حذر الفقيه الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة في جامعة القاهرة من إهمال اللغة العربية ووصف ما تتعرض له لغتنا العربية في عقر دارها بأنه للأسف تنفيذ لمخططات خصوم الإسلام، وعبر عن أسفه لحالة الفرقة والنزاعات والصراعات التي تعانيها الأمة الإسلامية اليوم، وأوضح في حواره مع الخليج أن الإسلام رسم للمسلمين طريق القوة في عالم تحكمه قاعدة البقاء للأقوى، لكن للأسف أدمن العرب والمسلمون الخلافات والنزاعات .

وفي ما يلي حوارنا معه:

في البداية كيف نعيد للغة العربية أمجادها في بلادنا العربية؟

- اللغة العربية كما نعلم هي لغة القرآن الكريم شرفها الله تعالى بنزول القرآن الكريم بها، كما قال جل شأنه بلسان عربي مبين، وقال سبحانه إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وفهم القرآن الكريم وتدبره والإيمان بالله والإسلام وبكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا بفهم القرآن الكريم وفهم القرآن الكريم لا يتم إلا عن طريق اللغة العربية وقواعدها وأساليبها وبلاغتها ونحو ذلك، وأن يكون الاهتمام بالقرآن الكريم حفظاً وأسلوباً وتفسيراً وتدبراً وسيلة لحماية اللغة العربية، كما يكون أيضاً تدريس اللغة العربية ومناهجها وقواعدها وسيلة لحفظ القرآن الكريم وتدبره وفهم معانيه بالكامل، إذاً هي قضية متعلقة بالدين بالدرجة الأولى بمقدار ما نهتم باللغة العربية يكون اهتمامنا بالإسلام وبمقدار ما تضعف صلتنا باللغة العربية تضعف صلتنا بالإسلام وبالقرآن الكريم وبأحكامه الشرعية إذاً لا بد من الاهتمام باللغة العربية لا لأنها شخصيتنا وهويتنا التي تبين مكانتنا في العالم بل لأنها أيضا لغة الدين والقرآن ومرضاة الله وتحصيل الأجر والثواب من الله، وعلينا أن ندرك أن إهمال اللغة العربية تنفيذ لمخططات خصوم الإسلام .

عالم ممزق

كيف ترون العالم الإسلامي اليوم بمشكلاته وهمومه؟

- العالم الإسلامي اليوم ممزق ويؤسفني أن أقول العالم الإسلامي، لأنه أصبح بعيداً عن الإسلام بدرجات متفاوتة، فالإسلام جوهره التوحيد ووحدة الأمة يقول تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، والذي نراه الآن في هذا المشهد السياسي سواء على مستوى الوطن الواحد، كما هو الحال في دولة كبرى مثل مصر، أو على مستوى العالم العربي والإسلامي هو التمزق والتفرق والتمذهب والتحزب المدمر لوحدة الأمة، فالبعض يحارب ويقاتل البعض ويعارض فكر الآخر وليس هناك احترام ولا تقدير ولا فهم لقضية الحوار مع الآخر، لذلك نحن نأسف لما هي عليه الأمة الإسلامية الآن من تفرق وتمزق وتضارب وهرج ومرج وقتل وقتال بين الناس بعضهم بعضاً وليس مع الأعداء، من هنا لا نقول إن الأمة الإسلامية صحيحة لكنها أمة مريضة بهذا التفرق وسبب مرضها البعد عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قال الله سبحانه وتعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وذكّرنا بما كان في الجاهلية من عداوة وبغضاء الآن نحن في قمة التفرق وقمة التمزيق نعصي الله سبحانه وتعالى ونقع في ما حرم، لقد قال لنا لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ونحن نُصر على النزاع وعلى التفرق وعلى التشرذم والاستعلاء على الآخر وعلى إبطال رأي الآخر والجدال والمناظرات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فإما عودة إلى توحيد الله وإلى وحدة الأمة وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وإما فعلى الدنيا السلام .

الإسلام دين العلم والتقدم فلماذا تخلف المسلمون؟

- تخلف المسلمون لبعدهم عن الإسلام، فالإسلام شيء والمسلمون شيء آخر، الإسلام دين العلم فقد ذكرت كلمة العلم في القرآن الكريم كثيرا بكل صيغها المعروفة، فعل ماضي وفعل مضارع ومصدر واسم فاعل واسم مفعول وإلى غير ذلك، ودلنا على مفاتيح العلم بالنظر والتأمل والتدبر في السماوات في قوله تعالى قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون، فنحن ببعدنا عن الإسلام وبتقصيرنا في مبادئه وأحكامه بعدنا عن العلم لأن طلب العلم فريضة فأين نحن من هذه الفريضة وأميتنا نسبتها أكثر من40%؟! وهل يجوز أن يكون في أمة مسلمة تؤمن بالله وبكتابه هذه النسبة المرتفعة من الأمية؟ لا يجوز هذا، كان ذلك أيام النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا كان معجزة أما بعد ذلك فأصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة فأين نحن من هذه الفريضة؟ لقد ضيعناها وغيبناها وعصينا الله تبارك وتعالى في عدم القيام بها ومن ثم كان التخلف والتأخر وحجزنا دوراً في مصاف الدول المتأخرة .

حرب ضروس

هل تؤمن بأن الغرب يحارب الإسلام كدين؟

- نعم مما لاشك فيه، وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فقال ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال جل شأنه لا تجدوا قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم وأبناءهم كما قال سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق، ورغم هذا التحذير فإننا نلهث وراء الأعداء ونظن فيهم الخير وهم يضمرون لنا السوء والمكر السيئ وتدبير كل الأمور التي تضر بالإسلام والمسلمين كما نسمع عن مصطلح الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام والمسلمين، لذلك فإن هناك حربًا فعلية يخوضها الغرب ضد الإسلام كدين وهذه حقيقة وأمر قائم أخبر عنه القرآن الكريم منذ 1500 سنة لكننا لا نعي ولا نتدبر ونعود ونقول أيضا إن البعد عن القرآن والبعد عن اللغة العربية وعن تدبر آيات القرآن هو السبب في ما نحن فيه .

ما السبب في انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في الخارج وكيف السبيل لتصحيح صورة الإسلام المشوهة؟

- أمريكا كما نعلم سعت إلى قيام النظام العالمي الواحد تريد أن تستقطب العالم كله وأن يدين لها الجميع بالولاء، ولما كسرت الاتحاد السوفييتي الذي كان القوة المناوئة لها لم يعد أمامها إلا قوة الإسلام، فلجأت إلى ضرب الإسلام من الداخل أو تحت الحزام كما يقولون، وانطلقت هذه الفكرة فكرة الإسلاموفوبيا لأن هذا هو العائق الوحيد أمام أمريكا في سيادة العالم، العالم الإسلامي لم يوافق على الوجود الأمريكي لا في فلسطين ولا في العراق ولا في أفغانستان ولا في باكستان ولا في مصر ولا في أي بلد من بلاد الإسلام، وبالتالي فإن أمريكا تنظر إلى الإسلام على أنه العائق الوحيد نحو تقدمها ونحو سيادتها للعالم وبالتالي تجند أعضاءها وأتباعها وحلفاءها في كل مكان لعداوة الإسلام وضعف الإسلام والمسلمين .

غزو فكري

معنى هذا أنك ترفض حوار الأديان؟

- حوار الأديان وحوار الحضارات من وجهة نظري ما هي إلا صناعة غربية ونوع من أنواع الغزو الفكري والثقافي للعالم الإسلامي، وما يحدث في هذا المجال لا يعد حواراً بالمعنى الذي يعرفه الإسلام، وهو القائم على الحق والتفاهم والبعد عن الجدال، والذي هو منهج إسلامي أصيل له قواعده لكن ما يحدث هو أن المسلمين يجتمعون في هذه المؤتمرات للدفاع عن حضارتهم، وهو يتهم الإسلامية، بينما يجتمع الغرب مع المسلمين طمعا في مسح الهوية الإسلامية وفرض العولمة التي يروجون لها تحت ذريعة التقارب بين الأديان وتحقيق التفاهم بين الشعوب، وهذا بعيد كل البعد عما يتم على أرض الواقع، لأن تلك الاجتماعات ما هي إلا صورة من صور التبشير وجسر ينقل الفكر الإنجيلي إلى الآخرين، حيث تدعو الكنيسة المسلمين باسم المحبة والحرية التخلي عن ثوابتهم وتشريعاتهم وأحكامهم التي لا تتوافق مع أحكامهم، لذا فلا جدوى من اجتماعات حوار الأديان تلك .

وكيف يواجه المسلمون هذا الغزو الثقافي والفكري والاجتماعي؟

- عن طريق التوعية المستمرة للشعوب العربية والإسلامية بهذا الخطر الداهم كي يتكاتف الجميع في التصدي لهذه الهجمات الشرسة على المسلمين والإسلام بإقامة المؤتمرات وعقد الندوات والمحاضرات في الداخل، لتبصير الأمة وفي الخارج لتوضيح الصورة الصحيحة عن المبادئ السمحة للإسلام وتضييع الفرصة على من يشوه صورته مع طبع كتب بمختلف اللغات تقوم بالتعريف بالإسلام والحوار مع الآخر لكن بالطريقة الصحيحة البعيدة عن فرض الرأي والهيمنة بل بالحكمة والموعظة الحسنة .

يدعو البعض لتدريس الثقافة الجنسية في المدارس والجامعات، فهل تؤيد ذلك؟

- لا أؤيد ذلك مطلقا، ولكن أؤيد تدريس منهج الإسلام لأن فيه العفة، فالإسلام مملوء بالثقافة الجنسية المفيدة، ولقد درسنا ونحن صغار في المعاهد الأزهرية كتابا اسمه الحيض والنفاس والبلوغ والطهارة وحدود ومعالم كل شيء من هذه الأمور، كما درسنا الغسل والوضوء والاستنجاء وعرفنا كل شيء عن الفروج، سواء كانت ذكورا أو إناثا، وفي القرآن الكريم ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ونسمع الحديث الشريف وقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فالثقافة الجنسية موجودة في الإسلام فلماذا نترك الإسلام ونترك القرآن والفقه الإسلامي ونلجأ إلى تدريس الثقافة الجنسية كما يراها فرويد أو غيره من الغربيين؟ لو درسنا لأبنائنا وبناتنا الثقافة القرآنية الصحيحة وفهمناهم كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لاستغنوا بذلك عن هذه الثقافة، أما تدريسها لتكون للمتعة والمعرفة كما يقولون وللتجريب والحمل والإجهاض، فهذا ما لا يمت إلى الشرع بصلة ولا يجوز مطلقا في شرع الله أن نفعل ذلك وأن نشجع البنين والبنات على ارتكاب الفواحش وعلى إجهاض الحمل إذا حدث، وهو لا بد أن يحدث فهذه ثقافة هدم وفاحشة وليست ثقافة علم ومعرفة .

من وجهة نظرك: هل استفادت الدعوة الإسلامية من ثورة المعلومات؟

- هناك محاولات للاستفادة من الثورة المعلوماتية، لأن المنجزات العلمية إذا لم نأخذها فرضت نفسها علينا، فمما لاشك فيه هناك طوائف من الدعاة أخذوا بهذه المنجزات العلمية وتدربوا عليها وأخذوا يستفيدون منها، وهناك من فاتهم الوقت والزمن ولم يقبلوا على دراسة هذه المنجزات العلمية فبقيت المسائل أو الأمور محدودة إلى حد ما، هناك استفادة بلاشك وهناك اقتحام لهذه المنجزات في حياتنا رغما منا، لكن هناك من يقبل عليها وهناك من لا يقبل عليها .

وهل أثرت هذه المنجزات في فكر وعقيدة الشباب المسلم؟

- رغم الانفتاح على الآخر الذي يعيشه الشباب المسلم في عصرنا الحالي لم تنجح المحاولات الخبيثة لإبعادهم عن هويتهم ودينهم، بل من الملاحظ هو اعتزاز الشباب بإسلامهم وتمسكهم بثقافتهم الإسلامية ومشاركته في ثورات الربيع العربي تدل على ما يتمتع به من وعي سياسي واجتماعي وهذا شيء مبشر .