داخل خيمة كبيرة وسط صحراء منطقة الأغوار تصدّر الفنان نبيل المشيني جلسة بدوية ضمت وجهاء العشيرة، وبعد مشاورات قصيرة معهم أكد بصوت واثق رخيم وجوب ترك أعراف اجتماعية متبعة في استخلاص الحقوق واعتماد القانون الرسمي المستمد من الشرع، وبعد حصده تأييد الموجودين صرخ المخرج مازن الكايد معلناً إيقاف التصوير.
بهذه الأجواء تم تصوير المسلسل البدوي الجديد راعي الصيت تأليف مصطفى صالح وإخراج مازن الكايد وبمشاركة نخبة من النجوم الأردنيين وسعوديين وكويتيين. وأثناء التصوير في الصحراء التقينا فريق العمل في هذه الجولة:
يقول المخرج الكايد: هذا المشهد الختامي للحلقة الأخيرة من مسلسل راعي الصيت يلخص تناوله في ثلاثين حلقة منفصلة متصلة انتقاء صاحب سمعة طيبة ليحكم بين الناس من خلال قصص درامية لمتجاوزين يرتكبون سلوكيات سلبية وينالون عقوبات متفاوتة.
ويضيف الكايد: تستعرض كل حلقة انتهاكات وخلافات حول المال والثأر والشرف والنسب والزواج وغيرها، وفق حوادث يختصم أطرافها عند أحد قضاة البدو الذي يطلق عليه فكاك النشب أي فاصل الاشتباك حيث يستند الى قصاصي الأثر وخبراء الفراسة للنطق بقراره النهائي ويستعين أحياناً بوضع الحديد الساخن على لسان أحدهم لرصد آثار النار من عدمها في بيان براءته.
ويشير الكايد الى أن العمل الذي كتبه مصطفى صالح يختلف عن نسخة سابقة عنوانها محاكم بلا سجون عرضت قبل نحو ربع قرن ضمن الخط الدرامي الرئيسي ذاته، محدداً التفاوت في نوعية الموضوعات المطروحة، والوصول هذه المرة الى خلاصة وجوب درء العادات المتبعة لإصدار أحكام متناقضة مع سير العدالة المدنية في مقدمتها التنازلات الشكلية عن حق المجني عليه وكتمان ضغائن لاحقة والقصاص الفوري الذاتي وانتهاج تسويات شعبية جاهات معطلة أحيانا للشق الجزائي القانوني بعد الحوادث المختلفة.
ويشير الكايد الى تعمده الابتعاد عن صور جمالية مبالغ فيها للبيئة الصحراوية رأى أنها باتت تطغى على مضمون الأعمال البدوية وفق فانتازيا وصفها بأنها كليبات شكلية، فيما أرجع تأخر انجاز المسلسل الذي كان من المفترض عرضه خلال شهر رمضان الماضي الى حاجة كل حلقة لاستعدادات وتجهيزات مضاعفة إضافة الى ارتباطات بعض الفنانين بأعمال أخرى.
ويتكىء نبيل المشيني على عصا مواصلاً تقمصه شخصية أحد حكماء أهل الصحراء خلال مراجعته طريقة نطق المصطلح البدوي السواتي ويفسره بأنه مجموعة الأعراف والتقاليد المتوارثة بين الأجيال مؤكداً عدم انتقادها في العمل بقدر استعراضها وتفنيدها بقصد الابتعاد عن ممارسات كانت متبعة للحكم في الأمور قبل صدور قوانين حكومية رسمية أصبح لزاماً احترامها وعدم تجاوزها.
ويجد المشيني في حلقات العمل المستقلة مساحة واسعة للتنويع في تجسيد الأدوار حتى مع انتقاله في عباءة القاضي أكثر من مرة ويعقب: نسلط الضوء على طبيعة نظام القضاء البدوي بدءاً من عملية اختيار المحكمين والكفلاء وحيثيات الوقائع الاجتماعية ومعايير الفصل فيها حتى نصل في النهاية الى أن أساليبنا الجزائية التي لاتزال موجودة واقعياً في مواقف معينة ما عادت تتوافق مع الدستور الحديث وعلينا تفاديها.
ويوضح المشيني استناده في احدى الحلقات إلى وسيلة الكي عقاباً على سلوك خاطىء وتلبيته في أخرى استجارة أحد المشتكين بصاحب نفوذ بعد رفض المشتكى ضده الحضور، ورجوعه في ثالثة الى اقتفاء أثر متهم في قتل قريبه للظفر بأمواله الى جانب بحث تفرعات حياتية صغيرة ضمن القضايا الرئيسية بمساعدة وجهاء المكان.
وتتقاسم لارا الصفدي ومديحة كنيفاتي ودانا جبر تجسيد الأدوار النسائية الرئيسية في عدة حلقات من بينها صبحا بنت الشيخ شعلان الفتاة المفقودة ليلة زفافها وسط تأويلات يثبت عدم صحتها، وغندورة المخطوفة قبل أن ينقذها ابن عمها حاكم ويتزوجها، وكمايل أجمل شابات القبيلة والتي تلاحقها العيون وتحاك حولها أكاذيب أخريات بداعي محافظتهن على أزواجهن خوفاً من اقتران أحدهم بها.
ويبدي طلال السدر (السعودية) ومها محمد (الكويت) سعادتهما لمشاركتهما في ثالث عمل بدوي أردني بعد الرحيل وعيون عليا للأول ونمر بن عدوان وعيون عليا للثانية ويعقب السدر بقوله: اللهجة البدوية الأردنية قريبة لنا في دول الخليج ونحن اعتدنا متابعة مسلسلات مشابهة قديمة ضمت كبار النجوم واكتسبنا معطيات الأداء المطلوبة تلقائياً.
ويشير السدر الى أن خطوته الأولى ضمن الدراما البدوية الأردنية جاءت وفق عرض من المخرج سائد الهواري للمشاركة في الرحيل بعدما التقيا في الجزء الثاني من المسلسل الخليجي أسوار ويضيف السدر: أدركت صعوبات مضاعفة تواجه التصوير في الصحراء بين أجواء خارجية تستوعب طقساً متقلباً ومخاطر طارئة وهذه خبرة اضافية تفيدني الى جانب وجودي بين فنانين أصحاب خبرات وتجارب متنوعة.
ويرى حابس حسين الذي شارك في نسخة العمل السابقة طرحاً مغايراً في النسخة الحالية يتوافق مع ضرورة الفصل بين عادات وتقاليد أصيلة يجب توارثها جيلاً بعد آخر، وتصرفات أخذت نهجاً عرفياً لم يعد يتواءم مع متطلبات معاصرة، لافتاً الى تجسيده دوراً شريراً ملامحه الايقاع بين أبناء العمومة، وفي عمل ثانٍ فارساً يحارب قاطعي الطرق واللصوص.
ويؤكد محمد المجالي تطلب الأدوار المتعددة ضمن الحلقات المنفصلة للعمل ذاته مجهوداً معنوياً خاصاً ضارباً مثالاً انتقاله من شخصية صاحب حكمة واتزان في اصدار القرارات الى شاب يعاني قصوراً في الوعي ويعيش مع والدته في حالة ساذجة تسيطر على اهتماماتهما المتواضعة أمور هامشية، ويرى المجالي أن قناعة المشاهدين مرتبطة بمدى قدرة الممثل على ايصال التعبيرات المتباينة أكثر من الاكسسورات الشكلية المساهمة.
وفيما يتناوب عبدالكريم القواسمي وجميل عواد وداود جلاجل على تجسيد شخصيات حكماء البادية في حلقات مختلفة يشارك في العمل أيضا عبير عيسى وجولييت عواد ورفعت النجار وشاكر جابر وسهير فهد ونجلاء عبدالله وهيام جباعي وريم سعادة العائدة للتمثيل بدور مركب لأم تعيش مرحلة طفولية في سن متقدمة بعد غياب عن الدراما بررته سعادة بضعف العروض المقدمة سابقاً، فيما يتولى المصري محمد حبيب ادارة التصوير وعبدالله خليل تصميم الملابس.