أليست حياتي عادية جداً مثل آلاف وملايين غيرها؟، لست إلا الابن الأصغر في أسرة كبيرة الحجم متوسطة الحال، أبوه أستاذ في الجامعة، أرسله إلى المدرسة، ثم إلى الجامعة، مثل ملايين غيره من تلاميذ المدارس والجامعات، وتخرج وسافر إلى إنجلترا ليحصل على الدكتوراه في الاقتصاد، ثم عاد ليعمل بدوره أستاذاً في الجامعة، وظل أستاذاً حتى سن متقدمة، ما الغريب أو المدهش أو غير العادي في أي شيء من هذا؟، صحيح أنه يكتب في الصحف ونشر بعض الكتب، ولكن ماذا في ذلك؟ ألا يستحسن، والحال كذلك، السكوت كما يسكت الآلاف المؤلفة من الناس، ولا يشغلون بقية الناس بسيرة حياتهم؟
هذا ما تحدث به جلال أمين بينه وبين نفسه، قبل أن يقدم على كتابة سيرته الذاتية تحت عنوان «ماذا علمتني الحياة؟»
يبدو أنه وجد صدى طيباً لما كتبه فعاد ثانية ليكتب عما فاته من السيرة في كتابه «رحيق العمر» لكنه هنا يفتتح سيرته بالحديث عن أبيه أحمد أمين، الذي كان يريد من الأطفال اثنين، فوجد نفسه أمام عشرة أبناء، وحين جاء الدور على أصغرهم (جلال أمين) اصطحب الأب زوجته إلى طبيب أجنبي ليقوم بإجهاضها، لكن مفارقات عدة دارت عبر هذا المشوار، إلى أن انتهى بجملة كتبها جلال أمين: «هكذا جئت إلى الوجود في 23 يناير 1935».
يرسم جلال أمين صورة أبيه، صاحب ثلاثية فجر وضحى وظهر الإسلام، ذلك العمل الموسوعي: «كان أبي رجلاً قليل الكلام، قليل المرح، يأخذ الحياة مأخذ الجد، ولا يجد متعة حقيقية إلا في القراءة والكتابة، والزواج في نظره لا يستلزم الحب، بل هو لمجرد تكوين أسرة وإكمال الدين، ومن ثم فهو يطلب يد أمي، دون أن يراها، وأسرة الفتاة تقبل تزويجها له، دون أن تشترط موافقة الفتاة، التي لم تكن بدورها قد وقعت عيناها عليه قط، المهم فقط أن ترضى أسرة الفتاة، أو ولي أمرها عن خلقه واستقامته، وتتأكد من قدرته المالية».
هكذا تزوج أحمد أمين، وذهب إلى المصور بعد إتمام عقد الزواج، فالتقط له صورة، وبدلاً من أن تستند الزوجة بيدها على كتفه، استند هو بيده إلى بضعة كتب، وكتب على ظهر الصورة: «أرجو من الله أن يوفقني إلى عمل عظيم أنفع به أمتي» من غير أن يشير ولو إشارة عابرة إلى أن هذه الصورة، التقطت له عقب زواجه مباشرة».
أما الأم كما يرسم صورتها جلال أمين فهي: «لم يكن لأمي هذا الحس الأخلاقي القوي الذي كان عند أبي، ربما كانت أخف ظلاً وألطف معشراً، لكنها كانت بلا شك أكثر مكراً وأشد دهاء، لم تكن بخيلة بخلاً منفراً، لكنها كانت بلا شك حريصة على المال حرصاً واضحاً، كان يزيد هذا الحرص قوة اعتقادها بأن الرجال لا يمكن الاطمئنان إلى وفائهم، وكانت دائمة الترديد للمثل الشعبي «يا مآمنة للرجال يا مآمنة للماء في الغربال» فسيطرت عليها فكرة أن يكون لها من المال ما يكفي لشراء بيت باسمها، يدر عليها من الدخل ما يغنيها عن أبي، إذا حدث وتنكر لها».
يغادر جلال أمين منازل طفولته، ليصل إلى أعوام 1951 و1955، وهي سنوات الالتحاق بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وعندما يتذكر هذه السنوات يقول: «يستولى عليّ العجب من درجة الحرمان الذي تعرضنا له نحن الطلبة المصريين من أي حياة جامعية على الإطلاق، والمدهش أكثر من هذا أنه لم يكن يدور بخاطرنا حينئذ أننا نتعرض لأي حرمان بالمرة، إذ لم نكن ندري شيئاً عما كان يجب أو يمكن أن يكون».
وعندما ذهب إلى كلية لندن للاقتصاد، بعد تخرجه بسنتين أدرك ما كان فيه من بؤس في جامعة القاهرة، لم يكن مبنى الكلية في لندن به أي جمال، أو يثير أي بهجة إذا نظرت إليه من الخارج، فهو مبنى حديث من ستة أدوار في شارع ضيق، تحيط به مبان شاهقة تحجب عنه ضوء الشمس، التي كانت نادراً ما تطلع على أي حال، لكنك متى دخلت المبنى وجدته ينبض بالحياة والفرح والنشاط، والقهقهات تصدر عالية من الأفواه والابتسامات الرائعة ترتسم على وجوه الطالبات الجميلات.
تعرف جلال أمين خلال سنوات الجامعة لأول مرة، إلى فكرة العروبة والوحدة العربية، حدث هذا عن طريق تعرفه بمجموعة من الطلبة العرب، الذين كانوا يدرسون في كلية أو أخرى من كليات جامعة القاهرة، وكان معظمهم أعضاء في حزب «البعث العربي الاشتراكي» كانوا مجموعة من الشباب الناضجين الودودين، كما يصفهم أمين، وبهم درجة من الجدية والاهتمام بالسياسة والقضايا العامة، تفوق بكثير ما كان شائعاً بين الطلبة المصريين.
نقل هؤلاء الطلبة العرب إلى زملائهم المصريين ما قاله ميشيل عفلق: «إن الحزب لا مستقبل له إن لم يدخله مصريون» وكان أول من التحق بالبعث من المصريين علي مختار الطالب في كلية الطب، وتكونت أول خلية بعثية - طبقاً لرواية جلال أمين - سنة 1954، ولم يمض وقت طويل حتى انضم إلى الحزب مصريون آخرون، لم يتجاوز عددهم 200 عضو، إلى أن زار مصر عضو قديم في الحزب، وأخبر الجميع بأن قيادة الحزب في دمشق قررت تعيين جلال أمين مسؤولاً عن الحزب في مصر.
يقول أمين: كانت هذه هي أول تجربة لي وآخر تجربة أيضاً في الانضمام لحزب سياسي، وهي تجربة تكاد تكون صبيانية أكثر منها تجربة جادة في العمل السياسي، إذ لم أكن قد بلغت العشرين، عندما انضممت لحزب البعث، وتركته وأنا في الثالثة والعشرين، والراجح أن السبب الأساسي لدخولي في هذه التجربة كان سببا اجتماعيا ونفسيا، أكثر من أي شيء آخر، وأقصد بالسبب الاجتماعي والنفسي الميل الطبيعي في مثل سني إلى الاشتراك في عمل جماعي مع شباب في نفس السن يعبر فيها كل منا عن شخصيته التي بدأت في التكوين، ويأمل كل منا في أن يحصل من خلاله من الآخرين على قدر من المودة والتقدير يدعم به ثقته بنفسه.
آخر مرة رأى فيها جلال أمين زعيم الحزب ميشيل عفلق كانت عام 1957 وقد ترك أثراً طيباً في نفسه فهو يقول عنه: «ظللت دائماً وحتى الآن، لا أميل إلى قبول أي نقد، يوجه إليه، مما يطعن في صدقه أو إخلاصه أو نزاهته، وأميل إلى الاعتقاد بأن رجلاً مثله لا يمكن أن يكون له يد فيما ارتكبه حزب البعث، وما ارتكب باسم البعث، من جرائم أو أخطاء بل أرجح أن اسمه قد استخدم في تبرير هذه الجرائم والأخطاء في سوريا تارة، وفي العراق تارة أخرى، كما أميل إلى الاعتقاد بأن إقامة ميشيل عفلق في العراق خلال حكم صدام حسين كانت من قبيل الإقامة الجبرية، استخدم خلالها اسمه دون أن يسمح له هو نفسه بأن يفعل أو يقول ما يريد».
كان ميشيل عفلق رجلاً وسيماً، على وجهه دائماً ابتسامة مشرقة وصادقة، تعكس نفساً صافية وكريمة، كما يشير جلال أمين الذي التقى به نحو عشر مرات في القاهرة، لكن حدث تطور كبير في إعادة النظر في الحزب وزعيمه: «كانت ميتافيزيقية وروحانية ميشيل عفلق أبعد كثيراً عن متناول شباب في العشرين من عمرهم، يريدون أفكارا كاملة الصنع وجاهزة للتطبيق، وصارمة في تمييزها بين الأبيض والأسود، التقدمي والرجعي، الوطني والخائن، وكان التفسير المادي والاقتصادي للأمور أقرب إلى جذب شباب في هذه السن من أقوال ميشيل عفلق، التي من نوع إن «القومية حب» مثلا، والتي كانت كثيرا ما تذكر من جانب أعداء البعث على سبيل السخرية من إغراق ميشيل عفلق في المثالية».
كان الحزب متهماً بالعاطفية المفرطة والغيبية، وهذا ما وضح لأمين حين التقى عفلق، فالزعيم لم يجب عن الأسئلة التي كانت تشغل بال أمين آنذاك، إلى أن التقاه لآخر مرة في أواخر عام 1957، قبيل سفره في البعثة إلى إنجلترا، كان ميشيل عفلق مبتهجاً متهللاً، بعد أن عاد لتوه من مقابلة جمال عبدالناصر، وقال إنه سعيد لأن عبدالناصر وافق أخيرا على دخول مصر في وحدة مع سوريا، إذ استطاعوا في النهاية إقناعه، وأنهم قبلوا الشرط الذي وضعه عبدالناصر بحل حزب البعث، واعتبروا أن تحقيق هذه الخطوة الرائعة نحو إنجاز الوحدة العربية الشاملة، يستحق أن يدفع من أجله هذا الثمن، وهو حل الحزب.
يذكر جلال أمين أن كل شيء حوله كان يدفعه بعيداً عن حزب البعث، فلما وصل إلى لندن وقابل الطلبة البعثيين العراقيين، لم يتردد في أن يعطي أحدهم خطابا لتسليمه لبعض المسؤولين عن الحزب في العراق أو دمشق، ويتضمن استقالته من الحزب، وبذلك انقطعت علاقته بحزب البعث إلى الأبد.