أكد الدكتور مختار عطا الله مدير مركز الدراسات والبحوث الإسلامية في جامعة القاهرة أن هناك آلية ناجحة للحوار الناجح بين المسلمين بعضهم مع بعض وبينهم وبين غيرهم، وأشار إلى أن الغلاة في الدين أساءوا إلى الإسلام وأعطوا أعداءه فرصة ذهبية للطعن فيه ونسبة التطرف إليه، وأوضح أن المخرج الوحيد من ذلك العودة إلى شجرة الإسلام المتكامل بدلاً من تجزئته حسب الأهواء، وهاجم دعاة التكفير والتفسيق والتبديع الذين هم أبعد ما يكونون عن الإسلام في حين زينت لهم شياطين الإنس والجن أعمالهم وكأنهم يتعبدون إلى الله بتنفير خلقه منه، وطالب بإحياء القيم الإسلامية الجديرة بالإحياء الحضاري بعد حالة التخلف التي تعيش فيها أمتنا حالياً، ودعا إلى تجديد الخطاب الديني ليكون أكثر عقلانية وحكمة ومنطقية ويقدم نموذجاً مشرفاً للإسلام وقيمه الحضارية، وحذر من إعمال العقل في الغيبيات وتفاصيل العبادات من حيث كيفيتها وعددها ومواقيتها، لأن هذه أمور فوق طاقة العقل والتسليم فيها بما قال الله ورسوله هو الأسلم لعقيدة وإيمان المسلم .

طالبتم بالاعتماد على آلية ثلاثية للحوار الناجح مع الآخر سواء أكان مسلما أم غير مسلم . . فماذا تقصدون بتلك الثلاثية؟

- يقصد بها الآلية التي تعتمد على ثلاث خطوات لإقامة حوار مع الآخر سواء كان الآخر المذهبي أو الآخر الحضاري وهذه الخطوات هي الاعتراف والتعرف والتعارف . ويعد الاعتراف هو نقطة البدء حيث ينظر كل طرف من المختلفين إلى الآخر على أنه ذو هوية علمية تؤهله للدخول في الحوار وأنه يملك من المقومات ما يجعله فاعلا في إقامة المشترك العلمي أو الحضاري أو الديني بين الطرفين وبدون هذا الاعتراف ينغلق تماما باب الحوار حيث يسيطر الإلغاء والاحتقار والاستبعاد الفكري الاجتماعي والإقصاء الحضاري . أما التعرف فهو حرص كل طرف من المتحاورين على أن يتعرف إلى فكر الآخر ومواقفه وآرائه على أن يتحلى كل طرف بروح الموضوعية والإنصاف . أما التعارف فهو الخطوة الثالثة والتي تمثل الغاية من الحوار أي التعايش والتعارف والتفاهم والتبادل العلمي والمعرفي والقيمي، وهذا ما جمعه القرآن في قوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا .

مجاوزة الحد

لكم العديد من الكتابات في قضية الغلو في الدين وهي تسيء للإسلام فما هو الغلو من وجهة نظركم؟ ومتى نقول إن هذا المسلم الملتزم انتقل من التدين المحمود شرعاً إلى الغلو المنهي عنه؟

- اتفق الفقهاء والمفكرون الإسلاميون في مختلف العصور على أن الغلو: هو مجاوزة الحد بالتشدد والتصلب في أمور الدين، وهذا ما يجعلهم يقدمون خدمة لأعداء الإسلام على طبق من ذهب وأعطاهم الفرصة للطعن فيه .

والغلو نوعان: أولهما: غلو اعتقادي نظري يتعلق بكليات الشريعة الإسلامية في جانبها الاعتقادي الذي يكون منتجاً للعمل بالجوارح مثل الغلو في الأئمة والغلو في البراءة من المجتمع العاصي .

وثانيهما: غلو عملي وهو ما كان سلوكاً مجرداً وليس نتاج عقيدة فاسدة مثل قيام الليل كله وتحريم الطيبات وكل ما يبتعد عن السمات المميزة للوسطية في الأفعال والأقوال .

من المصطلحات التي تحرصون علي تأكيدها باستمرار مقولة شجرة الإسلام لتوضح شمولية وكمال هذا الدين العظيم، فلماذا هذا التشبيه؟ وما أهميته في حياة المسلمين؟

- أقوم بتشبيه الإسلام بالشجرة نظرا لما تحمله الشجرة الكاملة من معنى البناء المحكم المتماسك فلا تكون الشجرة كذلك إلا إذا أُحكم بناؤها على جذور ضاربة في أعماق الأرض ثم جذع يمتد في الهواء، ثم فروع تتفرع عنه، ثم ثمار تتعلق بفروعها وأغصانها .

وإذا أردنا أن نتعرف إلى أجزاء شجرة الإسلام فجذورها: الإيمان بالله وصفاته، حيث لا قيام لدين بغير هذه العقيدة، أما الجذع فهو الإيمان بالنبوة وما يتصل بها من مسائل، لأن الإيمان بالنبوة مؤسس على الإيمان بوجود إله رحيم لطيف يرسل رسله للناس ليخرجوهم من الظلمات إلى النور أما الفروع فهي ما يؤخذ عن النبوة من السمعيات والعبادات والمعاملات، وأخيراً الثمار الناتجة عن هذا كله فهي السعادة في الدنيا والآخرة .

الطعن في الغيبيات

يحاول الماديون الطعن في الغيبيات بالتأكيد دائما على أن ما تراه العين تؤمن به ومالا تراه فهو بعيد عن الإيمان . . ما خطورة مثل هذا الفهم من بعض المنتمين للإسلام؟

- من المؤسف أن هؤلاء يتزايد عددهم وحجتهم أن العقل هو الفيصل في الإيمانيات وأن الإسلام دين يحترم العقل، وأنا أقول لأمثال هؤلاء ليس كل ما نؤمن به لابد أن نراه بالعين، فهذا هو مدخل الشيطان، وشعار المؤمن قوله تعالى سمعنا وأطعنا، وبالتالي فإن واجبنا أن نسلم بما جاء به الأنبياء وخاصة رسول الإسلام .

وفي عقيدتنا الإسلامية ما يطلق عليه السمعيات وهي تسمية تطلق على كل ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الوحي المعصوم المعبر عنه بالقرآن أو بالحديث النبوي من أحوال عالم الغيب وهو ما غاب عنا فلا ندركه بالحس أو الحدس أو العقل . وكذلك أحوال مخلوقات الله الغيبية كالملائكة والشياطين والجن وأحوال الموت وما يعايشه الميت من مشاهد ومواقف وأحوال القبر وما به من سؤال ونعيم وعذاب وحياة برزخية وأحوال البعث وأحداث يوم القيامة وتفصيلاتها . ثم ما في الآخرة من جنة ونار وما في ذلك كله من وقائع وأحداث وأشياء وأحياء فكل هذه الأخبار واجب المسلم أن يؤمن بها كما وردت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يعرضها أو يعرض شيئًا منها على العقل .

العبادات والعقل

مرتبط بتلك القضية تفكير البعض في تفاصيل العبادات وكيفيتها حيث يحاولون عرضها على العقل . . فماذا تقول لهم؟

- العبادات مصدرها الوحيد هو الله سبحانه وتعالى وما جاء به الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالله سبحانه يريد من عباده أن يعبدوه كما يحب هو تقربا إليه، والعبادات تضعهم على طريق شكره على ما أنعم به عليهم من نعم لا يعلمها إلا هو، ولا يمكن لأحد من الناس معرفته إلا عن طريق خبر الوحي المعصوم .

ولابد أن يدرك المسلم أن العقل لا يمكنه الاجتهاد للوصول إلى مراد الله من عباده فيما طلب من عبادات فمثلا لا يمكن للإنسان أن يتجادل في عدد الصلوات المفروضة ولا عدد ركعات كل صلاة ولا شروط الصيام ولا مناسك الحج ولا غير ذلك من العبادات التوقيفية في الإسلام . بل لابد أن يدرك أن طريق ذلك كله بتفصيلاته هو الوحي المعبر عنه بالقرآن والسنة .

قلتم إن الفرع الثالث من شجرة الإسلام هو المعاملات والتي تعد مشكلة المشكلات في حياة المسلمين حالياً، حيث تتناقض أقوالهم مع أفعالهم أو أنهم اختزلوا الدين في بعض العبادات المظهرية، كيف نرتقي بتعامل المسلم ليترجم تعاليم ومبادئ دينه؟

- المقصود بالمعاملات الأحكام الكلية الواردة في الشرع والتي تنظم حركة الإنسان في الحياة وتضبط علاقاته بما حوله من عناصر الوجود، فمثلاً في باب علاقة الإنسان بغيره يقرر الشرع مجموعة من القيم التي تحكمها فيما يعرف بحقوق الإنسان .

حقوق الإنسان

الإسلام سبق القوانين الوضعية في إقرار حقوق الإنسان، فما أهم تلك الحقوق ولماذا نجد هذه الحقوق منتهكة بين مسلمي اليوم على عكس ما يأمرهم به دينهم؟

- انتهاك حقوق الإنسان المقررة في الشريعة في بلاد المسلمين أمر لا يعيب الإسلام، بل يحسب على المسلمين الذين ابتعدوا عن تطبيق تعاليم دينهم فيما يتعلق بحقوق الإنسان وأهمها حقه في الحرية والكرامة وحرمة الدم والمال والعرض والتفكير والتعبير، ولا يمكن فصل هذه الحقوق عن حقه في المأكل والمشرب والملبس وكذلك حقه في الأمن والأمان والرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية والتعليم والمعرفة وفق المنظور الإسلامي الذي جعل الحفاظ على هذه الحقوق واجباً دينياً على جميع من في المجتمع من حكام ومحكومين مما يخلق مجتمعاً إسلاميّاً متماسكاً .

كيف تنتهض الأمة من كبوتها الحالية وتستعيد مجدها الحضاري الضائع بعد قرون عديدة من الازدهار؟

- واجبنا استعادة القيم الحضارية الإسلامية، وهذه القيم السامية موجودة، ولكننا في حاجة إلى تفعيلها في حياتنا وتأتي في صدارة هذه القيم التعاون والتكامل، حيث قال تعالى: إِنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وقوله تعالى:الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ . تليها قيمة التعاون على البر والتقوى تنفيذا لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِر وَالتقْوَى . وكذلك قيمة الإيثار بمفهومه الشامل تنفيذا لقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .

ولن تكتمل منظومة النهوض علينا أن ننشر قيم الرحمة والرفق والإحسان والوفاء والالتزام بالحقوق وصلة الأرحام وإتقان العمل وغيرها من القيم المرتبطة بضوابط المعاملات الإسلامية والأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات المالية والتجارية والسياسية والعسكرية، حيث وضع الشرع من الأحكام الشرعية ومبادئ الحلال والحرام والمباح والمندوب ما يضبط حياة المسلم ونشاطه وينهض به من خلال إصلاح الدنيا بالدين وفي هذه الأحكام ما يضمن النمو والتفوق والازدهار هذه هي الثمرة للتطبيق المتكامل للإسلام .

الأصول والفروع

وما هو الحل لإشكالية الغلو؟

- الحل يكمن في مواجهة الخلط بين ما هو من أصول الدين، وما هو من فروعه، لأن هذا الخلط سبب في كثير مما غالى فيه الغلاة الذين لم يفرقوا بين أصول الدين وهي المسائل الاعتقادية المبنية على دلالة قطعية وفق نص شرعي ثابت ثبوتاً قطعياً، وفروع الدين التي هي مؤسسة على أدلة ظنية الثبوت وظنية الدلالة، فمثلاً أدى الغلو في المنع من الخلاف في مسائل الفروع والتسوية بينها وبين مسائل الأصول إلى التضييق على الناس واسعاً ويعسر عليهم ما أراد الشرع الحكيم تيسيره .

هل معنى هذا أن الغلو أدى إلى انتشار فكر التكفير وغيره من الأفكار البعيدة عن وسطية الإسلام وسماحته؟

- الغلو رأس كثير من المفاسد مثل التكفير والتفسيق والتبديع لمجرد الاختلاف في مسألة من مسائل الفروع مع اعتبار المقصر في أداء فروع الدين خارجاً عنه .

ما دور العقل في مواجهة هذا الغلو باعتبار أن الإسلام دين عقلاني؟

- الوسطية هي الحل في مواجهة الغلو مع التأكيد على أن للعقل الإنساني دوراً مركزياً مصدرياً لمعرفة بعض مسائل الدين، إضافة إلى دورها في الفهم الصحيح لبعض هذه المسائل التي مصدرها الوحي، كما أن العقل يهدي إلى دين الفطرة ويقصد به ذلك الإحساس الدفين المتمكن من كل واحد منا في أعماقه الذي يدعوه إلى التطلع إلى قوة غيبية مهيبة يشعر بوجودها من داخله لكي تعطيه إذا احتاج وتنقذه إذا اشتد به أمر وتستره إذا خاف أن يفتضح وتنصره إذا بغي عليه فإذا سألته عنها قال هي الإله العظيم الواحد .

معنى هذا أن الأمة كلها وخاصة الدعاة فيها في حاجة ماسة إلى تجديد الفكر والخطاب الديني سواء فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض أو بينهم وبين غيرهم؟

- التجديد سنة الله في خلقه ولهذا يدعو إليه الإسلام بشرط أن يكون منضبطا بالضوابط الشرعية حتى لا يخرج علينا كل زاعق وناعق يقول: أنا مجدد أو مجتهد أو يتطاول على فقهاء الأمة وكبار علماء مذاهبها بقوله: هم رجال ونحن رجال . ولهذا فإن التجديد المنضبط للخطاب الديني يساعد على معالجة الخلل في منظومة التفاهم سواء بين المسلمين وغيرهم أو بينهم وبين بعضهم .

وأرى أنه من أهم متطلبات التجديد الذي هو إحياء لحضارتنا الإسلامية، هو التحديد الدقيق والحصري لما هو معلوم من الدين بالضرورة لأنه كم من المشكلات حدثت بسبب هذه الإشكالية ولن يكون هذا إلا بوضع الضوابط العامة الحاكمة لدخول التكليف المعين فيما هو معلوم من الدين بالضرورة ومن هذه الضوابط أن تكون تلك التكليفات قد نطقت بها الآيات الصريحة وتواترت بها الأحاديث الصحيحة وأجمعت عليها الأمة جيلاً بعد جيل، وبهذا يمكن أن نغلق على الغلاة إدخال ما يحلو لهم فيه ومواجهة استهزاء المنافقين وسخريتهم من بعض هذه المعلومات ودرء غلو الغلاة في اتهام العباد بالتقصير في حق الله وبعدهم عما أراده منهم وتعبدهم به .