إن في اتباع تعاليم الدين الإسلامي الهداية من الضلال، والسعادة ورغد العيش، والطمأنينة والأمن وراحة البال، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك أياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (طه: 123-126)، ففيما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم الهداية الحقيقية التامة التي يحصل بها النفع والفلاح في الدنيا والآخرة، لذلك علمنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله الهداية دائماً، قال تعالى: اهدنا الصراط المستقيم (الفاتحة: 6) . وبين سبحانه وتعالى أن الهداية النافعة الموصلة لسعادة الدنيا والآخرة لا يحصلها إلا أهل الإيمان الصادق قال تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (البقرة: 2) . ولا يعني ذلك أن غير المتقين لا يجدون فيه الهداية قال المراغي رحمه الله تعالى في تفسير الآية: الهدى بالنظر إلى المتقين: هو الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة والتوفيق للعمل بأحكامه، إذ هم قد اقتبسوا من أنواره وجنوا من ثماره، وهو لغيرهم هدى ودلالة على الخير وإن لم يأخذوا بهديه وينتفعوا بإرشاده . وكون بعض الناس لم يهتدوا بهديه لا يخرجه عن كونه هدى، فالشمس شمس وإن لم يرها الأعمى، والعسل عسل وإن لم يجد طعمه ذو المِرة، وهداية القرآن الكريم تتميز بالشمول والثبات لأنها من الخالق الذي يعلم ما ينفع الناس في مصالحهم الدنيوية والأخروية، قال السعدي رحمه الله تعالى: هدى للمتقين والهدى: ما تحصل به الهداية ومن الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك النافعة، وقال هدى وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم، وهداية الخالق سبحانه وتعالى بعيدة عن النقص والخطأ، منزهة عن الهوى والغرض تتعامل مع الناس على اختلاف أحوالهم وترشدهم لما فيه صلاحهم في عاجل أمرهم وآجله، وذلك لأنها عن كامل العلم والحكمة، قال الله تعالى: قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (البقرة: 120) .
آيات للموقنين
وقد أمرنا الله عز وجل باتباع ما أنزله سبحانه لأنه يتضمن الطريق الموصلة لكل خير قال الله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون (الأعراف: 3) . وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم ينزل كتابه للقراءة فقط، بل لتدبر معانيه والاستفادة مما فيه من الآيات والمواعظ والعبر، قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (ص: 29) . ومن الآيات التي تحث على استكشاف ما في الكون والإنسان من أسرار، والوقوف على ما في خلقهما من شواهد تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وقدرته المطلقة، قول الله عز وجل: وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات: 20-21)، فالأرض: أحد كواكب المجموعة الشمسية، وهو الكوكب الذي نسكنه، والآية: العلامة والإمارة والعبرة والمعجزة . والموقنون: هم المؤمنون عن علم موثوق به لا يتطرق إليه الشك، وخصهم الله عز وجل بالذكر هنا، لأنهم هم الذين يهتمون بالنظر في مثل هذه الأمور وينتفعون بما فيها من دلائل ودروس وعظات، والله سبحانه وتعالى عندما يقول وفي الأرض آيات للموقنين كأنه يلفتنا إلى ما في الأرض من أسرار وخيرات ينبغي أن نستكشفها ونستفيد منها ولا يقف الحد عند إرشادنا إلى أن في الأرض آيات علينا أن نقرأها وأن نستفيد منها، بل إن الحق سبحانه وتعالى ذكر بعض هذه الآيات بصورة تدعو إلى تأملها، والوقوف على ما فيها من شواهد تدل على عظمة الخلق ودقة التقدير وذلك كما في قوله تعالى: والأرض فرشناها فنعم الماهدون (الذاريات: 48)، وكما في قوله تعالى: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون (النحل: 15)، وكما في قوله تعالى: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (الحج: 5)، وفي قوله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين فيض من المعاني لا ينتهي، فالآيات الكونية الدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته لا تنقطع، بل وتتناسب مع كل إنسان حسب قدرته وثقافته .
الماء والزرع
إن المزارع يرى في الزرع ينمو أمامه معجزة كاشفة عن حقائق لا مفر منها، فالماء ينزل من السماء وتخرج الزروع مخترقة سطح الأرض لتعلن عن بداية حياة جديدة تملأ الكون بهجة وسروراً بألوانها الجذابة، ورائحتها الزكية، وأشكالها الجميلة، ومذاقها الطيب، هذه الزروع سرعان ما تذبل وتيبس لتتحول إلى هشيم تذروه الريح، أو حطام يجد سبيله إلى عالم النفايات، ولقد صور القرآن الكريم هذا المشهد أروع تصوير وفي آيات متعددة أذكر منها قول الله عز وجل: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (الزمر: 21)، فالله تعالى يخبر بأنه سبحانه ينزل الماء من السماء على الأرض ليكمن جزء كبير منه بداخلها ليخرجه بعد ذلك على هيئة ينابيع، ومن الماء النازل من السماء والخارج من ينابيع الأرض يخرج الله عز وجل زرعاً مختلفاً ألوانه وأشكاله وطعومه وروائحه، وهذه الزروع النضرة المليئة بالحيوية والنضج سرعان ما تذبل ثم تتحطم وكأنها تحكي رحلة الإنسان على الأرض ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب أي: الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون أن الدنيا هكذا . إن الإنسان العادي والمزارع البسيط يمكنه أن ينظر لهذه الصورة المتكررة ليستخرج منها دروساً وعبراً وعظات، والدارس المتخصص في دراسة التربة، أو علم طبقات الأرض يلفت انتباهه قول الله تعالى: فسلكه ينابيع في الأرض ليتتبع سير الماء داخل الأرض فيخرج بنتائج تنفع الناس في معايشهم، وليكشف عن آيات أخرى تبرهن على عظمة الخالق سبحانه، وقدرته المطلقة . والله سبحانه وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدعو الناس كافة للسير في الأرض بأبدانهم وعقولهم للبحث عن بداية الخلق كيف كانت؟ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (العنكبوت: 20) . ولتتأمل معي قوله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين وقوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق لتقف على ما فيهما من تحريض على العلم والبحث والاستكشاف، ثم إن هذا الدفع في اتجاه الكشف عن أسرار الكون على هذا الوجه هل يمكن أن يكون إلا من إله؟ وبمعنى آخر: لو كانت هذه الآيات من أسرار دولة عظمى، أو باحث حريص على بحثه، أو صانع ماهر، هل كانت تترك لمن يريدها؟
خلق الإنسان
وقوله تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون أي: وفي خلق ذواتكم آيات ينبغي عليكم أن تنظروا فيها بعيونكم المبصرة وبقلوبكم العاقلة، وقد أرشد الله عز وجل إلى بعض الآيات في خلق الإنسان التي على العاقل أن يتأملها كما في قول الله تعالى: فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر (الطارق: 5-10)، وكما في قول الله تعالى: قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره (عبس: 17-22)، وكما في قول الله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (المؤمنون: 12-14) وكما في قول الله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون (السجدة: 7-9) . والآيات في ذلك كثيرة وكل آية مما سبق كفيلة بأن تفتح آفاقاً من الفكر متعددة، ودروباً للبحث لا حدود لها، ففي قول الله تعالى: فلينظر الإنسان مم خلق حث للإنسان على استخدام عقله في استخلاص الدروس، واستنباط العظات، ولتتدبر ما في قوله تعالى: فلينظر الإنسان من دعوة من الله عز وجل للتفكير والتأمل، وتحفيز للبحث والاستكشاف، ثم السؤال مم خلق فيه توجيه وإرشاد إلى ما ينبغي للإنسان أن يهتم ويشغل به عقله، ويبذل فيه جهده، وتوجيه الله تعالى بالنظر في هذا الموضوع دليل على أهميته، وقد أرجع المفسرون أهمية التذكير بأصل الخلقة إلى ما في ذلك من دلالة على البعث بعد الموت لأن الله جل وعلا الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته متى شاء وكيف شاء، ولا شك في وضوح ذلك وأهميته، ولكن البحوث العلمية الحديثة وبالذات البحوث الخاصة بعلم الوراثة تبين أن في الآية تنبيهاً إلى أمر آخر جدير بالدراسة والبحث ألا وهو تركيب هذا الكائن العجيب، وفي الإجابة عن السؤال مم خلق توجيه إلى نقطة البداية التي ينبغي أن يبدأ من عندها البحث، قال الله تعالى في الجواب: خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، فالماء الدافق (الحيوان المنوي) إذا خصب البويضة كانت الخلية الأولى التي يتكون منها الإنسان، والبحث بهذه الطريقة قاد العلماء إلى فتح علمي كبير مكنهم من استكشاف بعض آيات الله تعالى في الخلق، وكأن الآية الكريمة تلمح منذ أكثر من أربعة عشر قرناً إلى أهمية البحث في هذا الأمر وعلى هذا النحو، ويبقى قول الله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون غضاً طرياً يلهم الباحثين في كل عصر.