أطلق البعض على الدكتورة مريم مطر تاتشر الإماراتية، بعد اختيارها من قبل مجلة بزنس كأقوى امرأة إماراتية في العلوم والبحوث، تتبوأ الكثير من المناصب القيادية التي لم تشغلها امرأة إماراتية من قبل ليأتي اختيار الجامعة العربية لها كسفيرة نوايا حسنة للمرأة والطفل، تتويجاً لجهودها في هذا المجال، والاستفادة من البرامج والخطط التي نفذتها على المستوى المحلي . تحترم كل دقيقة في عمرها، وتصارع الأمراض الوراثية مثل كرات الدم في الجسد . هادئة مبتسمة حلوة اللسان، لكن إرادتها حديدية تلهب حماسة فريقها الذي ينهك في التنقل بين إمارات الدولة، بحثاً عن الخريطة الجينية والوراثية للإمارات . عن منصبها الجديد . . كيف جاء اختيارها؟، وما مهامها؟ وطموحها الذي لا ينتهي تتحدث سفيرة النوايا الحسنة للمرأة والطفل في هذا الحوار .

كيف تلقيت خبر اختيارك سفيرة للنوايا الحسنة للمرأة والطفل؟

عندما تلقيت مكالمة هاتفية من مؤسسة المرأة العربية باختياري لمنصب سفيرة للنوايا الحسنة للمرأة والطفل لمدة عامين، انتابتني مشاعر مختلطة بين السعادة والدهشة والفخر، فمن ناحية سعدت بتشريفي بهذا المنصب الرفيع الذي يعكس اهتمام الدولة وجهودها في مجال المرأة والطفل، سواء بتوفير الإمكانات أو تدريب الكوادر والتخطيط المستقبلي، وإيمان القيادة الرشيدة بالفرد في تحقيق رفعة ورقي بلاده . كما دهشت من أن منصبي سيكون عربياً على الرغم من أن أغلب المشروعات التي قام بها فريقي كانت على المستوى المحلي . وقمت فقط بمشاركات بسيطة في بعض الدول العربية، كما تذكرت حجم المسؤولية التي ستضاف على عاتقي، إضافة إلى المشروعات القائمة خلال العامين المقبلين .

وما تلك المشاريع، وهل سيأخذك المنصب الجديد منها؟

أعمل حالياً في مشروع كبير على مستوى الدولة، هو اكتشاف الخريطة الوراثية والجينية لسكان الإمارات، ويهدف المشروع إلى التعرف إلى الأمراض الجينية والوراثية وتصنيفها، لتجنيب الأجيال القادمة مخاطر الإصابة بها، وهو برنامج يتطلب العمل في كل إمارات الدولة، وعقد جلسات مع المرضى، وإلقاء محاضرات لتوعية الناس بشكل مباشر . أما في ما يخص انشغالي كسفيرة للنوايا الحسنة عن مسؤولياتي كرئيسة لجمعية الإمارات للأمراض الجينية، ودوري في مؤسسة دبي للعطاء، فلا أعتقد أن ذلك سيؤثر لأني تعلمت من خلال ما أسند لي من مناصب ومهام، كيفية إدارة الوقت وتنظيمه، وهو ما يمكنني من القيام بأكثر من وظيفة في آن واحد بمساعدة فرق متخصصة ومدربة .

من كان أول المهنئين؟

فور علمي بهذا الاختيار بادرت بالاتصال بأمي، أخبرها بحجم المسؤولية، فحملتني الكثير من المسؤوليات . أولها أن يكون ثمرة ما أقوم به من جهد لأهلي وبلادي أولاً، وأعربت عن قلقها من تطلب المنصب السفر إلى بلدان عربية تعاني أوضاعاً مضطربة، كما أشفقت علي من حجم العمل والسفر الدائم .

كيف جاء اختيارك ؟

لم أتوقع ترشيحي لهذا المنصب ولم أسعَ إليه في يوم من الأيام، لكن كل اهتمامي كان مركزاَ على خدمة المرأة والطفل في الإمارات، وشاركت مشاركات بسيطة في مجال الوقاية من الأمراض الوراثية، وبعض البرامج التوعوية، في بعض الدول مثل اليمن، ومصر، وليبيا . ورغم قلة مشاركاتي في وسائل الإعلام، إلا أن المسؤولين عن الصحة والمرأة العربية كانوا متابعين جيدين لكل ما نقوم به على المستوى المحلي وثمنوا مشاركاتي على المستوى المحلي . وطلبوا مني أن أعمم بعض البرامج التي نجحنا في الإمارات في تنفيذها .

وما المهام التي ستسند إليك كسفيرة للمرأة والطفل؟

هناك العديد من البرامج التي اخترت لتطبيقها على غرار ما فعلنا داخل الدولة، مثل برامج الوقاية من تشوهات العمود الفقري، والعناية بصحة المرأة والطفل من خلال إعطائهم الفيتامينات اللازمة لهم في فترات محددة . كما أعجب المسؤولين بالأسلوب الإماراتي في التخطيط وطريقة التعاطي مع البرامج، وحرصي على تنفيذ كل تفصيلة في موعدها مهما تطلب ذلك من وقت . وأتذكر أننا قمنا بالتخطيط لمشروع الإمارات خالية من مرض الثلاسميا في سبتمبر/ أيلول ،2004 وها نحن نحصد نجاح المبادرة في 2012 . وأهم ما لفت انتباه المسؤولين في الجامعة العربية، هو طريقة أدائي في تنفيذ البرامج، فغالباً ما يبدأ المسؤول بالتنسيق مع الوزارات وانتظار الموافقات ومن ثم البدء في التنفيذ . أما أنا فأدخل إلى الفئات المستهدفة بشكل مباشر، ويأتي بعد ذلك دور الوزارات التي تتعاون معنا بشكل كبير .

هل تتوقعين نفس التعاون والتنسيق في الدول العربية؟

إذا توقعت غياب التعاون ونظرت إلى الأمور نظرة تشاؤمية فلن أنجز شيئاً على الإطلاق، وإذا قارنت تجربة الإمارات المتميزة والناجحة في مجال المرأة والطفل في دول أخرى، فبالتأكيد سيعوق ذلك طموح التخطيط وتطبيق البرامج . فالإمارات بلد قام على التخطيط وتنفيذ الاستراتيجيات، والكل يعمل ويؤدي دوره في إطار منظومة متكاملة . تعود بالخير والنجاح على الجميع . ومن ثم وقع علي الاختيار للتعامل مع قضايا المرأة والطفل للاستفادة من تجاربنا الناجحة .

ماذا عن اختيارك من قبل مجلة بزنس كأقوى امرأة إماراتية في العلوم والبحوث، والرابعة عربياً؟

كل لقب أو منصب ينظر إليه البعض على أنه واجهة اجتماعية يحملني مسؤولية ويثقل كاهلي أكثر فأكثر . ويدفعني لبذل المزيد من الجهد والعطاء، وتصنيفي أقوى إماراتية في مجال العلوم والبحوث، سبقه تقدير وثقة حكومتنا الواعية، بتمكيني من خدمة بلادي في عدة مواقع . كما أن شعور الإنسان بالعطاء وخدمة الناس أهم عندي من كل الألقاب .

تقلدتي الكثير من المناصب المجتمعية والرسمية، أيهم أكثر تفضيلاً لك؟

لكل منصب طعمه وقوته وصلاحياته، كما تتفاوت قدرة المدير من منصب لآخر على تنفيذ المشروعات، وقربه من دوائر صنع القرار والمسؤولين . لكني كطبيبة وباحثة أشعر بالرضا التام وأنا بين المرضى، وفريق عملي، نتنقل من إمارة لأخرى لتوعية الناس من مخاطر أحد الأمراض الوراثية التي قد تنتقل من الأب والأم إلى الأبناء .

ما الذي يشعرك بالسعادة؟

أكون في قمة السعادة عندما أكون سبباً في تخفيف الألم عن طفل مريض وأراه يلعب ويبتسم . وأن أعيد لإحدى السيدات نشاطها بعد التعافي، وأكون في منتهى السعادة عندما أنتهي من أحد المشرعات الكبيرة التي تستهدف الحفاظ على صحة الأسرة الإماراتية . واكتشاف أحد الأمراض الوراثية التي تصيب الأجيال القادمة . وما يزيدني سعادة هو أني في بداية كل مشروع أطلب من الله أن يكون أجره لأحد الأشخاص، فأول مشروعاتي كان صدقة عن روح الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وآخر وهبته لروح والدي، وأحدهم كان صدقة عن أستاذي الذي علمني طب الطوارئ، وهو ما يشعرني بقوة كبيرة لإنهاء ما أقدم عليه من مشروعات .

أخذت على عاتقك قضية الاهتمام بصحة المرأة والطفل الجسمية والنفسية، ألم ينل ذلك من أحلامك الأكاديمية ؟

على الإطلاق، فمن يعرف قيمة الوقت وكيفية تنظيمه، يجد دائماً الوقت عندما يود إنجازه . وقد تعلمت ذلك في معهد إعداد القادة، فعلى مدار الساعة هناك خطط ولكل دقيقة ثمن يقرب من الهدف . ولا أعتقد أن إنساناً وضع أمامه هدفاً وسعى إلى تحقيقه سيتخلى عنه مهما أرهقته المسؤوليات . وأنا مؤمنة أن كل خطوة أخطوها جزء لا يتجزأ من أحلامي وطموحي الأكاديمي المرتبط بالدرجة الأولى بصحة والناس، وهو الحصول على الدكتوراه في الأمراض الوراثية .

هل سيختلف يومك كطبيبة بعد أن أصبحت سفيرة للنوايا الحسنة للمرأة والطفل؟

لا اعتقد انه سيتغير كثيراً بخلاف الزيارات التي قد تتطلب سفري إلى البلدان العربية، فأنا أستيقظ في الصباح الباكر، لدي برنامجي في مجال الطب الوقائي، وأخرج إلى مناطق كثيرة في الدولة، لإلقاء محاضرات، وإجراء بعض الفحوص، والمسوحات نحللها في المختبرات . وعندما نتوصل إلى إحدى النتائج السلبية، أعود بنفسي بعض الظهر لملاقاة الأسر التي ظهر بها بعض الأمراض الوراثية . لأقنعهم بخطورة المرض على الأسرة والأجيال القادمة . هذا كله إضافة إلى مسؤوليتي كنائبة لرئيس مجلس إدارة مؤسسة دبي العطاء، ودوري في صندوق الزواج . لكن ذلك لم يلهني عن الاهتمام بأسرتي والوقت المخصص لها . إضافة إلى الوقت الذي أعطيه لتدليل مريم مطر، في أحد المراكز الصحية التي زرتها جميعاً، حتى أكون قادرة على معاودة العمل بصحة ونشاط .

لماذا اخترت اليابان لتكون مكاناً لدرجة الدكتوراه في الأمراض الوراثية؟

اليابان هي من أختارتني، فقد قدمت أوراقي لنيل الدكتوراه في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، لكن الجامعات في أمريكا وبريطانيا، أصرت على أن تكون العينات البحثية وعناصر البحث من الداخل، ولم يسمحوا لي بعمل المسوحات داخل الإمارات . وهو ما وافقت عليه إحدى الجامعات الكبرى في اليابان . حيث كنت مصرة على أن تكون الرسالة إماراتية خالصة، أنفع بها بلدي وأرد جزءاً من جميلها الذي لا يعوض .

تخطت المرأة الإماراتية كل التوقعات وتبوأت الكثير من المناصب، برأيك هل هناك مجالات ماتزال عصية عليها؟

الإمارات من الدول التي لا تفرق في نظرتها بين الرجل والمرأة في جميع المجالات، ومن أهم نجاحات قيادتنا الرشيدة هو النظر للفرد من خلال إمكاناته الفردية، وتميزه، ومدى النفع الذي سيقدمه للمجتمع . وهو التحدي الذي قبلته المرأة الإماراتية لتثبت وتعبر عن ذاتها، وتساند أخيها الرجل رفعة وتطور الوطن .

أين مكان الرجل في حياتك؟

الرجل هو نقطة التوازن في حياتي وعملي، فهو القائد والوالد والأخ والزوج، له كل الاهتمام والتقدير . وهو أحد العناصر التي أضعها نصب عيني وأنا في عملي . فكثيراً من الأسر التي نفحصها ويظهر فيها أحد الأمراض الوراثية . أذهب إليها ويكون محور اهتمامي الرجل . أجلس معه كأخت أحاوره وأضعه أمام مسؤولياته الأسرية والمجتمعية، فأنا في النهاية واحدة من مجتمع يعرف مكانة الرجل في بيته وأسرته .

للأسرة دور كبير في تميز أبنائها، حدثيني عن البيت الذي تربيت فيه؟

تربيت في بيت يسوده الحب ودفء الأبوة والأمومة . لا يجيد أبي وأمي القراءة والكتابة لكنهم أصروا على أن نحمل جميعاً أعلى الشهادات . خمس بنات وأربعة أولاد . أبي وأمي كانا حريصين على أن نجتمع حول طاولة الطعام، لما فيها من فوائد ليست صحية فقط، بل واجتماعية أيضاً فكنا نتبادل أطراف الحديث الهادئ الرقيق . ونستمع للوالدين وكلامهم ونصائحهم الغالية . كما حرصنا على أن يزودونا بالقيم والأخلاق المستقاة من ديننا الإسلامي الحنيف .

من الشخصية التي ترجعين إليها الفضل لما أنتِ فيه الآن؟

في كل خطوة أخطوها أستحث خطى من سار على الدرب وحده ليوحد سبعة لآلئ غالية في عقد الاتحاد، وأستحضر نصائح والدي لتقويني على ما أواجه من تحديات .

ما طموحك بعد الدكتوراه؟

كل ما أقوم به بشكل يومي يقربني من هدفي الذي يستخف به البعض عندما يعرفه، وهو أن أحصل على جائزة نوبل للعلوم . حلم يراه البعض بعيداً عن إماراتية كرست كل وقتها وعلمها لخدمة الوطن، لكني والحمد لله على قناعة أنه قريب وسأفعلها ما زال في القلب نبض والروح مملوءة بالعزيمة .