راشيا الوادي.. عروس حرمون والذهب الأبيض

من قلعتها تحقق استقلال لبنان
01:04 صباحا
قراءة 4 دقائق
بيروت: ألبير خوري
عند سفح جبل حرمون - «جبل الشيخ أو الثلج»، عند العرب، وعند تقاطع استراتيجي يجمع ما بين لبنان وسوريا وفلسطين، بلدة مسكونة بالهدوء والتآلف بين سكانها الثمانية آلاف، من المسيحيين والدروز، تطل على وادي التيم، الذي أعطاها اسمها راشيا الوادي، تميزاً عن راشيا الفخار. ويرتبط تاريخ راشيا الوادي المعاصر باستقلال لبنان في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 1943، وخروج قوات الانتداب الفرنسية عن أراضيه، وذلك بعد أحد عشر يوماً من اعتقال عدد من القيادات الوطنية في زنزانات منفردة في قلعة البلدة التاريخية، وعلى رأسهم رئيسا الجمهورية والحكومة آنذاك بشارة الخوري، ورياض الصلح، والوزراء: كميل شمعون، وسليم تقلا، وعادل عسيران، والزعيم الطرابلسي عبدالحميد كرامي، ما دفع اللبنانيين، شعباً وقيادات وأحزاباً، إلى انتفاضة عارمة انتهت بإطلاق المعتقلين، واعتراف الحكومة الفرنسية باستقلال لبنان الكامل والناجز.

صحيح أن قلعة راشيا الوادي التي يعود تاريخ بنائها إلى أيام الحملات الصليبية في القرون الوسطى، تشكّل أحد أهم معالمها وتشع بالأضواء في الأعياد الوطنية، لكن تاريخ البلدة وجغرافيتها وآثارها المكتشفة، وكثيراً منها مازال تحت الأنقاض، تؤشر إلى دورها الكبير سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في العصور القديمة.

فضة ومدافئ

يعيد عدد من علماء التاريخ والآثار اسم راشيا إلى العهد الآرامي، ويعني «رأس آيا»، و«آيا» إله المطر والعواصف لدى الآراميين، الذين وجدوا في جبل حرمون حصناً يقيهم من غزوات القبائل الأخرى، هذا بعض ما كشف عنه عالم الآثار الفرنسي كليرمون غانو، ولفت في الوقت نفسه إلى ارتباط البلدة في تاريخها القديم ب «حرمون الجبل المقدس»، ويذكر في دراسة مطولة، أنه بالنظر لعظمة وامتداد جبل حرمون، اتخذه الكنعانيون إلهاً أسموه «بعل حرمون»، فأقاموا على قممه هياكل ومعابد ل«البعل الكبير المقدس»، وذكر الرحالة المستشرق الفرنسي لويس لورتييه في دراسة له عن المنطقة التي زارها أوائل القرن العشرين، عبارة تتصدر مدخل أحد المعابد باللغة اليونانية، تقول: «بأمر الإله الأعظم المقدس، من هنا الطريق لمقدمي النذور»، وهي، حسب لورتييه، ترشد الناذرين لبدء الطواف حول دائرة «قدس الأقداس»، على أعلى قمة الجبل وصولاً إلى الإله الأعظم، أي «بعل حرمون»، ويلفت الباحث إلى أن ثلوج حرمون، كانت عبر التاريخ ترطب موائد ملوك صيدا وصور ودمشق وفلسطين وفراعنة مصر، حيث كان الثلج ينقل بحراً إلى مصر، وكان يعرف ب«الذهب الأبيض»، ونظراً لموقع جبل حرمون بين الصحراء السورية والبحر المتوسط، شكّلت راشيا محطة استوطنها الرومان ثم الصليبيون، في العصور القديمة، ثم تعاقب على حكمها، المماليك والأُمراء المعنيون والشهابيون والولاة العثمانيون والانتداب الفرنسي، الذين بعد جلائهم عن لبنان، تمركزت في القلعة، قوات من الدرك اللبناني وبعض الإدارات الرسمية، ثم تسلّمها الجيش اللبناني، وقد أدرجت القلعة أخيراً على لائحة الأماكن السياحية في لبنان، ومثلها سوق راشيا الأثري، الممتد على طول 205 أمتار، مرصوص بالحجارة بشكل هندسي، ويشكّل السوق التراثي الوحيد في منطقة البقاع، خصوصاً أنه مازال حتى اليوم يضم بعض الحرف الفنية القديمة، مثل حرفة الفضة، التي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، إبان حكم الشهابيين، الذين كانوا يعتمدون على حرفيي راشيا، لتأمين زينة نسائهم من حُلي وأقراط وزنانير وعقود وقلادات وخواتم، كذلك تشتهر راشيا بصناعة المدافئ على الحطب أو المازوت.

تراث معماري

يبقى أن أهم ما يميز راشيا الوادي، التراث المعماري التقليدي الذي يظهر في بيوتها القديمة المبنية بالحجر والمسقوفة بالقرميد الأحمر، ولبعضها علّية إضافية تدعى «طيارة»، ولواجهتها الرئيسية أشكال هندسية مميزة بالقناطر الحجرية، للتوزيع الداخلي للمنزل، يشمل صالوناً كبيراً يسمى «الليوان»، ويتفرغ منه عدد من الغرف ترتفع إلى نحو خمسة أمتار.

وراشيا بلدة زراعية، تحتل فيها الكرمة مكاناً أساسياً منذ مئات السنين، وتشهد على ذلك عشرات المعاصر القديمة بين الكروم، حيث لم يكن الإنتاج لغايات تجارية، بل كان تأميناً لحاجات غذائية معيشية، تبدأ بعنب المائدة، الذي يتحول عند تجفيفه إلى زبيب، وعند عصره وتنقيته من المواد الحمضية وطبخه على نار قوية، يصبح دبساً للتحلية، وهو مادة غذائية طبيعية غنية بالكالسيوم والحديد، ويمكن تناوله كشراب بعد مزجه بالماء.
وإلى الكروم، تشكّل سفوح حرمون والمناطق الحرشية في راشيا الوادي مرعى طبيعياً واسعاً للنحل، الذي يجني من زهور ونباتات المنطقة، وخاصة «زهرة الشنديب»، أجود أنواع العسل الصيفي، نظراً لنوعية المراعي وارتفاعها، التي تصل إلى حدود قمم حرمون، بعيداً عن أشكال التلوث، كذلك ينتج نحّالو البلدة مادة «الهلام الملكي»، التي تعتبر مادة طبية ذات مميزات فريدة.

المواقع الأثرية

أطلال «معبد وادي الأرادين» عند أسفل بلدة العقبة.

قصر عين حرشا الروماني، حيث ينتصب معبداً لا يزال كاملاً حتى اليوم، باستثناء سقفه الذي تهدم، وشُيد المعبد حوالي عام 113 قبل الميلاد، ونقشت على صخوره رسوم منها لآلهة القمر «سلان»، وإله الشمس «هليوس»، ويحيط به نواويس ومغاور، ويبعد عن راشيا مسافة 10 كيلومترات.
أطلال «قلعة رومانية» في عيحا، ما زالت أساساتها ظاهرة للعيان، رغم بناء المساكن فوقها، وبالقرب من القلعة التي تطل على ساحل عيحا، بعض تماثيل وحجارة نقش عليها كتابات مختلفة تعود إلى عصر ما قبل المسيح.
وعلى الطريق نفسها باتجاه قرية بكا، التي تعني المبكى ومكان المناحة، يوجد معبد روماني بنيت فوقه المساكن.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"