أبوظبي: رند حوشان
تعلم الحكمة والحنكة من نعومة أظافره، حتى اشتد ساعده من والده الذي كان قدوته ومثله الأعلى في العلم والمسؤولية، وساعده على الوصول إلى أهدافه وطموحاته من خلال الصبر والإصرار، هو من الأشخاص الذين كافحوا، واجتهدوا، وتعلموا منذ الصغر في مدرسة الحياة، التي كانت مدرسته التي لا يزال يستقي منها كل ما هو جديد ومفيد لخدمة أرض الوطن، الوطن الذي رسخ له الإمكانات كافة، ليكمل تعليمه وحصوله على أعلى الدرجات العلمية في الطب، وتحديداً في جراحة العظام في كندا، ليعود إلى أرض الوطن لخدمة أبنائه، وتقديم يد المساعدة والعون للمرضى، إنه الدكتور علي سعيد السويدي، أستاذ واستشاري جراحة العظام في أبوظبي، مدير تخصص العظام في شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة» سابقاً، والمدير الفني لمستشفى المفرق سابقاً.
وحقق الدكتور السويدي خلال مسيرته الحياتية والعملية والعلمية العديد من الإنجازات؛ ومنها حصوله على شهادات زمالة في تخصصات متنوعة من أكثر من جامعة، وحصوله على درجة الماجستير عام 2011 في مجال الريادة والإدارة الصحية، من جامعة جون هوبكنز الأمريكية، فاختار مجال الطب؛ لأنه من المهن الإنسانية العظيمة، ولندرة توفر أطباء مواطنين في مختلف التخصصات الطبية في ذلك الوقت، حسب وجهة نظره، وتالياً نص الحوار:
* كيف كانت طفولتك ونشأتك؟
ــ نشأت بين عائلة بسيطة تتألف من 9 أشخاص: أبي، وأمي، و5 شباب، وبنتان، وأعتبر أن طفولتي كانت جيدة وجميلة، فأنا أنتمي إلى عائلة يسودها الحب والتفاهم بقيادة أب حرص على تعليم أبنائه العمل الجاد والشاق؛ لتحقيق أهدافهم، حيث إنني تعلمت الكثير من الأمور من والدي، ومنها: العمل، والكفاح، وتحمل المسؤولية؛ للوصول إلى الحياة التي يحظى من خلالها أفراد العائلة على الرخاء، والاستقرار، والعيش الجيد.
أبي وأمي لم تسمح لهما الفرصة للدخول إلى المدارس والتعلم، وبالرغم من ذلك، فإن والدي كان يعمل جاهداً على زرع حب الدراسة في نفوسنا، وافتقاده للتعليم دفع بنا إلى أن نجتهد ونحرص على بذل المزيد من الجهد في الدراسة، كما أنه كان يتابعنا متابعة حثيثة، ويجتمع بمدرسينا؛ حتى يتعرف إلى أخبارنا ونتائجنا في الدراسة، فهو كان شديداً من ناحية حثنا على بذل مجهود أكبر في الدراسة، للحصول على أفضل ما يمكن من العلم، والمعرفة، والخبرة.
*أين تلقيت تعليمك المدرسي؟
- تلقيت تعليمي في مدارس حكومية ونظامية في إمارة رأس الخيمة؛ فالمرحلة الابتدائية كانت في مدرسة المعيريض، والمرحلة الإعدادية في مدرسة شَمل، أما المرحلة الثانوية فكانت في مدرسة سعيد بن الجبير والتي تخرجت فيها عام 1983م، حيث إنني أعطي الفضل الكبير في اجتهادي للمدرسين، الذين قدّروا في ذلك الوقت اهتمامي بالدراسة؛ لذا شجعوا تفوقي، منذ كنت طفلاً صغيراً، ومنحوني دعماً للاستمرار به، من خلال إعطائي دروساً إضافية، وبذل جهد كبير معي خاصةً، وأخص بالذكر منهم؛ المعلم القدير علي العلوي، مدرس مادة الرياضيات، والمعلم علي رمضان، مدرس مادة الكيمياء، والمعلم رياض، مدرس اللغة الإنجليزية، فهم الذين لاحظوا مدى حبي وشغفي بالدراسة، وتميزي بها، وقاموا بتشجيعي على الدخول في المجال العلمي في المرحلة الثانوية.
وكانت المرحلة الثانوية من المراحل الممتعة في حياتي؛ حيث إنني أنشأت فيها صداقات عدة مازالت تعيش حتى يومنا هذا، كما أعتبر أن آخر سنة في تلك المرحلة عام 1983م، من أفضل السنوات خلال مراحل دراستي في المدرسة؛ لأنني بذلت المزيد من الجهد في التحضير لامتحانات الثانوية العامة النهائية، وحصلت حينها على معدل 94.6%، ويعتبر من أفضل المعدلات في تلك الفترة، وأدركت أن جهدي وتعبي لم يذهبا هباءً، وأثمرا نجاحاً وتفوقاً كبيرين، ما أهلني لدخول مجال الطب.
* هل لديك أي تواصل مع أصدقاء المدرسة والطفولة؟
ــ لدي تواصل مع بعض أصدقاء الطفولة والمدرسة، ولدينا لقاءات واتصالات مستمرة مع بعضنا، ومنهم؛ علي أحمد المنصوري والدكتور سعيد ثاني، وأحتفظ معهم بصداقة قوية ومثمرة حتى الآن.
* أين أكملت دراستك الجامعية؟ وما الشهادات التي حصلت عليها؟
ــ حصلت على بعثة دراسية لاستكمال دراستي خارج دولة الإمارات، بعد قراري، بتشجيع من الأهل والأصدقاء على دخول مجال الطب، وقررت الدراسة في «الكلية الملكية للجراحين» في جامعة دبلن آيرلندا، وكانت فترة صعبة في بدايتها، حيث إنني لم يسبق لي أن تركت بلدي وسافرت إلى الخارج، إلّا خلال الرحلات القصيرة مع الأهل أو الأصدقاء، فإن التأقلم في مجتمع غربي مع وجود صعوبة في التحدث باللغة الإنجليزية احتاج مني إلى الكثير من الجهد، والصبر، والمثابرة، للتعلم خلال السنة الأولى من الجامعة، كما حصلت خلال تلك السنة على معادلة الشهادة الثانوية، واجتزت امتحانات القبول في الكلية التي دخلتها في سنة 1985م، وتخرجت فيها في سنة 1991م.
وبعد ذلك قضيت 5 سنوات تدريب في مجال الجراحة العامة، وحصلت منها على شهادة الزمالة في الجراحة العامة عام 1996، وفي السنة ذاتها عدت إلى دولة الإمارات وعملت اختصاصي جراحة لمدة سنتين، حيث قررت من خلال ممارستي تخصص العظام، أن أكمل دراستي فيه وأحصل على شهادة الزمالة في تخصص جراحة العظام من «جامعة تورنتو» في كندا، ومن ثم تخصصت في مجال الإصابات الرياضية وجراحة الكتف.
* هل يمكنك إعطاؤنا نبذة عن أسرتك وأولادك؟
ــ لدي 6 أبناء؛ 3 أولاد و3 بنات، يبلغ عمر أكبرهم 20 سنة، وأصغرهم 4 سنوات.
* كيف تنظر إلى دور المرأة والنجاحات التي حققتها؟
ــ أجد دور المرأة مهماً وفعالاً في الدولة، خاصة في المجال الطبي والتعليمي، والمرأة تقوم بدور فعَّال في مختلف قطاعات العمل، إلى جانب دورها كأم، ونتيجة الدعم اللامحدود الذي تحظى به في الدولة، استطاعت أن تتبوّأ أعلى المناصب، وأصبحت وزيرة ورئيسة للمجلس الوطني الاتحادي، إلى جانب مشاركتها الفعَّالة في القوات المسلحة، وأصبحت تقود طائرات مقاتلة، وهذا كله فخر لأبناء الوطن، ولا ننسى دورها الأكبر والأهم في تربية الأبناء، وحرصها على تعليمهم وإكسابهم المعرفة والخبرة الصحيحة، حتى يكونوا أبناء هذا المجتمع العظيم.
*هل أنت من محبي السفر والسياحة؟ وما البلدان التي سافرت إليها؟ وما أكثر البلدان التي أعجبتك وتود السفر إليها من جديد؟
ــ أنا من محبي السفر، لقد سافرت إلى عدة دول، ومعظم البلدان الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، و«كيب تاون» في جنوب إفريقيا، فهي من أجمل المدن، وخاصة خلال فصل الصيف، حيث يكون الطقس بارداً فيها، على عكس الدول الأوروبية، التي تكون حارة في هذا الوقت.
* مَن مِن أفراد عائلتك كان له الأثر الأكبر في حياتك؟
ــ والدي؛ فهو الذي منحني الكثير من ناحية مثابرته، وكفاحه، وحبه للعمل، وأعتقد أنه حقق الكثير، على الرغم من أنه لم ينل فرصة التعليم والدخول إلى المدارس والجامعات، وهو دائماً مثلي الأعلى في الكفاح، والعمل، والحكمة.
* ما الأهداف التي تطمح لتحقيقها على صعيد هذا الاختصاص؟
ــ أطمح في إنشاء مركز متخصص في العظام، يكون مجهزاً بالتقنيات الحديثة كافة، وبكل الموارد البشرية التي نحتاجها؛ لإعطاء المرضى خدمة متكاملة ومتميزة، ترتقي إلى أفضل مستوى على الصعيد العالمي.

إنجازات لافتة

حول مسيرة الدولة، والإنجازات التي تحققت، يقول د.علي السويدي: الإمارات أعز دولة على قلبي، فهي وطني، ونجاحها يعتمد على نجاح أبنائها، لقد بذلت الإمارات الكثير لإعطاء الفرص لأبنائها، حتى يكتسبوا من العلم والخبرة من خلال الدعم المادي، والإداري، حتى للأبناء والطلبة الذين يعيشون في الغربة، فإنه وخلال فترة تدريبي في آيرلندا وفي كندا كان هناك دائماً تواصل مع سفارة دولة الإمارات والملحق الثقافي، وسفير الدولة، الذي كان يتقصى أخبارنا، ويبذل كل ما بوسعه حتى نأتي بالغاية المطلوبة، وبالشهادة التي ستنفع وطننا. والحمد لله الدولة حققت إنجازات كبيرة في شتى المجالات، بفضل دعم ومتابعة وتوجيهات القيادة الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، وحرصهم على أبناء وبنات الدولة، والمقيمين .
وعند الحديث عن الخدمات الصحية، حيث أعمل في هذا القطاع المهم، نجد أن الإمارات استطاعت أن تتبوأ مكانة متقدمة عالمياً ونجحت في استقطاب أكبر المراكز الطبية العالمية، لإدارة وتشغيل المستشفيات في الدولة، الأمر الذي أسهم مع جهود مختلف القطاعات الصحية، في تحقيق نقلة نوعية في الخدمات الصحية.

نجاحات عديدة

يقول د.علي السويدي: في مجال الصحة والعلم، حققت الكثير من الإنجازات خلال فترة قصيرة، ومنها: حصولي على شهادة الزمالة من عدة دول، فهو أعظم إنجاز، وحصولي على درجة الماجستير في الريادة والإدارة الصحية من جامعة جون هوبكنز الأمريكية عام 2011، وعملت كمدير طبي في مستشفى المفرق، وكنت المدير الفني لتخصص العظام في شركة صحة للخدمات الصحية «صحة»، لمدة 3 سنوات.
وحول اختياره دراسة الطب يقول: في ذلك الوقت وخلال اختياري لتخصص الطب، كان هناك نقص شديد في عدد الأطباء في الدولة، وخصوصاً المواطنين، فكان نادراً أن نجد من المواطنين طبيباً، إلى جانب التشجيع الكبير الذي أعطاني إياه والدي، والأهل والأصدقاء كافة، فهو من المجالات التي تعتبر من المهن الإنسانية، والأمر الآخر، فقد حرصت على التخصص في جراحة العظام، وتحديداً جراحة الكتف؛ نظراً لأن هذا التخصص الدقيق، لم يكن يعمل في مجاله أطباء مواطنون، وكثير من الحالات التي تحتاج لجراحات في هذا المجال، كانت ترسل للعلاج في الخارج في السابق.
ودراسة الطب شاقة وطويلة، ولكن في النهاية يكون لها مردود عظيم، خاصة على المجتمع، فإن الطبيب الناجح والواثق من تخصصه، وخبرته، وعلمه، سيكون له دور كبير في الرعاية الصحية المقدمة في الدولة، ويعمل على تخفيف معاناة المرضى، ويوفر لهم العلاج الأمثل.