أكد الدكتور رشاد أحمد عبد اللطيف أستاذ تنظيم المجتمع، العميد الأسبق لكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان المصرية أن الأسرة العربية افتقدت الحميمية وأصبحت في خطر كبير بسبب وسائل التكنولوجيا الحديثة، وقال: إن العنوسة ظاهرة اجتماعية خطرة وقنبلة موقوتة في المجتمعات العربية، وأن تعدد الزوجات بات أحد الحلول المهمة التي يفرضها الواقع، موضحاً أن غياب الوازع الديني قاسم مشترك في جميع المشكلات الاجتماعية، وأن العودة إلى دين الله ضرورة لإصلاح أحوالنا الاجتماعية، وأشار إلى أن الحركات التحررية التي يشهدها العالم العربي ستحدث تغييراً في الأحوال الاجتماعية وفي ما يلي الحوار:

ونحن نتحدث عن العلاقات الاجتماعية في العالم العربي نبدأ أولا بالأسرة باعتبارها اللبنة وأساس المجتمع وقد تغيرت فهل ترون أنها أصبحت في خطر؟

نعم الأسرة العربية في خطر، لأن كمية المدخلات عليها أكثر من التماسك والقيم المحافظة داخل كل أسرة، حيث دخلت الأسرة متغيرات مهمة جدا في مقدمتها الكمبيوتر والإنترنت، فدخلت غرف الدردشة الشات والمواقع الاجتماعية مثل فيس بوك وتويتر وغيرها، كل هذا أثر بالسلب عليها وعلى علاقة أفرادها وخرجت أسرار الأسرة خارج البيت لأفراد مجهولين، وكذلك ظهور الهاتف المحمول الذي صعّب وبشكل كبير مراقبة الأبناء ومتابعتهم وعلاقاتهم بالآخرين، وعندما كان الهاتف المنزلي فقط كنا نستطيع مراقبة الأبناء ونستطيع أن نعرف ما يقال، لكن بعد ظهور الموبايل لا نستطيع أن نفعل هذا، وخرج الكثير من الأسرار حتى بين الأزواج، وأصبح بعض ما كان عيباً لم يعد عيباً، بعد أن استخدم الكثيرون إن لم يكن الجميع الموبايل وأصبح مصدرا من مصادر الثقافة، ولذلك حدث بالفعل تغيير في الأسرة العربية في غياب الوازع الديني وهذا التغيير للأسف إلى الأسوأ وليس إلى الأفضل .

في رأيكم كيف يمكن مواجهة هذه الأخطار؟

لا بد من العودة إلى الله والرجوع للدين، فالدين مصدر القيم والأخلاق والفضيلة، وهو لا شك حائط صد لنا ولأبنائنا أمام الشهوات والمفاسد وأمام إغراءات الشيطان، فتعريف الأبناء أمور دينهم وتزويدهم بهذا الزاد الروحي ضرورة لا غنى عنها لأي أسرة حتى تستطيع تربية أبنائها تربية صحيحة، فلا بد من تنشئة اجتماعية ترتكز على مبادئ الإسلام الذي عني كثيراً بالأسرة وتربية الأبناء، باعتبار أن الأسرة هي الأساس لبناء مجتمع قوي متماسك تسوده المودة والرحمة .

عوامل ثلاثة

لماذا تزايد العنف في الآونة الأخيرة . . وكيف يمكن مواجهة هذا الخطر؟

تزايد العنف في السنوات الأخيرة يعزى إلى عوامل ثلاثة: العامل الأول هو أن هناك عنفاً ينقل من خلال وسائل الإعلام، فالإعلام يعطي صورة مجسدة للعنف من خلال الأفلام والمسلسلات ولا يقدم حلولاً لمعالجة المشكلة، والعامل الثاني يتمثل في زيادة القهر في المجتمع وعدم وجود وسائل ترفيهية قريبة وسريعة تساعد الإنسان على أن يخرج من الجو المحيط به ويجدد نشاطه، أما العامل الثالث فهو زيادة الخلافات الأسرية، فلا شك أن الخلافات الأسرية زادت معدلاتها وحدتها في الآونة الأخيرة بدءاً من مصروفات المنزل لعدم وجود دخل مناسب للأسرة يكفيها مروراً بعلاقة أفراد الأسرة ببعضهم، خاصة الأب والأم، في ظل عدم وجود من يصلح بين أفراد الأسرة كما كان الحال قديما، فكان هناك من يصلح في حال الخلاف والتباعد كما قال لنا القرآن الكريم فأتوا بحكم من أهله وحكماً من أهلها .

فكل هذا أثر تأثيراً سلبياً ومباشراً في الأسرة وأصبحت الحميمية ضعيفة وتقطعت أواصر الأسرة وافتقدت المودة التي هي الأساس في التعامل بين الزوج والزوجة، كما يوضح لنا المولى سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة .

العنوسة تفاقمت وأصبحت ظاهرة خطرة في مجتمعاتنا الإسلامية، لماذا؟

أولا نسبة الإناث بالنسبة إلى الذكور اقتربت جداً، فأصبحت نسبة الإناث تمثل 9 .49% بعدما كانت 7 .48% أي تتساوى مع الذكور، ومع قصر عمر الرجل مقارنة بعمر المرأة يعني ذلك زيادة أعداد الإناث عن الذكور في المستقبل، والعنوسة التي أصبحت بالفعل ظاهرة في عالمنا العربي لها أسباب عديدة منها ثقافة الإباحية التي بدأت تنتشر بين الشباب، فجعلته لا يفكر في الزواج أو يؤجله ويؤخره، واتجاه البعض للزواج العرفي باعتباره لن يكلف الشاب أو الفتاة مادياً، وكذلك المغالاة في المهور وارتفاع تكاليف الزواج، بعد أن أصبحت الكماليات ضرورات لا بد من توافرها قبل الزواج، وأصبح التركيز في الاختيار على الشكل والجمال والوظيفة المرموقة وغيرها من المقاييس المادية، ونسينا أو تناسينا تعاليم ديننا في ذلك للشباب وما حثنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: فاظفر بذات الدين تربت يداك، ولأهل الفتاة قوله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، فابتعد الشباب عن تعاليم الإسلام في الاختيار وكذلك أهل الفتيات, ولا شك أن لهذه الظاهرة أخطارا جمة على العانس وعلى المجتمع بأسره .

وهناك من يصاب بانحراف فيشبع غريزته عن طريق غير الحلال الذي شرعه الله تعالى فيقع في الحرام، وهي مشكلة يترتب عليها الكثير من المشكلات الاجتماعية على المدى البعيد، كما تزيد حالة التفسخ الاجتماعي بين أفراد المجتمع، لذلك فالعنوسة هي بالفعل قنبلة موقوتة يجب مواجهتها ووضع الحلول العاجلة والسريعة لها .

والحلول التي يمكن أن نواجه بها هذا الخطر الكبير، أولاً يقوم أغنياء المجتمع بكفالة فقرائهم بأن يكون الفقير في كفالة الغني، فعلى الغنى الذي يذهب لأداء الحج والعمرة مرات ومرات أن يسهم بتكاليف ذلك في تزويج الشاب الفقير وغير القادر على تكاليف الزواج، ولهم الثواب والأجر الكبير من المولى سبحانه وتعالى فتزويج غير القادرين والمساهمة في حل مشكلة العنوسة أولى من تكرار الحج والعمرة،كما أنه على الحكومة أن تقوم ببناء مساكن للشباب بأسعار مخفضة يشاركها في ذلك رجال الأعمال، حتى يستطيع المقبل على الزواج الحصول على مسكن، وأيضا توفير فرص العمل خاصة في القطاع الخاص، مع نشر الوعي بين المواطنين وتعريفهم بخطورة هذه المشكلة ليسهم كل منهم بدوره في التيسير وعدم المغالاة في أمور الزواج، كما أمرنا الإسلام، وكذلك إنشاء ما يعرف باسم بيت العائلة ليسهم بدور فعّال في حل المشكلة .

ماذا تقصدون ببيت العائلة، وكيف يسهم في حل المشكلة؟

بيت العائلة فكرة راودتني منذ فترة، وأتمنى تطبيقها، وهي عبارة عن مركز اجتماعي يتبع جمعية أو جمعيات خيرية ينتشر في جميع المناطق والأحياء، يستقبل حالات العنوسة ويتعرف إلى ظروف كل حالة منها ويحاول التوفيق بين هذه الحالات من خلال مجموعة مدربة من الإخصائيين الاجتماعيين، فيحقق التعارف، ويسهم ويساعد في اختيار شريك الحياة، فهناك من يبحثون عن زوجة وأصبح الاختيار مشكلة بالنسبة لهم خاصة في ظل التباعد الاجتماعي الذي أصاب الكثيرين، كما يمكن أن يقدم هذا البيت مساعدات مادية للزيجات التي تتم عن طريق أهل الخير والقادرين، ويسهم في الوقت نفسه في حل المشكلات والخلافات الزوجية، فكما قلنا أن الحكم الذي يصلح بين الزوجين لم يعد موجوداً، فإن هذا البيت يقوم بهذا الدور ويسعى من خلال الإخصائيين الاجتماعيين لدراسة المشكلات وتقديم النصائح والحلول والتوسط بين الزوجين، وأعتقد أن مثل هذا المشروع لو تم تطبيقه فإنه سيحقق نتائج إيجابية في حل مشكلتي العنوسة والخلافات الزوجية التي تزايدت في الآونة الأخيرة .

مشكلة متفاقمة

هناك من يرى أن تعدد الزوجات أصبح ضرورة لمواجهة ظاهرة العنوسة التي تعانيها البلدان العربية . . ما رأيكم في ذلك؟

أؤيد هذا الرأي بعد أن تفاقمت مشكلة العنوسة وأصبحت خطراً كبيراً في المجتمعات العربية، وهذا التعدد أباحه الإسلام، وهو يحمي المجتمعات من انتشار الانحراف الأخلاقي والفحشاء، وهناك سيدات يؤيدن هذا الاقتراح وأعتقد أن الكثيرات سوف يؤيدنه لأنه يحل مشكلة اجتماعية خطرة في عالمنا العربي، خاصة أن التعدد لا يتطلب إمكانات وتكاليف الزواج العادية، ولكن يجب أن يكون ميسراً وبسيطاً سواء من الشاب أو من أهل الفتاة، كما أن الجمعيات الخيرية وأهل الخير يجب أن يكون لهم دور في تقديم العون والمساعدة للتشجيع على التعدد، باعتباره طريق الحلال يمنع ويحارب الرذيلة، ويفضل إنشاء بنك للتزويج عامة يسهم فيه الجميع، الحكومة ورجال أعمال والجمعيات الأهلية وكل القادرين، حيث يقوم هذا البنك بتقديم دعم ومساعدة لمن يريد الزواج سواء من الشباب أو من الذين يريدون التعدد كتشجيع وتحفيز لهم على ذلك لحل مشكلة العنوسة .

أنتم ترون أن غياب الوازع الديني كان القاسم المشترك في المشكلات الاجتماعية ومن ثم تكون عودة الناس للدين ضرورة لحل جميع تلك المشكلات الاجتماعية، أليس كذلك؟

لا شك في ذلك، فالبعد عن الدين جلب الكثير من المصائب على الأسرة والمجتمع العربي، وأصبحنا نعاني الكثير من المشكلات الاجتماعية التي أثرت بدورها في النواحي النفسية والاقتصادية والسياسية، ولذلك فإن العودة إلى الدين تعني العودة إلى الأخلاق والقيم والفضيلة والرحمة والتسامح والتيسير وعدم المغالاة في جميع أمور الحياة، وكذلك التعاون والترابط بين أفراد الأسرة وأفراد المجتمع، وإذا نظرنا إلى الأسرة التي تتمسك بدينها وتعرف ربها نجد أنها مترابطة متماسكة تسودها الرحمة والمودة، كما أمرها الإسلام، وهذا لا شك مفتقد عند الأسرة التي بعدت عن دينها، ونحن اليوم بحاجة ماسة لعودة الأسرة والمجتمع إلى دين رب العالمين الذي هو دين للدنيا وللآخرة، فتشريعات الإسلام وتعاليمه صالحة لكل زمان ومكان وقد عالج كافة المشكلات بل هو يحارب الأسباب التي تؤدي إليها ليمنع حدوثها .

أخيراً . . كيف ترون مستقبل العلاقات الاجتماعية في عالمنا العربي في ظل المتغيرات الأخيرة؟

حركة التغيير هبت على العالم العربي وهي سوف تحدث تغييرات كبيرة في عالمنا العربي، ومع تنفس الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية سوف يؤثر ذلك في العلاقات الاجتماعية، ويسهم بشكل فاعل في مواجهة وحل الكثير من المشكلات التي نعانيها، فسيادة العدل وإعطاء كل إنسان حقوقه بعد القيام بواجباته وتطبيق ذلك على الجميع سوف يقضي على حالة الكبت والقهر التي يعانيها الكثيرون في العالم العربي، لذلك نحن نستبشر خيراً بالمستقبل في مجتمعاتنا العربية .