أكد الدكتور حمدان مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أن الإمارات تعد نموذجاً رائداً في تطبيق الفهم الصحيح للإسلام من خلال ترجمة وتجسيد قيمه ومبادئه وأحكامه على أرض الواقع وفي حياة الناس لا فرق بين أحدهم بسبب الجنس أو اللون أو العقيدة .

ودعا إلى استمرار الحوار مع الآخر لأنه منهج رباني مارسه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة ونتائجه أفضل كثيراً من تجميده . . مشيراً إلى أن الذين يحرّكون الحملات العدائية ضد الدين الحنيف يحتاجون منا إلى التسامح والشفقة بدلاً من القسوة والعنف، لأنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام السمح . وفيما يلي نص الحوار الذي أجريناه معه في القاهرة خلال مشاركته في المؤتمر الإسلامي العالمي:

كيف ترى واقع العالم الإسلامي اليوم؟

نحن نعيش في زمن يحتاج فيه العالم أجمع سواء من المسلمين أو غير المسلمين إلى فهم الإسلام فهماً حقيقياً في وقت نشاهد ونرى ونسمع ما يحدث في كثير من البلدان من تصرفات تنسب للإسلام وهو منها براء، وقد شوّهت صورة الدين الحنيف تشويهاً كبيراً سواء كان هذا بقصد أو من غير قصد، فهذا هو الزمن الذي نعيشه وهو بحاجة حقيقية وماسة لأن نوضح فيه مقاصد الشريعة الإسلامية .

إن شريعتنا صالحة لكل زمان ومكان وبالتالي فإن هذه الشريعة تتجدد مع تجدد الزمان والمكان والظروف والأحوال، كما أنه لابد من وجود علماء لفهم هذه الشريعة بحيث ينظرون في الواقع الذي يعيشون فيه حتى يخرجوا إلى الناس بأحكام شرعية تناسب ما يعيشونه على جميع المستويات .

نموذج رائد

وما دور الإمارات في هذا الإطار؟

إن الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، ونائبه، رعاه الله، وحكام الدولة وولي عهده الأمين، تعد نموذجاً رائداً في تطبيق الفهم الصحيح للإسلام ونسير على النهج الذي أرساه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان طيّب الله ثراه، فالفهم الحقيقي للإسلام نتج عنه أن وُجد في الإمارات العديد من الجنسيات المختلفة وأصحاب الديانات المختلفة ونجد ازدهاراً اقتصادياً وتماسكاً اجتماعياً، وكل هذا نتيجة لما أسسه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد من ترابط وتماسك بين أفراد المجتمع مع اختلاف الجنسيات، حيث إن الدولة كانت ولا تزال بحاجة إلى الخبرات المختلفة، فوجود مناخ يفهم الإسلام فهماً حقيقياً يُتيح لهؤلاء الناس بيئة التعايش ويُظهر الإمارات منذ ذلك الزمان إلى أيامنا هذه بأنها دولة متمسكة بتعاليم الإسلام ويبرز فيها التسامح الديني بشكل واضح وهذا بشهادة المنصفين ومراكز البحث ومن يعرف حقيقة هذه البلاد الطيبة، ونحمد الله سبحانه وتعالى على ما وُفّقنا له، ونحن بدورنا في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف نقوم بهذا الجانب ونساهم من خلال خطب الجمعة والدروس والمحاضرات ومركز الإفتاء الرسمي في ترسيخ فهم مقاصد الشريعة وربطها بقضايا العصر، من خلال استقطاب العلماء الذين لهم اطلاع واسع في الشريعة الإسلامية ويدركون العصر الذي نعيش فيه ويترجمون هذا الفهم إلى أحكام شرعية تناسب المجتمع وتسهم في تطويره إلى ما هو أفضل بإذن الله تعالى .

رحمة للعالمين

هذا فيما يتعلق بالجهود الإماراتية في الداخل، فماذا عن جهودكم الإسلامية والإنسانية في الخارج؟

طبعاً للإجابة عن هذا السؤال فإنني بحاجة إلى رصد دقيق حتى أكون دقيقاً في الإجابة، لكن أولاً دعني أقل بأن من علامات فهم الإسلام فهماً حقيقياً أن نفهم أنه جاء رحمة للعالمين أي أنه لا يقتصر على فئة معينة، بل إنه جاء لكل من يعيش على وجه هذه الأرض وبالتأمل في سيرة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد طيب الله ثراه، نجد أنه قد مد يد الخير والعون لكل الناس على اختلاف جنسياتهم وعقائدهم وألوانهم، ولم يكن في يوم من الأيام ينظر إلى مسألة الدين أو الجنس واللون والشكل، بل كان ينظر إلى المصلحة والحاجة الحقيقية للإنسان نفسه باعتباره إنساناً، وهناك شواهد كثيرة تدل على ذلك، وبما أننا نتحدث عن آخر المستجدات فهو ما حدث في هاييتي على سبيل المثال فنجد أن الإمارات أرسلت قوافل مختلفة ومتنوعة، وقدمت مساهمات مالية وعينية وأرسلت فرقاً طبية، وكان ما قدمته الإمارات مثار الإعجاب والثناء من أبناء تلك الدولة التي استقبلت هذه الوفود بالترحاب، حيث كانت الإمارات من الدول الأولى التي قدمت يد العون لهذا البلد المنكوب دون النظر إلى الدين أو الجنس أو اللون .

لا شك أن هذا الجهد للإمارات يوازيه خط آخر في دعم وتعضيد العمل الدعوي ونشر الإسلام السمح . . فهل تلقي الضوء على هذا الجانب؟

نحن من خلال الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف قمنا بإنشاء موقع دعوى على الإنترنت ورغم أن بدايته كانت متواضعة لكنها جيدة وبشهادة بعض مواقع الرصد العالمية وقد تجاوز عدد من يدخل عليه ويطالع ما فيه الآلاف من جنسيات ودول ولغات مختلفة وهو يتضمن قضايا عديدة توضح صورة الإسلام وربما من أبرزها مجلة منار الإسلام الشهرية التي تصدر بشكل مطبوع، وأيضاً على الموقع الإلكتروني . وإجاباتنا عن أسئلة هؤلاء الناس تعطي الصورة الحقيقية لفهم الإسلام فهماً صحيحاً، بالإضافة إلى أن هناك وفوداً متبادلة مع دول عربية وغير عربية ومشاركات في مؤتمرات حوار الأديان وبعض الزيارات الرسمية للمؤسسات والجامعات، وكل ذلك يساهم في توضيح صورة عن الإسلام بشكل جيد، بالإضافة إلى استقبال عدد كبير من الوفود التي تزور الإمارات وتطلع على تجربتها في هذا الجانب .

الحوار مع الآخر

وهل ترى أن مسألة الحوار مع الآخر لا تزال مجدية رغم ما يتعرض له الإسلام من حملات إساءة واعتداء؟

من وجهة نظري أنه لا شك بجدوى وأهمية استمرار الحوار حتى تُظهر وتُسمع صوتك للآخرين، وهذا منهج رباني حثنا الله تبارك وتعالى عليه ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إذن أمر المجادلة والمناقشة والحوار موجود في الشريعة وقد ضرب لنا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم القدوة في ذلك حيث كان يجتمع معهم ويتحاور ويتناقش وقد رُوي أنه، صلى الله عليه وسلم، استقبلهم في مسجده، وهذا يعطينا الدافع للمناقشة والتحاور، ونحن خاصة في هذه الأيام نجد أن غير المسلمين يمتلكون من وسائل الإعلام والإقناع الشيء الكثير، وعلينا أن نستغل ذلك لإيصال أصواتنا إلى وسائل الإعلام غير الإسلامية بحيث نبين المفاهيم الحقيقية للإسلام الذي لا يحتاج للكثير من الكلام بقدر احتياجه للكثير من الفعل وهؤلاء يتأثرون من شخص الإنسان إذا رأوا فيه تمثُلاً للإسلام في سلوكه وأخلاقه ومعاملاته، وأذكر في هذا المجال أننا كنا في إحدى الزيارات لبلد غير إسلامي مع وفد، فكان وجودنا كمسلمين بينهم والجلوس معهم بحد ذاته مثار نقاش وإعجاب، وكثير منهم أخبرونا أنهم لا يعرفون عن الإسلام إلا بعض المعلومات القليلة فبدأوا يسألوننا سواء في الحوارات العامة والمناقشات أو اللقاءات الخاصة والجانبية، عن الإسلام والعلاقات الزوجية وتربية الأبناء وعلاقات الجيران وأسئلة تفصيلية، فلمسنا حقيقة أن هناك استقبالاً طيباً وتشوقاً لمعرفة حقيقة الإسلام، لذا فإنني أعتقد أن الحوار ضروري ومجد بشكل كبير جداً .

الأفكار المتشددة

يتعرض العالم الإسلامي المعاصر لتيارات من الأفكار المتشددة والمتطرفة البعيدة عن الفهم الحقيقي للإسلام . . فما هي جهود الهيئة الإسلامية لمواجهة تلك الأفكار وتفنيدها؟

أولاً نحن نتفق على أن غياب صوت الحق سيُعلي من صوت الباطل والله تعالى يقول: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وعلينا أن نركز أولاً على وسائل تثقيف المسلم في هذا المجتمع ومن أهم تلك الوسائل المسجد، فلابد أن تكون هناك عناية بمن يتولى إمامة المساجد والخطابة فيها، وهذا هو الدور الأول للشؤون الإسلامية، ولا شك أن محاربة الفكر غير الصحيح بحاجة إلى تضافر جهود كثيرة بجانب جهود الشؤون الإسلامية، وإذا أردنا التحدث بشكل عام فنقول: إن وسائل الإعلام لا شك عليها دور كبير، ونعرف أن كثيراً من الناس قد يأتي إلى المسجد وقد لا يأتي، وقد يأتي إلى صلاة الجمعة متأخراً وقد لا يستمع إلى المحاضرات ولكن وسائل الإعلام أكثر مشاهدة، أيضاً هناك دور على وزارة التربية والتعليم، حيث إن المناهج توجه الإنسان في هذا الاتجاه أو ذاك، وإذا تكلمنا من زاوية التخصص في الشؤون الإسلامية والأوقاف نقول إن دورنا هو ضبط الخطاب الإسلامي سواء عن طريق خطب الجمعة أو المحاضرات، وتوجيه الخطاب الإسلامي يكون من خلال لجان مختلفة ووضع برنامج للوعاظ وللأئمة والخطباء يتسق مع الفهم الصحيح للإسلام إن الجهود يجب أن تتضافر لنشر المفاهيم الصحيحة للإسلام، وأن نخوض في هذه المسألة ونتحدث عن الواقع الذي تعيشه الأسر من التفكك الناتج عن التقصير في فهم الإسلام بشكل صحيح، وأيضاً إذا نظرنا إلى الفقر وتأثيره في هذا الجانب وإذا نظرنا إلى البطالة وانعكاساتها، وجدنا أن هناك عوامل كثيرة متشاركة ومتشابكة في وصول الإنسان إلى الفهم الخاطئ للإسلام .

رغم الدعوات الإسلامية للتحاور مع الغرب نجد حملات اساءة الغرب تشتد ضد الإسلام . . فما تفسيركم لمثل هذه المواقف المتعنتة؟

أجد أن الحوار قد أدى إلى نتائج إيجابية كثيرة وأعتقد أن البعض في الغرب بدأ يتحسس من هذه النتائج ولذا لجأ إلى خطوات استفزازية ضد الإسلام على أمل أن يصدر من المسلمين تصرف سلبي كردة فعل على هذه التصرفات، ومن يتصرف بحماقة يجب أن نكون أذكى منه ولا نتصرف بغضب وبأسلوب يُسيء إلينا، ويجب على المسلمين الآن بل ودائماً أن يتأملوا في أي قضية تثير الخلاف والتوتر، فلا تكون ردة فعلهم خاطئة، لأن من يثير هذه الصراعات هدفه أن يبدر منك كمسلم تصرف غير سليم فيسلط عليه الضوء ويضخم هذا الأمر في وسائل الإعلام .

وعلى سبيل المثال قد يقولون: نحن نطرح هذه القضية من باب أنها حرية شخصية، ثم يأتي دورنا كمسلمين، حيث يجب علينا أن ندافع لا نقاش في هذا ولكن علينا أن نعرف كيف ندافع؟ هل يكون هذا بالسب أو بالشتم أو بالضرب أو بالقتل؟ والجواب بالطبع: لا، فنبينا صلى الله عليه وسلم أوذي أشد الإيذاء وضُرب وشُتم وقُتل أصحابه وأُخذت أموالهم ولكنه عند الظفر بمن فعل بهم هذا قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، لو أردنا أن نعيش كما يريدنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعلينا أن ندرك أن من يسيؤون فهم الإسلام من الغربيين يحتاجون منا إلى الشفقة وليس إلى القسوة، وأنا أذكر على سبيل المثال أنه زار الإمارات وفد من الدنمارك بعد نشر الرسوم المسيئة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد وجدوا استقبالاً طيباً، وتم وضع برنامج للحوار والنقاش والقيام بواجب الضيافة والإكرام كما أمرنا الشرع وفي آخر يوم لهذه المجموعة كانوا يتحدثون والدموع في عيونهم لأنهم كانوا يتوقعون أن يجدوا من يشتمهم وقالوا: كنا نتوقع أن نجد من يمد يده علينا لأننا قادمون من الدنمارك . وقد أكدنا لهم أنه بالرغم من الاساءات إلى ديننا في بلادهم إلا أننا نعلم أن هذا لا يمثلهم وأنهم أناس عقلاء وراشدون ونحن نشكر من آزرنا . فما كان منهم إلا أن تعجبوا وتساءلوا عن هذه العظمة التي يتميز بها الإسلام والمسلمون . وهذه هي أهمية الحوار والمعاملة بالحسنى .

دائماً ما تثار قضية حقوق الإنسان من قبل الغرب للتطاول على المجتمعات الإسلامية وطعن الإسلام الذي كان له السبق في ترسيخ مفاهيم هذه الحقوق . . والإمارات تقدم نموذجاً رائداً لتأصيل مبادئ حقوق الإنسان . .هل لك أن تقدم لنا صورة عن هذا النموذج؟

عندما نتأمل حقوق الإنسان التي نصت عليها القوانين الدولية كحق الإنسان في الحياة وتقرير المصير والتعبد والإقامة نجد أن الإسلام ذكرها صريحة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، فالإسلام هو أول وأكبر من دعا لحقوق الإنسان وإذا نظرنا إلى واقع المكان الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن القوي كان يقتل الضعيف، والكبير يأخذ مال الصغير، وأبسط حقوق المرأة الذي لا يختلف عليه اثنان وهو حق الحياة كان مسلوباً منها، وكذا حقها في الميراث، وفي ظل هذا الواقع يخرج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيجعل للمرأة شأناً ويجعل للكبير شأناً ويجعل للصغير شأناً ويجعل للفقير شأناً ويجعل للعبيد شأناً ويحررهم، أي أن الإسلام جاء لإظهار حقوق الإنسان، وفي الإمارات توجد ترجمة حقيقية لحقوق الإنسان، كحقه في ممارسة شعائره الدينية من خلال دور العبادة، وهذا ظاهر في الإمارات التي دائماً ما تؤكد على هذا الجانب، كما تبذل جهود كبيرة من قبل لجان مختلفة وجهات حكومية كبيرة لحفظ حقوق العمال وتوفير الحياة الكريمة لهم ولكل من يفد إلى الإمارات .

إن بلدنا منفتح اقتصادياً، ويشهد تطوراً اقتصادياً وعمرانياً استحوذ على إعجاب العالم، وفيه أيضاً استثمارات كبيرة لشركات أجنبية، وهذا كله يؤكد أن الحقوق محفوظة، وأن الناس تشعر بالأمن والأمان فيه، وإلى جانب الأمن المستتب هناك قضاء قوي، والأهم من كل ذلك أن شعب الإمارات مترابط مع قيادته ومتماسك من خلال الاتحاد .