عالم سعودي متميز وداعية عصري من طراز فريد، له أسلوبه المميز في الدعوة إلى الإسلام حيث يعتمد على بيان لمحات من الإعجاز العلمي في كلام الخالق القرآن الكريم، وفي كلام رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية الصحيحة، وهي كافية لكي تخاطب عقول المسلمين وغير المسلمين بما يقنعها بأنها أمام دين سماوي يستحق أن يكون خاتماً لرسالات السماء، حيث يتعامل هذا الدين العظيم مع الإنسان بواقعية وموضوعية ويلبي له حاجاته، ولم يفرط دستوره الخالد القرآن في شيء، بل وفى كل شيء حقه، وأحاط بكل شيء علماً، وصدق الحق سبحانه حيث يقول: ما فرطنا في الكتاب من شيء وجاءت السنة النبوية مفسرة وموضحة لما جاء في كتاب الله الخالد، لتؤكد شمول هذا الدين وإعجازه .

إنه الشيخ الدكتور عبد الله المصلح رئيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الذي تحدثنا معه خلال زيارته للقاهرة عن جهود المنظمة التي يترأسها ودور بحوث الإعجاز العلمي، باعتبارها إحدى الأدوات الدعوية الناجحة خاصة في أوساط غير المسلمين، وغير ذلك من القضايا المرتبطة بالإعجاز العلمي . . التفاصيل في الحوار التالي:

الحضارة الإسلامية سبقت أوروبا في اعتماد المنهج التجريبي

في البداية نود التعرف إلى تاريخ إنشاء الهيئة التي تترأسونها ودورها في خدمة الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر؟

أنشئت الهيئة بناء على قرار المجلس الأعلى العالمي للمساجد برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في العام 1404ه، بوصفها منظمة علمية مستقلة تسعى لإظهار وجوه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وأهدافها وضع القواعد والمناهج وطرق البحث العلمي التي تضبط الاجتهادات في بيان الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، وإعداد جيل من العلماء والباحثين لدراسة المسائل العلمية والحقائق الكونية في ضوء ما جاء في القرآن والسنة، وكذلك صبغ العلوم الكونية بالصبغة الإيمانية وإدخال مضامين الأبحاث المعتمدة في مناهج التعليم في شتى مؤسساته ومراحله، والكشف عن دقائق معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالعلوم الكونية في ضوء الكشوف العلمية الحديثة ووجوه الدلالة اللغوية ومقاصد الشريعة من دون تكلف، وإمداد الدعاة والإعلاميين في العالم أفراداً ومؤسسات بالأبحاث المعتمدة للانتفاع بها كل في مجاله ونشرها بين الناس، وترجمة ذلك إلى لغات المسلمين واللغات الحية في العالم .

تحقيق الأهداف

وهل تم تحويل هذه الأهداف إلى حقائق على أرض الواقع ؟

تتخذ الهيئة عدداً من الوسائل لتحقيق هذه الأهداف مثل جمع جهود الباحثين في مجال الإعجاز العلمي وتنظيمها، وتشجيع البحث الفردي والجماعي والتنسيق مع الجامعات والمؤسسات العلمية لإقامة دراسات متخصصة وفحص الأبحاث، ووضع الضوابط لذلك ومناقشة البحوث وتدقيقها من الناحيتين الشرعية والكونية وإجازتها، ودراسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بموضوع الإعجاز العلمي .

التواصل مع العلماء

أغلبية البحوث الكونية يقوم بها غير المسلمين، فهل تتواصلون معهم ومع نتائجها التي تتفق مع القرآن والسنة؟

نعم تتابع الهيئة ما يتوصل إليه علماء الكون - بصرف النظر عن دينهم - وما يكتبون وما ينشرون من حقائق علمية مما له صلة بالقرآن والسنة ودراستها وتمحيصها على المستوى العالمي، كما نحرص على إرسال المتخصصين من المسلمين للمشاركة في المؤتمرات الدولية ونشر أبحاثهم في المجلات المتخصصة، وكذلك الاستعانة بالعلماء الشرعيين والعلماء الكونيين من المسلمين وغير المسلمين، وتوثيق الصلة بالمختصين من الهيئات والعلماء للاستشارة وتبادل المعلومات لتحقيق أهداف الهيئة .

ويتم عقد المؤتمرات والندوات والتعاون مع الجامعات والهيئات العلمية وإعداد المتخصصين وتقديم المنح الدراسية في مجال أبحاث الإعجاز العلمي، وحث الجامعات على تبنيها وإنشاء مراكز وفروع للهيئة في مختلف الدول وتوفير الأجهزة الفنية لتغطية متطلبات الأبحاث والنشر .

كيف يتم توصيل موضوعات الإعجاز العلمي إلى المناهج الدراسية لتتعرفها الأجيال الجديدة من المسلمين؟

نسعى باستمرار لدى المسؤولين عن التعليم العام والخاص في العالم الإسلامي، لإدخال الأبحاث المعتمدة ضمن المناهج التعليمية في المراحل الدراسية المناسبة، وكذلك نعقد اجتماعات ولقاءات مع العاملين في المؤسسات التعليمية ذات الاهتمام، لتحقيق التعاون في هذا المجال .

وبفضل الله تتم الاستفادة من الحاسب الآلي في جمع ما نشر من بحوث، وتصنيفها حسب الموضوعات العلمية المتعلقة بها، وحصر ما قاله المفسرون وشراح الأحاديث وجميع ما يتعلق بها من بيانات ومعلومات، وإعداد أفلام وبرامج تلفزيونية لعرض حقائق الإعجاز من خلالها بصورة مشوقة، والرد بأسلوب علمي مقنع على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام ويلبسونها أثواباً علمية .

تأهيل الدعاة

الدعاة هم وسائل وأدوات توصيل موضوعات الإعجاز العلمي لعامة الناس . . فكيف تؤهلونهم للقيام بهذه المهمة؟

نقوم بتنظيم دورات تدريبية للراغبين في المحاضرة والبحث في مجال الإعجاز العلمي، وتزويدهم بما يحتاجون إليه من الأفلام والشرائح العلمية المصورة، وكذلك إصدار الأبحاث في كتيبات وإمداد الخطباء والمحاضرين والمدرسين بها لتوصيلها إلى عامة الناس في المساجد والمدارس والجامعات .

كما نقوم بتنظيم حلقات نقاشية مع كبار علماء العالم الكونيين، ويدعى الناس لحضورها مع دعوة الإعلاميين لتغطيتها ليسمعوا شهادة العلم بصدق ما ورد في الكتاب والسنة، ومن ثم يقوم الإعلاميون بدورهم في إيصالها للجماهير، وكذلك ندعم عرض الإعلام بكل وسائله للحقائق العلمية من المنظور الشرعي من خلال الصحف والفضائيات والانترنت، كما تحرص الهيئة على استخدام الإعلام لتوصيل ما أنجزته من خلال مجلة الإعجاز العلمي، وأصدرت الهيئة أشرطة فيديو بعنوان (إنه الحق) باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والأوردية والتركية حول وقائع مؤتمرات الإعجاز .

ما المسار الذي تسلكونه لإثبات الإعجاز العلمي في القرآن؟

هناك كثير من أهل الاهتمام بشأن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في العالم يتأملون في الآيات المنظورة، أي الكون بكل مظاهر الحياة فيه وظواهره الطبيعية، وكذلك من يتأملون الآيات المسطورة وهي القرآن والسنة، ووجدوا أن هناك توافقاً تاماً وانسجاماً بديعاً بينهما، وهذه هي الحجة البالغة الدالة على أن من خلق الأكوان هو من أنزل القرآن .

ضوابط صارمة

هل هناك ضوابط أو قواعد تسير عليها الهيئة في العمل والبحوث؟

ألزمت الهيئة نفسها بضوابط صارمة، أهمها تجاوز الفرضية والنظرية وتخطي هذه المرحلة إلى مرحلة الحقيقة العلمية التي لا تقبل النقض ولا التغيير، ووجود الدلالة الظاهرة على تلك الحقيقة في كتاب الله أو ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والربط بين الحقيقة ودلالة النص بأسلوب ميسر وسهل، وأن تكون الدلالة وفق مفهوم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ونحن لا نبحث في الأمور الغيبية التي اختص الله نفسه بعلمها والتي آمنا بها وصدقنا بمقتضاها، وأن يكون تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة الصحيحة ثم بالآثار التي صحت عن سلف الأمة ثم بدلالة اللغة العربية .

لكن ما تفسيركم للطعن الذي تعرضت له بعض البحوث في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؟

هذه البحوث ليست صادرة عنا، وهناك بحوث غير منضبطة تسرع أصحابها أو غفلوا عن بعض الضوابط العلمية، وهذه لا تمثل إلا حالات قليلة ومرفوضة، لذلك فإن الهيئة عندما تنظر في بحث تضعه في مكانه على حسب قربه من تحقيق الشروط والقواعد .

لا شك في أن من أسباب تخلفنا العلمي ضياع القدوة في التعليم وتراجع مكانة العالم والمدرس، فكيف كانت أوضاع هؤلاء في الماضي؟

أدرك حكام الدولة الإسلامية في القرون الأولى أنه لا تقدم علمياً من دون التشجيع على التخصص في مختلف العلوم ورعاية العلماء، وتقديم المكافآت والجوائز لهم وتخصيص الأوقاف للبحث العلمي وإدخال مضامين العلوم في وسائل العمل والإنتاج، ما أثمر تقدماً تقنياً رائعاً على مستوى العالم الإسلامي، حيث تكامل ما أبدعه المدرسون والعلماء المسلمون مع ما تمت ترجمته من ثقافات الحضارات القديمة والمعاصرة مثل الفارسية والرومانية والهندية والصينية، وكذلك بناء المكتبات التي تضم كل الكتب العلمية وتيسير الوصول إليها وإقامة المنتديات العلمية وتشجيع حلقات البحث والحوار وتأمين الأجواء المناسبة للنقاش الهادف والحر .

يعد المنهج التجريبي العمود الفقري للعلم الحديث، وينكر الغربيون أي جهود للمسلمين فيه . . بماذا تردون على هؤلاء؟

يذكر المؤرخون المنصفون من أبناء الحضارتين الإسلامية والغربية أن حضارتنا أول من اعتمد منهج البحث التجريبي في مجالات العلوم التطبيقية، خلافاً لما كان معهودا عند غيرهم من الأمم، وإذا كانت العلوم الطبيعية عند اليونان دراسات فلسفية ميتافيزيقية تقوم على منهج عقلي استنباطي فقد تحولت على أيدي العرب إلى دراسات علمية تستند إلى منهج تجريبي .

وهذا يرد على تلك الدعوى الكاذبة التي تزعم أن أوروبا هي التي استحدثت المنهج التجريبي، لأن الفكر الإسلامي أول من ذهب إلى أن الملاحظة والتجربة هما أساس العلم لا التفكير المجرد وحده، وتؤكد المراجع التاريخية والعلمية أن روجر بيكون وهو أول من نادى بالمنهج التجريبي في أوروبا إنما استقى علومه من جامعات الأندلس .

تؤكد الإحصاءات أن المسلمين هم أقل الشعوب إنفاقا على البحث العلمي . . فما تأثير ذلك في واقعنا العلمي؟

أقول لحكامنا تأملوا التاريخ لتعلموا ما كان عليه كثير من الخلفاء والأمراء، حيث كانوا يهتمون بالعلم والعلماء ويفرضون العلم على أولادهم وإخوانهم ومماليكهم، بل كانوا يعلمون الجواري ويثقفونهن ويحفظونهن القرآن والأشعار والأخبار ويعلمونهن النحو والعروض، فمثلا كان عند زبيدة زوجة هارون الرشيد وأم الأمين مئة جارية يحفظن القرآن، وكان يسمع من قصرها دوي كدوي النحل من القراءة لأهمية الدافع الإيماني في تشجيع الهمم، وكان هذا المحرك الحقيقي لتلك النهضة العلمية العالمية التي أنتجها المسلمون وبنى عليها الغرب نهضته العلمية المعاصرة .

وسيلة دعوية ناجحة

لماذا تكثرون من الندوات والمؤتمرات العلمية حول الإعجاز العلمي وما فائدة ذلك للمسلم الذي يريد معرفة حقائق دينه؟

هذه الندوات والمؤتمرات وسيلة دعوية ناجحة، فنحن نعرض من خلالها حقائق الإعجاز العلمي ونتحاور مع علماء وباحثين مسلمين وغير مسلمين، وهذه الحوارات مفيدة جداً، ومن أهم أدوات الدعوة في عصرنا الذي يحترم العلم والعقل، وغير المسلم خاصة لو كان باحثاً أو عالماً ليس في حاجة إلى خطب منبرية وحناجر قوية، بل في حاجة إلى المناقشة والجدل بالحسنى وبيان الحقائق العلمية من المنظور الشرعي، ولهذا اعتنق كثير من مشاهير العلماء الإسلام عندما علموا مواطن الإعجاز التي تؤكد صدق رسالة الإسلام ودعوته، وهذا وجدناه في مؤتمراتنا منذ إنشاء الهيئة في مختلف دول العالم .