فهو يلقي بالمسؤولية كاملة على الزوجة، هذا السلوك قد يتغير إذا ما تغيرت نظرة المجتمع وأصبحت هناك عدالة في توزيع الأدوار، فالزوج المصري يتصرف في إطار منظومة تحميه وتعطيه هذه المكانة في الأسرة، ومع ذلك لم أواجه منه بالعنف أو التذمر في حالة الإخفاق مثلا نحن نعيش حالة من الهدوء والتفاهم ويسعد كثيراً كلما حققت نجاحاً في مجال عملي . بل وفي كثير من الأحيان كان يقدم لي بعض التسهيلات أثناء دراستي العليا، وبعد أن تخرج الأولاد في الجامعة شعرت أننا تقاسمنا الأدوار في أسلوب التربية دون أن ندري، فقد غرست فيهما معاني الوطنية والانتماء في حين اهتم زوجي بغرس معاني الرجولة والقوة والصلابة والإيمان بالثبات على المبدأ .
تشعر الدكتورة ثريا عبد الجواد بتفاؤل شديد رغم كل ما يعتري المجتمع المصري على مدى عامين كاملين، لأن قوانين المجتمع تبرهن على حقيقة مهمة تتعلق بإرادة الشعوب التي لا تقهر، فما من حاكم على مر التاريخ استطاع أن يقهر شعبه، فما بالنا بالشعب المصري . . كما ترى أن الثورة المصرية تسير في طريقها الصحيح .
تعتبر الجامعة محطة خصبة للحراك السياسي
د . ثريا عبدالجواد: الطبقة الوسطى استفادت من ثورة يوليو
19 ديسمبر 2013 13:27 مساء
|
آخر تحديث:
19 ديسمبر 13:27 2013
شارك