الدكتور جمال عبيد البح أول عضو خليجي بالفيدرالية العالمية الوالدية للأسرة ورئيس منظمة الأسرة العربية، ونال درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الدول العربية تقديراً لتميزه في مجال المشروعات الاجتماعية، وهو اضافة إلى هذا كله، يفتخر بكونه نذر عمره لخدمة المجتمع المحلي والعربي بداية من عمله بتأسيس تلفزيون الشارقة، واعداد وتقدير البرامج به، وحتى عمله كأول مدير لصندوق الزواج، وبينهما تنفيذه لفكرة الزواج الجماعي التي صدرت عن صاحب السمو حاكم الشارقة.
عن تجربة الدكتور جمال البح الاجتماعية وخبراته المتعددة يدور حوارنا معه:
استخرت الله ففضلت صندوق الزواج على إكمال الدراسة
لنبدأ بالقاء الضوء على الميلاد والنشأة؟
- ولدت في إمارة الشارقة في عام ،1963 وأنا أعتقد أنني كنت ضمن المحظوظين ممن ولدوا في عقد الستينات من القرن الماضي، حيث إنني وجيلي شعرنا بما كان عليه حال دولتنا، قبل الاتحاد، فتعرضنا لشظف العيش مقابل ما تحياه الأجيال اليوم من حياة السعة وجيلي لا تزال ملامح تلك الفترة في وجدانه، إذ إننا نعرف فرصة حلول الخصب بأرضنا وذلك لأننا عرفنا معنى جدب الحياة وهذه الملامح لم تعد تراثاً لدينا فقط، بل هوية، أيضاً وقد أحببت تلك الفترة، بصورة شخصية، لما تضمنته من حياة بسيطة غير معقدة، فكنا نقيم في بيوت من سعف النخيل بقرب البحر، حيناً، وإن كان الوالد يمتلك بيتاً أسمنتياً لاقتداره، إلا أن جيراننا كانوا يقيمون في بيوت طينية ولم يكن مصيفنا في أوروبا بل في واحة ليوا في المنطقة الغربية.
جزء من الذاكرة
ويضيف الدكتور البح: لقد أصبحت تلك الفترة بكل مفرداتها جزءاً من معالم ذاكرتي أسترجعها حينما أرى أبناء الدولة من الجيل التالي الذين ينغمسون في الملذات، والترف، والنمط الاستهلاكي.
وللحقيقة فإن ما غرسه الوالد، رحمة الله عليه، في من معارف، وطباع، وحب للعصامية في الحياة، والترقي فيها هو أبرز ما يبقى لديّ، على الدوام، فقد كان الراحل مثالاً لكل ذلك، حيث ولد عام ،1927 وعمل في بداية حياته في الغوص والبحث عن اللؤلؤ، ولكنه لم يستمر في هذا العمل، إذ أتيحت له فرصة السفر إلى المملكة العربية السعودية، وهناك عمل في محل للتصوير في الدمام، واستمر في هذا العمل حتى استطاع أن يفتتح أول محل للتصوير في الشارقة، ثم عمل في جريدة الاتحاد الأمر الذي أتاح له إقامة علاقات اجتماعية قوية بخاصة أن عمله في الجريدة بدأ في السبعينات وحتى نهاية الثمانينات، وقد عودني مع إخوتي التسعة على العصامية والاصرار على النجاح، وحب التعليم كما كان لمصاحبته له أكبر الأثر، حيث كنت أجالس معه علية القوم فقد كان يؤمن رحمة الله عليه، بأن مصاحبة الآباء لأبنائهم هي التربية، بالدرجة الأولى، وهذه القيمة العظيمة نفتقدها اليوم للأسف.
إعلامي متميز
ماذا عن حياتك العلمية والعملية؟ ما أبرز محطاتها والدروس التي استفدتها منها؟
- حينما أعود إلى فترة الدراسة الأولى أتذكر أنني لم أكن مميزاً، ولكنني كنت في قيادة الأنشطة أكثر من مميز، فكنت نائباً لرئيس طلبة المدرسة، ولي نشاطاتي الاذاعية وقد أهلني كل ذلك لتجارب مميزة في مدرسة حطين الابتدائية بالشارقة، ومن بعدها في مدرسة علي بن أبي طالب الاعدادية، ثم في مدرسة العروبة الثانوية.
ثم التحقت بجامعة الامارات، وتخرجت في كلية الاعلام والاجتماع، وفي بداية حياتي العملية التحقت بالعمل في تلفزيون الشارقة، وذلك بنصيحة من مستشار حاكم الشارقة الآن عبدالرحمن الجروان، وقد كنت متخصصاً بعكس بعض الاعلاميين غير المختصين الذين عملوا في هذا المجال بالصدفة، وحاولت أن أعكس الجوانب المهمة المتعلقة بالمجتمع مثل تكاليف الزواج، والسفر للخارج وللحقيقة فقد كانت مرحلة مهمة من حياتي استغرقت أربع سنوات.
ويواصل قائلاً: تلك المرحلة التي كنت فيها أحد مؤسسي تلفزيون الشارقة والتي استمرت من العام 1987 وحتى العام 1992 وعملت خلالها معداً ومقدماً كانت من أهم المراحل في حياتي، وأشهد أن الخط الفكري لصاحب السمو حاكم الشارقة أفادني كثيراً حتى حصلت على جوائز عدة تقديرية أشعرتني بأن الاعلام يمثل جزءاً كبيراً في حياتي، ومن مستقبلي، ثم ودعت التلفزيون بعد أن قدمت برامج متميزة جاء من قلدها وكررها بعد ذلك.
* كيف ولدت فكرة الأعراس الجماعية؟
- هذه الفكرة ابتكرها صاحب السمو حاكم الشارقة ولم يكن مسبوقاً في ذلك، وتحدث العالم عنها بالخير فيما بعد، وقد طلب مني سموه أن أنسق إعلامياً لتطبيقها وكنت وقتها متطوعاً في جمعية الشارقة للأعمال الخيرية.
صندوق الزواج
وماذا عن فكرة صندوق الزواج؟
- فكرة صندوق الزواج، تعود إلى العام ،1991 وقد اختمرت في ذلك الوقت في ذهن المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ثم صدر قانون إنشاء الصندوق عام ،1993 وتم ترشيحي من عدة جهات لمنصبين في الصندوق، فقد رشحني صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لعضوية مجلس إدارته ومن قبل آخرين رشحت لكي أكون مديراً للصندوق وهو ما مالت نفسي إليه رغبة في خدمة المجتمع، فاعتذرت لصاحب السمو حاكم الشارقة عن منصب عضو مجلس ادارة الصندوق وقبل سموه اعتذاري.
وقد رافق أمر توليتي إدارة الصندوق أمران مهمان في حياتي، الأول زواجي، حيث استشعرت إبان ذلك معنى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: تزوجوا النساء فإنهن يجلبن المال وكان الأمر الثاني هو ترشيحي لاكمال الدراسة والعمل في الوقت نفسه في الملحقية الثقافية في إيرلندا، وقد وقعت في حيرة، لبعض الوقت، ما بين سفري وبقائي، فاستخرت الله تعالى، لأجد نفسي ميالة لقبول العمل مديراً لصندوق الزواج، وهو العمل الذي ظللت أمارسه لمدة 13 عاماً وكان توفيق الله تعالى محالفاً لي فيه، فبعد عملي بتلفزيون الشارقة جاء هذا العمل اضافة أخرى لي في خدمة المجتمع، علاوة على كون الصندوق نفسه أول مؤسسة اجتماعية اعلامية بالدولة، وقد كانت لدي من الطاقات الاضافية ما يناسب طموح كبار المسؤولين الذي كان بلا حدود لايصال رسالة قوية لخدمة المجتمع وتقوية الروابط ما بين الأسر وتكوين تلك الأسر الصالحة القوية، وقد كان عليّ أن أتغلب على كثير من الصعوبات الاجتماعية منها تكاليف الزواج المرتفعة، والزواج من أجنبيات، والطلاق، والعنوسة، والنقص في الثقافة الزوجية، والمتغيرات في الأسرة الاماراتية، ولم تكن الجهود المبذولة في كل هذه المجالات من قبل كافية فلم تكن هناك أرقام أو إحصاءات. ولم تكن هناك مؤسسة اجتماعية، ولذلك فقد سد الصندوق هذا العجز الشديد، وتميز بالتركيز على الجانبين الأسري الزواجي والحياتي، وجاءت المنحة للترغيب بزواج المواطن بالمواطنة، وتم ربط المنحة بالعديد من البرامج، والتوعية بسلبيات المبالغة في تكاليف الزواج، وقد كانت لنا برامج واضحة ومميزة حتى العام 2005.
وفي أثناء إدارتي لصندوق الزواج تم ترشيحي لرئاسة منظمة الأسرة العربية في العام 2003 ورشحت لعضوية المكتب التنفيذي وعضوية الفيدرالية الوالدية للأسرة عام ،2006 وكنت أول خليجي ينضم إلى الفيدرالية الوالدية العالمية، وكل هذه الأعمال هي أعمال تطوعية لجميع الدول العربية بخاصة أننا وقعنا اتفاقية مع الأمم المتحدة من أجل دعم الأسرة والمرأة، كما منحتني جامعة الدول العربية الدكتوراه الفخرية في العام 2003 بمناسبة التميز في المشروعات الاجتماعية وأنا الآن مستشار اقتصادي لمجموعة عبدالله الغرير المسؤولة عن مترو دبي.
دروس مستفادة
وعبر هذه الرحلة الطويلة المحببة إليك من العمل المجتمعي، ما أبرز الدروس التي استفدتها.. وتنصح الشباب بالاهتمام بها؟
- من أبرز الدروس أن لكل عصر خصوصيته، وأنه لا ينبغي علينا أن نبكي على اللبن المسكوب، وأننا يجب أن ننشئ شبابنا على قوة الشخصية، والاعتماد على الذات والاستفادة من روح التعاون والترابط الاجتماعي السابق من مساعدة الأبناء للآباء، ومعاونة الابن قبل الابنة للام، وجيل اليوم يجب أن ينظر إلى هذه الأمور باهتمام شديد، حتى لا يكون هذا الجيل اتكالياً يوفر له الوالدان كل وسائل الراحة والسعة معتقدين أن الأبناء يجب أن يتفرغوا للاستذكار، لأن الابن في هذه الحالة إذا ما نجح في الجانب الأكاديمي فسوف يسقط في الجانب الاجتماعي، ولذلك افتقدنا الشخصية الشمولية للطالب، وتعود الأخير على النمط الاستهلاكي من الحياة.
هذا على مستوى الأبناء فماذا يخص الأسرة؟
- إذا درسنا حياة الاماراتيين نجد أن الأسرة حتى عقد السبعينات، أو الثمانينات كانت أسرة ممتدة لثلاثة أجيال أي أن هذه الأجيال تعيش في بيت واحد فيه الجد وهو صاحب السلطة على البيت، وهو الذي يربي ويصدر القرار، وما على الأب إلا أن يطيع فلا يستطيع اتخاذ قرار الطلاق، أو ضرب ابن إلا بموافقة الجد وكان الأطفال في العائلة، يستفيدون من كبار السن هؤلاء في اكتساب خلاصة تجاربهم وكذلك اكتساب مهاراتهم، وقدراتهم وحتى القصص التي في جعبتهم والأهازيج مما يعني التواصل بين مختلف الأجيال، واليوم اختلفت علاقة الآباء مع الأبناء بسبب متغيرات النظام الرأسمالي الذي يجعل كلاً من المرأة والرجل يعملان، جنباً إلى جنب، على حساب الجلوس مع الأبناء، مع عدم وجود أكبر وهكذا انتقلت مهمة تربية الأبناء إلى الخدم والتلفزيون والانترنت، وخروج المرأة للعمل ظلم الأبناء وبقاؤها حتى السادسة خارج المنزل أفقدها الكثير من رسالتها تجاه المنزل، وهذا يقودنا إلى وجوب تحقيق رؤية للمتغيرات التي صاحبت الأسرة اليوم، والعكوف على دراستها.