أجمع عدد من علماء الدين وخبراء الاجتماع والنفس والتربية على أن الحماية من شرور الحاسدين، تكمن في اللجوء الى الله تعالى وتعميق الإيمان في النفوس، ودوام ذكر الله، فهذا حصن حصين لمنع ضرر النظرة من أصحاب النفوس المريضة.
وطالبوا بغرس قيم القناعة والرضا وعدم الوقوع فريسة الطموح الزائد على الإمكانات، مشيرين الى أهمية اتباع منهج كتمان ما ينعم به الله تعالى على الانسان عن أولئك الذين عرف عنهم الحسد والحقد على الناس.
وفي ما يلي آراؤهم والتي تباينت في الوقاية واتقاء شرور الحاسدين:
تؤكد الدكتورة سهير عبد العزيز أستاذ علم الاجتماع ومديرة المركز الدولي للتنمية والأسرة بجامعة الأزهر أن اتقاء شرور الحاسدين في يد المحسود نفسه في اغلب الأحيان، فالحاسدانسان ضعيف النفس طماع يتمنى زوال النعمة من كل من يعرفه ومن لا يعرفه، ويطلبها لنفسه حتى يتميز عن الجميع، حتى من دون أن يسعى أو يجتهد أو يعمل لبلوغ مكانة اجتماعية أو علمية معينة.
التعامل الطيب
وتضيف قائلة: إن الحاسد يمكن اتقاء شره بمحاولة الإحساناليه والتعامل معه على أنه مريض، فمجرد نظرة عطف تجعله ينكسر ولا يخرج سمه وهو حقده وحسده وبغضه على ذلك الإنسان، وهذا هو التواضع والتكافل والتراحم وكل القيم الإسلامية النبيلة التي أمرنا بها ديننا الحنيف، فمثلااذا حرص الإنسان على القاء السلام أو العطف أو مشاركة جيرانه في السراء والضراء، فإن كل هذا يخفف من حدة الجفاء والبعد التي قد تنشأ بينهم، وبالتالي لا يصير هناك مجال لأن ينظر ضعيف النفس نظرة حقد أو حسد لهذا الذي يوده ويعطف عليه ويعطيه مما أنعم به الله تعالى عليه، وبالتالي فهذا الشخص ضعيف النفس سيصبح في حالة قريبة نوعا ما من الرضا والطمأنينة التي بغيابها تتولد مفجرات الحسد والحنق على المجتمع كله وليس على طائفة محددة أو طبقات معينة منه. وإن اخراج الزكاة والوقوف بجوار الأهل والمعارف والجيران في حالات الاضطرار أو العوز، وعيادة المرضى منهم، والتهادي والتزاور، كل هذه الأشياء ضرورية جدا رغم كثرة الأعمال وانشغال الناس في لقمة العيش، فالجانب النفسي والاجتماعي وتحقيق الاستقرار والهدوء والراحة يستتبعه استقرار مادي آخر وإن كان بشكل غير مباشر في حياة ذلك الإنسان الذي يقوم بهذا الدور المهم.
بيئة محرومة
ويكشف الدكتورابراهيم بدر أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية النوعية في جامعة القاهرة النقاب عن أن الحاسد ينشأ في بيئة محرومة من النعم، لذلك فهو يحقد على كل من حوله من أصحاب النعم، وبالتالي فالتربية في الصغر مهمة جدا لغرس قيم الرضا والقناعة وعدم التطلع الى ما في أيدي الآخرين، أو الطموح الزائد على الإمكانات لأن هذا هو الذي يخرج لنا النفوس التي تضر بنفسها قبل أن تضر بغيرها.
ومن ثم فإن الآباء والأمهات مسؤولون بداية عناخراج هذا الشخص الحاسد وهو مريض نفسي وهذا المرض ينقلب على صاحبه وعلى أهله واقرب الناساليه، وبالتالي فالحماية تكون باتباع الأسس الدينية الصحيحة في التربية منذ الصغر.
وهذا لا ينفي وجود الحسد في الطبقات العليا لأن كلانسان يسعى دائما الى الطموح والأعلى في كل شيء.
وحماية أنفسنا من شرور هؤلاء الحاسدين يكون بتجنباطلاعهم على شيء مما يخاف عليه الإنسان وإن كانت هناك بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي ترشدنا الى التحصن بها، فلا مانع من استخدامها لأننا شعوبايمانية تربط دوما بين ما يحدث لأفرادها وبين نظرات الآخرين ويرجعون ذلك الى الحسد والنظرة.
الاستعانة بالكتمان
ويقول الدكتور فرحات عبد العاطي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر ينبغي على الإنسان ألا يعلن أمام أولئك الذين يخشى من حسدهم أي نعمة من النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.
ومما لا شك فيه أن الإنسان يستحب له أن يتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى وأن يشكره على ما أنعم به عليه سواء كانت نعمة مالية أو اجتماعية أو بدنية، ولكن ينبغي أن يكون هذا الحديث أمام من لا يخشى المتحدث من حسدهم.
ومن المعروف أن هناك فرقاً بين الحسد والغبطة، فالحسد هو تمني زوال نعمة الغير عنه، وأما الغبطة فهي أن يتمنى الإنسان أن يكون عنده ما في أيدي الآخرين، ولكنه لا يتمنى زوال النعمة منهم.
إذن فهناك فرق بين الحسد والغبطة وإن كان يطلق على الغبطة حسدا على سبيل المجاز، ولذا فينبغي على الإنسان أن يستر ما أنعم الله به عليه عمن يخشى شره وحسده وبغضه للنعم التي منّ الله بها على عباده، وذلك حتى لا يصيبه حسد هذه النفوس، وذلك لأن الله تعالى أودع في بعض النفوس قوة يكون لها تأثير فيازالة النعم عن صاحبها أو دخوله في سلسلة من الانتكاسات أو الإصابات التي لم يكن يتوقعها من قبل، ولذلك وردت سورة في كتاب الله عز وجل يأمر فيها الحق سبحانه بأن نستعيذ به من شر الحاسدين فيها قوله عز وجل ومن شر حاسد إذا حسد عطفا على الشرور التي سبقت في هذه الآية، وهذا دليل على أن نفس الحاسد قد تصيب المحسود وتؤثر فيه أو في سير حياته.
علاقات سطحية
وينبغي لذلك كما يضيف الدكتور فرحات ألا يخرج الإنسان من بيتهالا وهو على طهارة وأن يستعيذ بالله ويذكره سبحانه ويظل لسانه رطبا بذكر الله طيلة يومه ما استطاع الى ذلك سبيلا، وأن تظل علاقته بمن يظن حسده أو كراهيته للنعم التي منّ بها الله تعالى على غيره علاقة سطحية، فلا ينبغي أن يتباسط معه في الحديث وألا يطيل الكلام معه وألا يدعه يسترسل في أسئلته، أو أن يجيب عما سئل في الأمور التي تتعلق بالنعم بطريق مباشر أو غير مباشر، ذلك بأن نفوس الحاسدين جبلت على الاستنتاج وبناء النتائج على مقدمات ربما لم يكن لها وجودالا في نفوسهم المريضة.
ومثل هذه العلاقة ليس من شأنها أن تكون حصيلة لدى الحاسدين عمن أنعم الله تعالى عليهم بالنعم، فلا يكون أمام الحاسدين مجال لتمني زوال هذه النعم لأن المفترض أنهم لا يعلمون عنهمالا بمقدار ما يتاح لهم من معرفة، فإذا تصورنا كثرة هؤلاء الحاسدين في المجتمعات الإسلامية، فإنه ينبغي أن تكون العلاقة بالناس بوجه عام علاقة لا يترتب عليها انقطاع الصلة بهم، ولا يترتب عليها الدخول معهم في مجال صداقة أو معرفة حميمة يطلعون من خلالها على ما يخبئه الإنسان وما يجتهد في ستره عنهم من هذه النعم.
وبهذه الطريقة يتقي الإنسان شرهم لأنهم لا يستطيعون تبعا لهذا أن يضروه بطريق مباشر أو غير مباشر.
اللجوء الى الله
ويشير الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الى أن الإسلام الحنيف بيّن الوقاية من شرور الحاسدين وحددها في اللجوء الى الله سبحانه وتعالى القائل: قُلْ أَعُوذُ بِرَب الْفَلَقِ. مِن شَر مَا خَلَقَ. وَمِن شَر غَاسِقٍا إذَا وَقَبَ. وَمِن شَر النفاثَاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِن شَر حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ.
فالله عز وجل أمرنا أن نستعيذ به من شر الحاسد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن لنا أن من صلى الصبح ثم قال ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. حفظه الله حتى المساء، ومن قالها في المساء حفظه الله حتى الصباح.
ومعنى هذا أن يظل الإنسان الذي يريد الوقاية من الحاسدين ذاكراً لله عز وجل، ملتزماً بسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغفل عن هذه الأمور التي تقيه وتحصنه من شر الحاسدين.
ويضيف الدكتور السايح: وهناك جانب مهم في هذه القضية الخطيرة ألا وهو كيف يقي الإنسان نفسه من أن يكون هو حاسدا للآخرين؟ ويتم ذلك بأن يرضى بما أعطاه عز وجل، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس خاصة أن المولى عز وجل قد نهى عن الحسد بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ (النساء: 54).
بمعنى أن يرضى الإنسان بما أعطاه الله سبحانه وتعالى فهذا يمنعه أو يكون حجابا له من حسد الآخرين، ولا شك أن الرضا بما قسم الله تعالى وأنعم به على الإنسان هو غاية الوقاية من الحسد والحاسدين.
وقد يكون واضحا أن الإنسان الذي يرضى بما أعطاه الله تعالى ويؤمنايماناً يقينياً بما أنعم عليه يكون بعيداً عن الحسد لذلك يقول تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم معِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً.
إذن فالإيمان بما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة يصل بالإنسان الى النتائج المحمودة والمرضية.