إبراهيم اليوسف
يمكن اعتبار المعجم اللغوي، لدى أي شعب من الشعوب، بمثابة المدخل إلى حضارته، وتاريخه، ووجدانه، وهو الخزان لروحه، بل والرصيد "البنكي" للغته، ولثقافته، بحيث إن "لسانه" الذي ينطق بمفردات هذا المعجم، ويصوغ منها أداته التعبيرية، شفاهاً، يتحول إلى أداة تواصل، ضمن البيت، والشارع، والمؤسسة، بل وهي هنا وهناك حامل إبداعات الأمم، وسجلها الروحي، الذي تتناوب أجيالها، على المساهمة في مدونتها، جيلاً بعد جيل .
مؤكد، أن اللغة ليست كائناً منجزاً، من تلقاء نفسه، أي أنها ليست حالة نهائية، يتم إيداعها في الحساب الحضاري لأبنائها، بل إنها جبلة مفتوحة، يتم على امتداد الزمن، الإسهام في تطويرها، إضافة، وحذفاً، بل إن مقولة كبار المشتغلين في الحقل الألسني - هذا الحقل الذي يتداخل مع الفضاء المعجمي، والتي راحت تشبه اللغة ب"شجرة" خضراء، تكاد تكون جد دقيقة، فيما يتعلق بتقويم اللغة، منظوراً إليها من زاوية "تجددها" وموات بعض مفرداتها . ولعل أي عودة إلى الخط البياني، للغة أي مجتمع، من خلال معيار التحول الزمني، تؤكد لنا حجم التغييرات التي طرأت عليها، وإن كانت المدونة لاسيما غير المعجمية، بمثابة كابح لموت المفردة، وإن كانت -على صعيد آخر- مفتوحة على المفردات المولودة، تبعاً، للتفاعل مع البرهة المعيشة، ودواعيها، ومتطلباتها . بل وبمقاربة أكثر، من هذه المقولة، حول شجرية اللغة، نستطيع أن نبين أن من شأن شجرة اللغة إسقاط ما لا يصلح من "أوراق اللغة" التي تذبل، لتحل محلها، أوراق اللغة الخضراء، النابضة بالحياة، والتي تستطيع التكيف مع الحاضر .
ولنا أن نتصور حال وواقع أي شعب، أو أمة من دون اللغة؟ . أجل، إن أي تصور من هذا النوع ليعني -قبل كل شيء- أننا أمام حالة ما قبل لغوية، حالة وحشية، فإضافة إلى أن اللغة هي الوجه الآخر لحالة الوعي، فهي حمالة للوعي، وحافظة له، بل هي أداة لتطوير الوعي، لأنه لا يمكن تصور أي وعي إنساني، من دون اللغة، فضلاً عن أن استقراء المنجز الإنساني، عبر آلاف السنوات، يجلي لنا مدى حضور اللغة في عبقرية محاولة الهيمنة على الطبيعة من لدنه، فضلاً عن أن الثورة التي تمت في مجال العمران، والعلوم، والتطور الآلي، والتقني، والمعلوماتي، ما كان لها أن تكون، في صيغتها، الحالية، المتوثبة، قياساً إلى دورة الزمن، دون اللغة .
وكلمة "المعجم" أصلها "عجم" "أعجم" أي أزال، وهنا المعجم "إزالة للبس"، أو "العجمة"، و"المعجم" يكون من خلال شرح المفردة، بمترادفاتها، ومعانيها، وهو مختلف عن "القاموس" الذي بات يصطلح عليه أن يكون نتاج الترجمة بين لغة وأخرى، بل وأكثر، ومن هنا، فإن أدقّ تعريف للمعجم، هو أنه تبويب مفردات لغة ما، أو جوانب، وأقسام، منها، ضمن قائمة، وبين دفتي مدونة، لتكون مرجعاً عاماً، لإزالة اللبس والغموض عن المفردات، واستبيان مدلولاتها، ومعانيها، وهو ما انتبه إليه اللغوي الإسلامي، عندما دعاه حرصه على القرآن الكريم، لاسيما بعد أن دخلت أقوام كثيرة حظرة الإسلام، واستحدثت الحاجة إلى فهم معاني، ودلالات، مفردات الكتاب، وظهر الحرص على فهم محمولات الآيات، كما هي، دون أي تأويل، أو شطط، لاسيما مع مضي فترة زمنية على تدوين القرآن، واستشعار نخبة هذه المرحلة، بالخوف ليس على المدون، بل على رابط التواصل بين النص وجمهرات متلقيه، التي باتت تخترق، الجغرافيات، واللغات، والألوان، وصارت هاجساً، لمن هم من الصفوة، المثقفة، حيث إن الكلمة المدونة -نفسها- كانت وبسبب انفتاحها، على طرائق نطق عديدة، محتملة، لاسيما في ظل ما يصطلح عليه ب"التشكيل اللغوي" إما: جهلاً، أو اجتهاداً، باتت تتطلب هذا التوثيق المعجمي .
ولعل ظهور المعجم الأول، قبل مئات السنين، لدى بعض حضارات العالم، كان نتاج حاجة معرفية، وهو ما يجعل عمر أول معجم، كما تشير الدراسات الأولى منذ القرن الخامس قبل الميلاد، كما سنجد -إسلامياً- ظهور ما يمكن أن يرتقي إلى مستوى "المكتبة المعجمية" أو "الأكاديمية" المعجمية، لاسيما مع استقراء للمدارس المعجمية، وطريقة تناولها للمفردة، من خلال طريقة ترتيبها، بحسب ما سمي ب"أواخر الحروف" أو "أوائل الحروف أو "ألفبائياً" إلى جانب الاعتماد على مخارج الحروف، كما هو معجم "العين" الذي يعد "عين" المعاجم، أو أمها على الإطلاق، وقد ألفه أبو خليل الفراهيدي (100ه -174ه)، وسبب تسميته ب"العين" هو أنه ينطلق من حقيقة أن هذا الحرف من أعمق الحروف في الحلق، مقابل اعتبار حرف "الميم" أقربها إلى سطح الشبكة النطقية، إذ يلتقي معجم اللفظ، مع معجم المعنى، مع معجم البناء، بل لتكون هناك ثقافة معجمية، ومصطلحات معجمية، على هذا الأساس: المعجم أحادي اللغة، والمعجم تعددي اللغة، بل والمعجم التقليبي، بل و"الباب" و"الفصل" .
وفي ضوء قراءة المعجم، راهناً، وفق ما استطاع أن يحرزه، عبر شريط زمني، مديد، هو نتاج حالة الوعي الآدمي، بل هو مسهم في صناعة الوعي، بهذا الشكل أو ذاك، نستطيع -وباطمئنان- أن نقول، لكل امرئ معجمه، ولكل منزل معجمه، ولكل مدرسة، أو جامعة، أو صحيفة، أو مجلة، أو منبر، ولكل قصيدة، أو قصة، أو رواية، معجمها، والمعجمية لا تتحقق، من دون شرطها الإفادي، نائساً، بين دائرة الفرد، والمجتمع . كما أن أي امرئ منا، عندما فتح عينيه، بل عندما التقطت أذناه ذبذبات الأصوات، فقد كان له معجمه الخاص، معجم أبويه، وأخوته، ومحيط أسرته، هذا المعجم الذي سرعان ما كبر، قبل أن يرفد "معجم العامة الأكبر" ذي السلطة المعرفية .
وثمة تصادم لا يفتأ يعانيه المرء "مستعجماً" بمعابر اللغة، يتم بينه ونفسه، وضمن الحقل الإشاري الصوتي للغة الواحدة، بل إن هذا التصادم، يكبر، كلما اقترب من روافد المعجم الرسمية، وهي التي تحدد في ظل وجود حاجز، ضمن إطار اللغة بين: الرافد البيتي، والرافد المدرسي . وتغدو المسافة، فادحة، إلى جانب انعكاس إثرائها، على المتكلم، عندما يعيش في فضاء أكثر من معجم، أي عندما يتحول هو ذاته إلى "قاموس" بين أكثر من لغة، لكل منها فضاؤها الخاص .