كما تمت الإشارة في حلقة سابقة، فإن البعثات التعليمية العربية، وضمنها مصريون، جاءت إلى الإمارات وبالذات إلى الشارقة ودبي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، ولا سيما تلك البعثات التي أشرفت عليها الحكومة الكويتية عن طريق أحد التجار الكويتيين في الإمارات، وهو مرشد العصيمي، ثم بعد ذلك مكتب الكويت الذي تأسس في بداية الستينات من القرن الماضي. وفي هذا المقال نتحدث عن طبيب مصري متميز رأس مجموعة من الأطباء المصريين الذين جاؤوا كما قلنا عن طريق الكويت، وهذا الطبيب هو الدكتور (البروفيسور) ياقوت السهوي الذي ينتمي إلى أسرة اسكندرانية لها مكانتها الاجتماعية، ومن أوائل الأطباء المصريين الذين درسوا في ألمانيا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.. ولما عاد إلى مصر أقام بمعاونة أسرته مستشفى خاصاً في الإسكندرية يضم عدداً من الأطباء المؤهلين المصريين الذين درسوا في الخارج، وتميز هذا المستشفى عن المستشفيات الخاصة وعن أمثاله بسبب سمعة الدكتور السهوي صاحب المستشفى، وما كان عليه هذا الطبيب الحاذق من دراية في مهنته وإخلاصه في أداء مهنته.
وجاءت ثورة 1952، لتعتبر أن تأميم الشركات التجارية والمصانع والمحال التجارية الخاصة وضمها إلى القطاع العام ومؤسسات الدولة بموجب ما سميت بالقوانين الاشتراكية أمر حتمي وعمل ضروري في مواجهة الأوضاع السائدة، في خطوات اتسمت بالارتجالية، ومسايرة تقليدية غير ذات بصيرة أو رؤية للدول الشيوعية التي كانت ترزح تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي وتدور في فلكها حينئذٍ، على الرغم من أنه كان معروفاً أن الاتحاد السوفييتي لم يكن من حيث التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي يوازي يومئذٍ ما كانت عليه الدول الأوروبية الرأسمالية الليبرالية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.. تلك الدول التي كانت مصر العهد الملكي تحاول اللحاق بها منجزة كثيراً من الإنجازات التي تؤهلها لتكون الدولة النموذجية في الشرق الأوسط وإفريقيا.. وكان الاقتصاد المصري من الاقتصادات القوية المزدهرة وتدير مؤسساتها الاقتصادية عقول نيرة تكنوقراطية متخصصة.
ولكن ثورة الضباط أدت إلى إبعاد المصريين أصحاب الكفاءات الكبيرة والعقول النيرة عن المشاركة في سير الأمور والقرار.. وكان مستشفى الدكتور السهوي أحد الأنشطة الاقتصادية النافعة التي تم تأميمها بدون أي مبرر.. وهنا خرج الدكتور السهوي وجمع من رفاقه من مصر إلى الدول الخليجية، وأكثر هؤلاء جاء إلى الكويت، ومنهم الدكتور ياقوت السهوي رحمه الله.. وفي الكويت طلب منه بعد سنين من الخدمة أداها في المستشفيات الكويتية، أن يرأس وفداً طبياً إلى الإمارات، وجاء الدكتور السهوي عام 1961، ليفتح مستشفى الكويت، وهو أول مستشفى علاجي كبير بعد مستشفى آل مكتوم الذي تأسس في دبي عام 1952.
وقد توفر بوجود المستشفى الكويتي المشار إليه علاجٌ مجاني لكل من كان يأتي إلى دبي من الإمارات ومن مناطق أخرى في عمان (الباطنة)، ولكن الدكتور السهوي اختلف مع المسؤولين في مكتب الكويت، وقدم استقالته، لينضم إلى بلدية دبي مديراً لقسم الصحة فيها.. ومن يومها توطدت بيننا العلاقة وأصبحنا زملاء نعمل في مؤسسة واحدة، إذ كنت حينئذٍ أعمل نائباً لمدير البلدية.
وأدخل الدكتور ياقوت في قسم الصحة ببلدية دبي تطويراً لافتاً للانتباه. كما أصبح الدكتور السهوي صاحب عيادة خاصة يستقبل فيها مرضاه ويعالجهم مجاناً، وقبلت البلدية أن يعمل الدكتور السهوي خارج قسم الصحة بعد أن عرفت أن هذا الإنسان النبيل يذهب إلى بيوت الناس ويستقبلهم في بيته بالمجان.. وكان الدكتور السهوي، رحمه الله، مشخصاً للمرض بشكل دقيق، وكان يكتشف المرض بمجرد أن يفتح عين المريض وينظر إليها، وحدثت حوادث من هذا النوع وقصص اشترك فيها الدكتور السهوي معالجاً ومشخصاً. وإضافة إلى ذلك كان الدكتور السهوي يكتب مقالات عن الطب والأمراض وعلاجها، ويجيب عن أسئلة القراء في مجلة أخبار دبي.
كشاكيل ملونة
د. ياقوت السهوي مؤسس البعثة الطبية المصرية في الإمارات
29 مايو 2019 04:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
29 مايو 04:17 2019
شارك
بقلم: عبدالغفار حسين