يؤكد الدكتور محمد المهدي، رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر، أن غياب القيم الإسلامية وممارسة المسلمين عبادات الإسلام، قولاً لا فعلاً، هو السبب في انتشار الكثير من الأمراض النفسية الناتجة عن الضغوط الحياتية المتصاعدة . مضيفاً في حواره مع الخليج أن علاج كل الضغوط التي يعانيها الإنسان يتلخص في الرضا بالقضاء والقدر، والرضا بما قسمه الله للإنسان . وقال الدكتور المهدي: إن تحول بيوتنا إلى حلبات للصراع بين الأزواج سببه محاولات تقليد الغرب في قوانينهم الجائرة التي يبدو ظاهرهاً النعيم، لكن الحقيقة أن باطنها هو العذاب، لهذا فإن استلهام الزوج والزوجة قيم الإسلام في تعاملهما في ما بينهما هو أهم سبيل لمواجهة جميع الخلافات قبل استفحالها .
بداية كيف ترى الحالة المزاجية السيئة التي يمر بها كثير من المسلمين اليوم؟
- لا بد من أن نعي أن الحالة المزاجية السيئة التي يمر بها الكثيرون اليوم ليس في عالمنا العربي والإسلامي فحسب . بل في العالم كله، وتعود إلى تزايد حدة الضغوط اليومية، بداية من الضغوط في العمل مروراً بالضغوط في المنزل ووصولاً إلى الضغوط السياسية التي تطارد كثيراً من المجتمعات العالمية اليوم، وهناك عدة استراتيجيات للتخلّص من الضغوط اليومية التي تواجهنا في الحياة، أهمها: تجاوز المشكلة وعدم الوقوف عليها من خلال نظرة أكثر اتساعاً، حيث إن النظرة الواعية للأمور تقلل من أثر الضغوط في الأفراد، ومن الضروري أن يعي الفرد هدفه في الحياة، كذلك فإن الحصول على أقساط متتالية من الراحة من العمل يخفف كثيراً من التأثيرات السلبية للضغوط، إضافة إلى أهمية ممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي لا يعتمد على الوجبات السريعة المليئة بالزيوت والشحوم والألوان الصناعية من أهم أساليب مواجهة الضغوط، أضف إلى ذلك الروحانيات من خلال الصلاة والأدعية، فضلاً عن أن حب الآخرين والْتماس الأعذار لهم هو وقاية من الضغوط، حيث إن الضغوط تنشأ من قانون الصراع، والاسترخاء ينشأ عن حب الآخرين .
مفهوم القوامة
لماذا تحولت منازلنا إلى حلبات صراع بين الرجل والمرأة، وكيف يبني الطرفان منزلاً متماسكاً بعيداً عن الخلافات المدمرة؟
- العلاقة بين الزوجين لا ينبغي أن تقوم على القهر والتسلط والاستعلاء كما يفعل كثير من الناس باسم الدين في هذه الأيام وإنما تقوم على المودة والرحمة، وبتعبيراتنا المعاصرة الحب والتعاطف وتبادل المشاعر الجميلة، ويتأكد هذا في قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدةً وَرَحْمَةً إِن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ .
لذلك فالقهر الذي يمارسه بعض الرجال على النساء يدفع بهن إلى المرض النفسي، وهذا القهر ليس له أي سند شرعي، وإنما ينبع من نفوس مريضة تتستر أو تسيء تأويل بعض النصوص حتى تناسب هواها ورأيها في المرأة، وهو رأي محقر لها وراغب في تغييبها عن تيار الحياة المتدفق، التي جعلت من المرأة مجرد شيء يتلهى به الرجل، بلا كرامة أو حقوق .
وبعض الرجال يبررون قهرهم للمرأة واستعلاءهم عليها بقوله تعالى: الرجَالُ قَوامُونَ عَلَى النسَاءِ بِمَا فَضلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهم .
والقوامة هنا تدور معانيها حول القيادة الرشيدة والرعاية الرحبة، ولا تعني بأي حال الاستعلاء أو الإلغاء، فهي مرتبطة بدور هيأ الله له الرجل ليقوم به في أغلب الأحوال، وإذا انتفت تلك القدرة عند الرجل كأن يكون سفيهاً أو ضعيفاً انتفى هذا الدور، وهذا ما نجده في بعض الأسر، إذ نجد المرأة أرجح عقلاً وأقوى شخصية من الرجل، لذلك تملك هي دفة القيادة .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالمرأة فيقول: استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء، واعوجاج الضلع هنا ليس عيباً في الخلقة، فتعالى الله أن يخلق خلقاً معيباً، لكنه ضرورة للوظيفة، فإن اعوجاج ضلع الإنسان ضروري لاحتواء الرئتين وإعطائهما الفرصة للتمدد والانكماش، وكذلك المرأة خلقت بطبيعة معينة قادرة على الاحتواء والحماية، واختلافها عن الرجل ليس اختلاف دونية وإنما اختلاف أدوار ووظائف . وهي بهذه الطبيعة ربما لا توافق توقعات الرجل وحساباته تماماً، لأنها لو فعلت ذلك فربما تخرج عن طبيعتها الأنثوية وتصبح مسخاً ينفر منه الرجل ذاته .
وهذا الحديث ليس ذماً في طبيعة المرأة كما يفهم بعض الرجال إنما هو بيان لطبيعة خلقها التي تلائم دورها، وهو ليس استعداء على المرأة بل نداءً للرحمة والرفق بها وفهم طبيعتها .
وقال رسول الله: لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر، وهذا الحديث يعتبر قاعدة موضوعية ورحيمة وعادلة في التعامل مع المرأة، فطبيعتها كما هي طبيعة الرجل تحمل القابلية للخير والشر معاً، فلا يتوقع الرجل منها خيراً مطلقاً، بل يقبل منها خيرها وشرها .
وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم، وقال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن حق الزوجة:إن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، وهذا الحديث يكفل للمرأة الحقوق الأساسية في المطعم والكساء، ويكفل لها أيضاً حقوق الكرامة والتقدير، وهكذا . . فلو راعى الرجل كل هذه الأمور لبنى هو وزوجته منزلاً عامراً بالإيمان وبالأمان النفسي الذي سينعكس على المجتمع كله .
غياب الرضا
وماذا عن الضغوط التي يتعرض لها الشباب المسلم؟
- للأسف الشديد كثير من الأمراض النفسية أصابت في الفترة الأخيرة الشباب في الفترة العمرية من 25 حتى 40 عاماً، وأنا شخصياً أرى أن أهم أسباب تلك الأمراض هو: فقدان قيم الانتماء، والإحساس بالاغتراب، والخلافات مع الأبوين، والبطالة، والتدخين، وكثرة الإغراءات التي يشاهدونها في وسائل الإعلام في ظل قلة إمكاناتهم، ما يجعلهم يشعرون بالسخط على الواقع . . إضافة إلى أن الزواج والعزوبية والعنوسة وكبت الحرّيّات الدينية والاجتماعية والسياسية، كلها ضغوط ومشكلات تواجه معظم الشباب، لذا يلزم اتباع وسائل واقعية للتعامل مع هذه المشكلات . ونحن ننصح الشباب بالتغاضي عن بعض الاحتياجات، على اعتبار أن ذلك من أهم أساليب مواجهة المشكلات، فليس من الضروري أن يحصل كل إنسان على كل احتياجاته، بل يمكن التغاضي عن بعضها حتى لا تتولد لديه مشاعر الإحباط عندما يفشل في الحصول على بعضها .
كيف يشعر الإنسان المسلم بالسعادة والاطمئنان النفسي؟
- القناعة والرضا بالمقسوم من أهم مصادر السعادة والرضا للإنسان، وهي تتلخص في إنجاز بعض المشروعات أو العلاقات المتميزة بالآخرين، أو من خلال التوافق مع القيم السائدة في المجتمع، كذلك عند التعامل مع المشاكل يجب أن يكون الفرد حلاّلاً لها وليس حمالاً للهموم .
ازدادت في الفترة الأخيرة ظاهرة العنف الأسري بل والعنف على مستوى المجتمع ككل . . فلماذا في رأيك؟
- انتشار تعاطي المخدرات هو السبب الرئيس وراء زيادة معدلات الجريمة في بلادنا، حيث تؤكد الدراسات والإحصاءات استفحال تعاطي المخدرات في المجتمع العربي، وتفاقم الأمراض النفسية الناجمة عنه، حتى أصبح عدد كبير من سكان الوطن العربي يعانون مشكلات وأمراضاً نفسية عدة بسبب إدمانهم نوعاً أو أكثر من المواد المخدرة، وهو ما يعني أن السنوات المقبلة تنذر بمخاطر كبيرة على الأمن القومي العربي، وتهدد المجتمع، والمشكلة الكبرى مع الإدمان تكمن في أن بعض الحكومات العربية لا تبدي اهتماماً كافياً بهذه المشكلة، ولا تضعها على سلم أولوياتها، وأيضاً لا تكترث بصورة جادة بالخسائر المادية الهائلة التي تترتب عليها، ولا تبدي سوى القليل من الاهتمام بالخسائر البشرية والمعنوية التي تسببها .
كل المؤشرات تؤكد أن التعاطي يتجه صعودياً، وبسرعة، وذلك بسبب توافر المواد المخدرة في الأسواق من جهة ووجود الشباب المغامر الجاهز للتجربة بقصد المتعة، خاصة في ظل التقاعس عن النظر لخطورة المشكلة، والنظر إلى المدمن على أنه شخص سلك سلوكاً خاطئاً عليه تحمل نتائجه وحده، والوضع يزداد سوءاً على الرغم من الاجتماعات العديدة والقرارات الكثيرة التي تصدرها الجهات الرسمية، وإذا ما بقيت الأوضاع على ما هي عليه فإن السنوات الخمس المقبلة تحمل كوارث تهدد بأن تصبح الأمور فوق طاقة أي خدمات علاجية .
نظرة شمولية
كيف ترى الفهم الإسلامي للإنسان . . بعيداً عن الفهم المادي الذي طرحته بعض المذاهب؟
- لا بد أن نعرف أن الإسلام جاء بالفعل بقيم وتعاليم قادرة على تحقيق السعادة التي ينشدها الإنسان منذ فجر التاريخ، إذا التزم بها، وقد فسر القرآن الكريم أحوال النفس البشرية بما يتصل بها من الخواطر والوساوس والأحاسيس من فرح وحزن ووحشة وأنس وانقباض وانبساط وارتجاف واضطراب، وغير ذلك مما سجله العلماء، وكما يقول الخالق: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير . ألا له الخلق والأمر . كما أن القرآن الكريم في وصفه الإنسان من حيث أبعاده التي تميز شخصيته، وضع منهجاً ينطبق في كل زمان ومكان بما يحتويه من أسس ومبادئ، منها النظرة إلى الإنسان بطريقة شمولية، بحيث لا يترك منه شيئاً ولا يغفل عن شيء جسم عقل نفس روح، وحياته المعاشية وتصوراته وكل نشاطه وحركته وتفاعله مع الإنسان الآخر، وكل ما يحيطه من المعطيات الحسية، فالوصف القرآني للإنسان لم يقتصر على تكامل النظرة إلى الإنسان، إنما يحذر أولئك الذين يتصورون أن مذاهبهم التي تناولت الإنسان من الممكن وأنها تصوره جسماً بلا عقل أو روحاً لا جسم أو عقلاً بلا روح، ثم يوهمون أنفسهم بأن هذا التناول الجزئي يجعل تصوراتهم علمية أو يجعلهم يقولون بأن هذا التناول الجزئي للإنسان يجعل عوامل الضبط والتحكم في أمور الإنسان أكثر دقة وأكثر منهجية، بينما حياة الإنسان لا تنفصل عن حياته العقلية وحياته الزوجية ومشاعره ومعنوياته، وتبلور حقيقة الكيان الإنساني من خلال هذا التفاعل بين هذه العوامل السابقة.
ضد الدين والتقدم
ينفق العرب والمسلمون ملايين الدولارات على الدجل والشعوذة سنويا فكيف يتأكد المسلم من أن علاجه ليس عند الدجال إذا تعرض لا قدر الله لأية مشكلة أو مرض غير مألوف؟
- للأسف الشديد ووفق بعض الدراسات المنسوبة لمركز البحوث الاجتماعية في مصر تبين أن المصريين فقط ينفقون مبالغ طائلة سنوياً على الدجالين، وعددهم يزيد على 300 ألف دجال، وهذا العدد في زيادة مستمرة وروادهم من المتعلمين والمثقفين في ازدياد، وبعض الدراسات تقول إن هناك ما يعادل دجالاً لكل 240 مواطناً، وهناك 50% من نساء مصر يؤمنّ بالدجل وقدرة المشعوذين على حل المشكلات، وهناك نحو 275 خرافة تعشش في عقول المصريين وتؤثر في سلوكهم .