يدخل المسرح التونسي مع مرور هذا العام قرنا جديدا، خاصة أن أغلب المؤرخين له يعتبرون أن عام 1909 هو العام الذي نشأ فيه المسرح التونسي، وبهذه المناسبة احتفلت تونس خلال العام الجاري بمرور مئوية مسرحها، كما قررت الهيئة العربية للمسرح أن تنظم الدورة الثانية لمهرجان المسرح العربي في تونس في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2010 .

إن هذه المناسبة الفنية والإبداعية تأخذ مكانتها المهمة من الحراك الكبير الذي عرفه المسرح التونسي منذ نشأته إلى اليوم، فهو بالإضافة إلى كونه من أهم المسارح العربية في وقتنا الحاضر، فقد تمتع بمزية الاستفادة من خصائص المسرح الأورومتوسطي من خلال العلاقة الجدلية والإشكالية مع الغرب، وتحديدا مع فرنسا وإيطاليا، لما تمتلكه العلاقات التونسية الأوروبية من جذور تعود إلى القرب الجغرافي من القارة الأوروبية، بالإضافة إلى الاحتلال الفرنسي لتونس، والذي ترك فيها أثرا ثقافيا ولغويا .

لقد عرفت تونس المسرح مع مطلع القرن العشرين من بعض الفرق المسرحية الاجنبية، حيث ظهرت فرق أجنبية كثيرة منذ عام ،1864 وذلك بغرض تسلية الجالية الإيطالية الكشفية، المكونة من طبقة رجال الأعمال والتجار، أما الفرق العربية التي انطلقت في تقديم عروضها منذ سنة 1902 في المسرح البلدي في العاصمة، ثم تأسس مسرح روسيني عام 1903 على يد مجموعة من الشباب الشغوف بهذا الفن مثل احمد بوليمان والبشير الخنقي والهادي الارناؤوط الذين عملوا في ما بعد تحت راية جمعية النجمة، كذلك كانت زيارة جورج أبيض إلى تونس، حيث قام بنشاط لافت في مساعدة بعض الفرق على التأسيس والانطلاق .

وفي عام 1908 قدمت فرقة الجوق المصري إلى تونس والتي زارت معظم المدن التونسية وقدمت مجموعة من الأعمال مثل صلاح الدين وشهداء الغرام وعطيل، وأُبرم اتفاق بينها وبين مسرحيي جمعية النجمة على القيام بأعمال مشتركة، وبالفعل تأسست فرقة مشتركة قدمت عرضا تحت عنوان نديم أو صدق الإخاء .

في تلك الفترة أيضا يمكن ذكر فرق مثل قرداص والفرقة الكوميدية المصرية والجوهر التي قدمت من مصر إلى تونس وقدمت عروضا فيها، وبقي بعض المسرحيين المصريين في تونس، حيث شاركوا في النشاط المسرحي، وهو ما يؤشر إلى طبيعة البدايات، حيث كان العرض المسرحي يقوم بالدرجة الأولى على قضايا اجتماعية تقدم من خلال طابع كوميدي أو حماسي على غرار ما كان شائعا آنذاك في المسرح المصري .

أما البداية الفعلية للفرق التونسية فقد بدأت مع مسرحية السلطان بين جدران يلدز للمؤلف محمد الجعايبي، التي عرضت عام 1909 وتعتبر على مستوى التأريخ النص التونسي الأول الذي يقدم إلى الجمهور، وقد تحولت مع مرور الزمن إلى علامة فارقة في المسرح التونسي حيث تم تحديد عام عرضها بوصفه سنة الانطلاقة الحقيقية للمسرح التونسي الذي راح بعد ذلك يعتمد بشكل رئيسي على مؤلفيه ومبدعيه في ابتكار الحكايات المسرحية وتأليفها، وقد جاءت البدايات لتحمل الكثير من التطلعات الاجتماعية والسياسية للشعب، إلا أنه يمكن تصنيفها من الناحية الفنية بوصفها تلمسا لخصوصية تونسية، خاصة أن التأثيرات السابقة من المسرح المصري أو الفرنسي والإيطالي لم تغب بشكل نهائي .

أما الفترة الثانية في عمر المسرح التونسي فتمتد من عشرينات القرن الفائت حتى عام ،1953 ويمكن القول إن تلك الفترة هي الفترة التأسيسية الحقيقية للمسرح التونسي الذي أخذ يشكل لنفسه هوية خاصة به على مستوى البحث الفكري والجمالي، والاقتراب من مفهوم الاحتراف بمعناه المسرحي، وهو القائم على البحث في الصيغ الفنية التي يمكن أن تأخذها الحكاية المسرحية، بالإضافة إلى تعدد التيارات المسرحية، وأبرزها ظهور المسرح السياسي من خلال فرقة مسرح السعادة التي استمرت في تقديم عروضها بين عامي 1924 و ،1933 واستندت إلى فكرة محاربة الاستعمار والتحريض السياسي عليه والقيام بدور طليعي في عملية توعية الشرائح الاجتماعية، وقد كان تأثير الفرقة في المجتمع كبيرا، وهو ما يؤكده نفي رئيس الفرقة أحمد توفيق المدني إلى الجزائر، وقد تزامنت فترة المسرح السياسي مع المسرح الناقد الذي يعتمد على الفكاهة والكوميديا النابعة من المجتمع ذاته، حيث اسس أحمد بليمان مجموعة من الفرق المسرحية التي راحت تقدم عروضا فيها الكثير من النقد الموجّه لبعض العادات والقيم الاجتماعية التي كان يرى فيها بليمان عقبة في وجه التقدم، ومسؤولة عن تأخر الحراك في المجتمع نحو العصرنة، قياسا إلى المفاهيم التي كانت سائدة في تلك الآونة .

الاحتراف

مع مطلع خمسينات القرن الفائت ظهرت الفرقة الاحترافية عام 1953 التي راحت تقدم عروضا أكثر نضجا من المرحلة التي سبقت، وقد استفادت الفرقة بشكل لافت من التراكمات والأخطاء التي كانت موجودة خاصة على مستوى فنون الأداء، ولم يمض على عمل الفرقة ثلاث سنوات حتى جاء استقلال تونس من الاحتلال عام ،1956 ما ساعد على المضي بالمسرح الجاد في تونس إلى وضع أفضل خاصة أنه تم إنشاء وزارة للثقافة التي أخذت على عاتقها دعم الفرق المسرحية .

انتهجت وزارة الثقافة التونسية مع بداية الاستقلال اللامركزية في دعم الفرق المسرحية، وهو ما أدى إلى نشوء الفرق الجهوية في مختلف المدن التونسية، وقد تزامن العمل المسرحي مع مرحلة مهمة من التاريخ التونسي الحديث الذي اهتم ببناء الدولة الحديثة وانخراط كافة مكونات المجتمع في تلك العملية، وقد كان المسرح التونسي قريبا من تلك الأهداف، منخرطا على مستوى الأفكار والطروحات في عملية التحديث التي عرفتها تونس منذ منتصف الخمسينات .

في السياق ذاته برزت فرقة الكاف والتي تعتبر الفرقة الرابعة بعد صفاقس وسوسة وبنزرت، واعتبرت من أهم الفرق التي اشتغلت على مضامين وقضايا واضحة مرتبطة بالحداثة وخاصة فكرة المواطنة كما حددها المخرج المنصف السويسي مؤسس الفرقة، بوصفها مسألة مركزية في اطروحات تلك الفرقة، وقد عرضت مجموعة من الأعمال منها راشمون للكاتب الياباني أكورو أكوتغاوا، وديوان الزنج تأليف عز الدين المدني، والتي تعتبر علامة فارقة في المسرح التونسي الحديث، حيث قام السويسي بإشراك كل من محمد رجاء فرحات، وزبير التركي، في عملية الدراماتوج إعداد النص الأدبي الذي كتبه المدني، واعتمد على القيام بعملية تكوين للممثلين وإعدادهم فنيا من خلال ورشات عمل على فنون الأداء، وهو أمر كان له أثر كبير في نجاح الفرقة، وحصولها على مكانة فنية مرموقة خاصة بين شرائح المثقفين، والمهتمين .

إن عمل السويسي في سيناريو محدد في بناء فرقة الكاف من حيث الإعداد المنهجي لكافة المسرحيين، قام باستعادته لاحقا مع فرق أخرى، حيث قام باستقطاب عدد مهم من الشباب وخاصة الأكاديمي مثل رجاء فرحات الذي كان قد درس في إيطاليا، بالإضافة إلى أسماء أخرى أخذت مع الوقت مكانتها وهويتها الخاصة في المسرح التونسي والعربي مثل الفاضل الجعايبي، ومحمد إدريس، و رؤوف بن عمر، وجليلة بكار، وفاضل الجزيري، وعبد القادر مقاد، وغيرهم، وقدم مسرحيتي عندما تحرق الشمس وحركات صامتة التي أشرف عليها الجعايبي .

وفي مرحلة لاحقة أعاد أعضاء فرقة الكاف بناء توجهاتهم، وخياراتهم الفنية، ما أدى إلى اصطفافات جديدة كان أبرزها ظهور فرقة المسرح الجديد والتي ضمت الجعايبي و الجزيري وإدريس ومحمد المسروقي، وقد أنتجت الفرقة أعمالا مهمة منها العرس والورثة وغسالة النوادر التي اعتبرت واحدة من أفضل الأعمال التي قدمت في تونس في سبعينات القرن الفائت، وذلك لتقديمها أطروحات جريئة تخص البنى السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وكان لافتا في عمل فرقة المسرح الجديد العمل الجماعي من قبل الجميع على كافة مكونات العرض من تأليف النص إلى الدراماتوج والإخراج السينوغرافيا والأزياء، وذلك في محاولة لبناء عمل قائم على التشاركية والحوار وتبادل الخبرات، وبفضل تلك الروح حظيت فرقة المسرح الجديد بمواكبة متميزة من قبل المجتمع التونسي، خاصة أن الفرقة عرفت بتمردها على الأساليب السائدة في العمل الفني على الساحة المسرحية في تونس .

تجارب رائدة

ظهرت على الساحة التونسية بعد فترة السبعينات من القرن الفائت تجارب مسرحية عدة تمتعت كل منها بخصوصيات تميز عملها واشتغالها البحثي عن غيرها من الفرق، وهو ما أوجد تنوعا في المسرح التونسي على مستوى التيارات الفكرية والجمالية، وعلى مستوى القضايا المطروحة، حيث أنشأ الفاضل الجعايبي وجليلة بكار فرقة خاصة بهما قدمت مجموعة من الأعمال منها فاميليا وسهرة خاصة وعشاق المقهى المهجور وركزا في أعمالهما على النواحي التقنية مع تناول قضايا تركز على الذات الإنسانية في مواجهتها للعالم الخارجي . أما توفيق الجبالي فركز في أعماله المسرحية على الرؤى الجمالية الجديدة ومحاولة إدخال أشكال لم تكن مألوفة، وكان للجبالي بإدخاله الكوريوغراف أو التعبير بالجسد دور في تطوير فضاء المسرح التونسي على مستوى تداخل الأشكال الفنية وخاصة في مسرحيته عطيل حيث اتخذ من نص شكسبير ذريعة لتقديم تصور بصري جديد لا يمت من حيث الشكل والمضمون بصلات كثيرة إلى العمل الأصلي، وإنما هو عمل قائم على الصورة بشكل أساسي بعيدا عن قوة الكلمة المنطوقة، وهو ما أعطاه لاحقا تميزا خاصا به على مستوى التجريب البصري داخل الفضاء المسرحي التونسي .

أما عز الدين قنون الذي ينتمي إلى ما يسمى المسرح العضوي بحسب تصنيف المسرحي د . محمد عبازة، حيث اهتم قنون بالعلاقات الشائكة بين الرجل والمرأة على المستويين الخاص والعام، وانحاز إلى المرأة بوصفها العنصر الأضعف في التكوينات والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقدم بن قنون أعمالا كثيرة منها المصعد وطيور الليل وحب في الخريف وغيرها من الأعمال .

كما ظهر مسرح فو مع رجاء بن عمار ومنصف الصايم، حيث تم اعتماد الرقص التعبيري لغة أساسية في العمل المسرحي، وذلك تأكيدا على دور الجسد الإنساني في التعبير، انطلاقا من هدم النص بوصفه تعبيرا أدبيا، وإعادة إنتاج العمل المسرحي انطلاقا من الرؤية الحسية والإيقاعية للجسد في إيصال الرسالة المسرحية .