من أكبر النعم على الإنسان أن يعيش مطمئن القلب راضي النفس، والطريق إلى تحقيق هذا الهدف هو حسن علاقته بالآخرين، والحفاظ على مشاعرهم واحترام خصوصياتهم، وعدم التلصص عليهم، وتجنب البحث عن مساوئهم وتجاوزاتهم.

والإسلام وهو دين الترابط والتعاطف والتواد والتحاب حريص كل الحرص على إقرار كل ما يؤدي إلى تقوية العلاقة بين كل أفراد المجتمع، وأول خطوة يقرها الإسلام ويحث عليها في هذا الطريق هي الحث على التزاور والتلاقي وتبادل التحيات والهدايا والتهاني، وبخاصة في الأعياد ومواسم الخير وسائر المناسبات الطيبة.

جاء في الحديث الصحيح أن رجلا زار أخا له في قرية فأرصد الله تعالى على مدرجته أي طريقه ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه نعمة تربها، (أي ترعها)؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد احبك كما أحببته، وجاء في حديث آخر أن الله تعالى يقول: وجبت محبتي للمتحابين في، وللمتجالسين في، وللمتزاورين في.

ورغم حرص الإسلام على دفع الناس إلى التزاور من اجل تقوية العلاقات بينهم، فقد وضع لهذه الزيارات آداباً وأخلاقيات حرصاً على مشاعر الناس وتقوية للعلاقات بينهم، وتربية لأذواقهم، فالله سبحانه وتعالى - كما اخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم - كتب الإحسان على كل شيء.

أدب الاستئذان

ومن ابرز مظاهر حرص الإسلام على تنمية الذوق العام بين كل أتباعه إقراره لمجموعة من الآداب يجب أن يلتزم بها كل زائر لأخيه قريبا كان أو من غير الأقارب حتى لا تأتي هذه الزيارات بنتائج عكسية وتؤثر سلبا على المشاعر.

يقول الحق سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم.

هذه الآيات الكريمة توضح كما يقول الداعية الدكتور مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر كيف يبدأ المسلم زيارته لأسر الآخرين، وتضع جملة من الآداب والسلوكيات الراقية التي تصون الأعراض، وتهذب النفوس، وتحفظ للبيوت أسرارها، والتي يجب أن نربي أطفالنا عليها.

فالمطلوب شرعا من الزائر أن يستأنس أولا من أهل البيت بمعنى أن يطلب الأنس والأمان لنفسه وللمزورين فلا يوغر صدورهم بمفاجأتهم ولا يضع نفسه موضع التهمة ويكون الاستئناس بأن يستأذن ثلاث مرات بقرع الباب أو بالنداء عليهم أو ما شابه ذلك، الأولى لإعلامهم أن بالباب طارقاً، والثانية ليتهيأوا والثالثة ليفتحوا، ويراعي التباعد بين هذه المرات الثلاث لإفساح المجال لأهل البيت، وينبغي أن تكون بحيث يسمعونها، ولا يزاد عليها إلا إذا غلب على الظن أنهم لم يتمكنوا من السماع.

ومن الآداب ومظاهر الذوق التي ألزم بها الإسلام كل زائر ألا يقف في مواجهة الباب، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره حتى لا تقع عينه على من خلفه مباشرة فإنما الاستئذان من النظر - كما ورد في الحديث - أي خشية فجاءة النظر.

فإذا سئل من الطارق؟ أو من على الباب؟ فليكن الرد بالاسم واضحا أنا فلان ولا يكفي هنا كما يحدث غالبا - قوله أنا فقد جاء في الحديث الصحيح أن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا؟ قلت: أنا، فقال: أنا، أنا كأنه كرهها.

سلوك مرفوض

ولا يليق بمن بالباب كما يقول الداعية الدكتور محمد سيد احمد المسير الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر أن يتجسس على أهل البيت فينظر من ثقب الباب إذا لم يرد احد، فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحدفته - أي رميته - بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح.

وبعد أن يستأذن الرجل من أهل البيت يلقي عليهم السلام قائلا: السلام عليكم، فهي تحية الإسلام وشعار المسلمين في الأولى والآخرة، فإن أذن له بالدخول دخل، فإن لم يجد فيها أحدا أو لم يسمح له بالدخول، أو لم يجد صاحب الإذن المعتبر شرعا بأن وجد امرأة لا يصح الخلوة بها، أو وجد طفلا لا يعبر عن أهل البيت فليرجع ولا يحق له الدخول.

وهنا لا ينبغي للزائر أن يسخط على أهل الدار فإن للناس أعذارا وإن للبيوت أسرارا، وخير الناس الذين يلتمسون الأعذار لإخوانهم.

وآداب التزاور في الأماكن العامة تختلف عنها في المساكن الخاصة التي بها أسرار البيوت والأعراض والحرمات، ففي أماكن العمل والأماكن العامة تخف المحاذير وتقل الاحتياطات فهذه الأماكن بطبيعتها معدة لتبادل المنافع، والمقيم فيها متأهب لكل قادم، ولذلك يقول الحق وهو الرحمن الرحيم بعباده: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم أي غير مسكونة سكنا خاصا، ولكن ينبغي أن يكون دخول هذه الأماكن العامة للمنفعة ولقضاء الحاجة وليس للعبث أو مجرد التسلية وتضييع أوقات من يعملون فيها أو يقضون مصالحهم، فضلا عن إرسال النظرات لتتبع عورات الناس، ولذا جاء ختام الآية الكريمة: والله يعلم ما تبدون وما تكتمون.

بين أفراد الأسرة

ومن عظمة الإسلام وحرصه على إقرار الآداب التي تنمي الذوق العام وضع آداب للتعامل بين الآباء والأبناء داخل الأسرة، هذه الآداب تقررها الآية القرآنية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم.

هذه الآية الكريمة كما يقول الدكتور المسير توضح أدب الاستئذان داخل الأسرة المسلمة بين فريقين:

- فريق رب الأسرة وزوجه.

- فريق الأطفال والخدم.

وما جاءت به شريعة الإسلام أدب كريم غفل عنه كثير من الناس لأن طبيعة علاقة الطفل بأبويه وطبيعة علاقة الخادم بمخدومه تقتضي دوام الاتصال وسرعة اللقاء، وهذا ما يمنع إقامة الحواجز في العلاقة بينهما ولكن هناك أوقاتا معينة يخلو فيها المرء بنفسه أو بأهله، وقد يكون في أوضاع لا يليق بأحد أن يطلع عليها، وهذا يحتم التمهل في الدخول.

وجمعا بين النظرتين رخص الله سبحانه للأطفال والخدم بالدخول على كبار الأسرة بغير استئذان إلا في أوقات ثلاثة:

- من قبل صلاة الفجر لأن الناس حينئذ يكونون في فراش النوم.

- وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة أي في وقت القيلولة.

- ومن بعد صلاة العشاء وقت الاستعداد للنوم وارتداء الملابس.

هذه الأوقات الثلاثة ينبغي لرب الأسرة أن يؤدب أطفاله وخدمه على الاستئذان فيها لأن الطفل قد يتطبع في نفسه موقف من مواقف الخلوة فيترك آثارا نفسية، وخلقية سيئة، ولأن الخادم قد يصف عورات مخدومه للأجانب.

وإذا بلغ الأطفال وصاروا رجالاً ونساء تغير الموقف، فبعد أن كانوا يستأذنون في ثلاثة أوقات فقط وجب عليهم الآن أن يستأذنوا في كل الأوقات والأحوال فلا يقتحمون خلوة أبيهم أو أمهم إلا بإذن.