قال تعالى: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون إبراهيم ،37 38.

وقفنا في المقالة السابقة عند قول ابراهيم الخليل فيماحكاه القرآن عنه وهو يدعو في الحرم الشريف: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم.

ونضيف على ما قلناه هناك أن المراد من قوله: فمن تبعني أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا. وقوله فإنه مني أي من أهل ديني، وتأمل تلك المبالغة الرائعة، حيث جعل الخليل إبراهيم أهل ملته كنفسه، وذلك مبالغة في بيان مدى قربهم إلى نفسه. قوله (ومن عصاني) أي فلم يتابعني ويدخل في ملتي.فإنك غفور رحيم قيل: قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك. وقيل: المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك. وقيل: إن هذه المغفرة مقيدة من التوبة من الشرك قبل الموت.

وننتقل الآن لنتأمل خاشعين قوله: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع.. فهذا هو الدعاء الثالث فقد طلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أولاً نعمة الأمن، وابتدأ بها لأنها من أجلّ النعم كما وضحنا في المقالة السابقة، وثنى بمطلوبه الثاني وهو أن يرزقه الله الثبات على التوحيد، ويصونه دوما عن الشرك، وهذا قوله.. واجنبني وبَني أن نعبد الأصنام وثَلث بقوله: ربنا إني أسكنت.. حيث طلب الرزق. ومن الملحوظ هنا أن إبراهيم عليه السلام حين طلب الرزق طلبه بضمير الجماعة في قوله ربنا خلافاً لسابقيه، لأن الرزق يطلبه المخلص ليعم لا ليخص فهو يطلبه باسمه وباسم ذريته، ويعم مؤمنهم وكافرهم كما قال تعالى منبها إبراهيم إلى أن يطلب لمن آمن ومن كفر، قال تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير البقرة 126.

ويمكن أن يقال أيضا: إن الدعاء المصدر به، والتمهيد الذي قدم بين يديه متعلق بذرية إبراهيم عليه السلام فأشركهم معه في الدعاء، ولأن التعرض لوصف ربوبيته سبحانه وتعالى لهم أدخلُ في القبول وإجابة المسؤول.

تأمل أخي القارئ قوله إني أسكنت من ذريتي.. تجده تمهيداً للدعاء، بَين فيه الخليل عليه السلام حال من يدعو لهم من ذريته، وشدة حاجتهم إلى رعاية الله تعالى وعنايته بهم. وبدئ بنداء الرب سبحانه وتعالى زيادة في التضرع، واستجلابا للإجابة، وتأكيدا للنداء السابق، وفي هذا ضرب من الربط بين الجمل المفتتحة بالنداء ربط المثل بمثله.

وأكدت الجملة بإن لتقوية مضمونها. و(من) في قوله من ذريتي للتبعيض، أي أسكنت بعض ذريتي، والمراد إسماعيل عليه السلام ومن سيولد له بدليل الجمع في قوله ليقيموا الصلاة.

والوادي: الارض المنخفضة بين الجبال، والمقصود وادي مكة.

ووُصف الوادي بوصفين هما: غير ذي زرع وعند بيتك المحرم.

وقيل: غير ذي زرع ولم يقل: غير مزروع، للمبالغة في أنه لا يوجد فيه شيء من زرع قط.

وكان ظاهر السياق أن يقال: إني أسكنت من ذريتي في واد غير ذي زرع، ولكنه عدل عن حرف الظرفية (في) إلى حرف الإلصاق (الباء) للدلالة على عدم تمكن ذريته في هذا المكان واستقرارهم فيه، لعدم توافر مقومات الحياة فيه من زروع وثمار ومياه، تلك التي تجعل المقيمين فيه يتشبثون به، ولا الأمن والحماية الذي يشعرهم بالأمن في ربوعه، هذا ما أوحى به حرف الباء، ولو قيل: في وادٍ، لدل على التمكن والاستقرار ووجود مقومات الحياة، وهذا ما لم يكن موجودا حينذلك، لذا كان من الملائم إيثار الحرف الذي يصور واقع المكان وطبيعته والذي يدل على وقوع الحدث أي السكنى بذلك المكان من دون دلالة على احتواء المكان له، واحتضانه وتمكنه فيه، بل مجرد الملابسة له، والالتصاق بأي جزء من أجزائه، وتلك دلالة حرف الإلصاق (الباء).

وقوله عند بيتك صفة ثانية لوادٍ، ويمكن أن يكون ظرفا ل (أسكنت)، كقولك: صليت بمكة عند الركن. واختار بعض العلماء هذا الإعراب، لأنه يدل على ان المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مبادئه ومقوماته إنما كان لمحض التقرب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الحرمة المشعر بعزة الملتجأ إليه وعصمته عن المكاره.

وأضاف البيت إليه سبحانه تشريفاً لشأنه وإعلاء لمكانته. وتسميته بيتا ولم يكن قد بني وقت دعاء إبراهيم عليه السلام من باب المجاز المرسل باعتبار ما كان عليه من قبل، حيث تعدد بناء الكعبة المشرفة، أو باعتبار ما سيؤول إليه الأمر من بنائه عليه السلام.

و(المحرم) صفة للبيت، ووصف بهذا الوصف، لأن الله تعالى حَرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو سُمي حرما لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه، أو لأنه تحرم فيه الدماء، وهو في ذاته حرم آمن يأمن كل من يأوي إليه، وقد بُنيِ في مكان قحل، وصحراء جرداء ليكون آمنا من طمع الطامعين، ورغبة المعتدين، إذ إنهم يرمون الأرض الخصبة ليشبعوا نهمهم، فكان بناء البيت في أرض لا يطمع فيها طامع، ولا يرومها فاتح.

ودل قوله عند بيتك المحرم على شرف المكان الذي أسكن به إبراهيم عليه السلام أهله وولده، فهو مكان مجاور لبيت الله الحرام أو في رحابه، وكفاه بهذا الجوار شرفا ورفعة. وعلل الخليل إبراهيم إسكانهم في هذا المكان بقوله: ربنا ليقيموا الصلاة، وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة، ولتأكيد النداء الأول والتنبيه عليه ولزيادة الضراعة، والاهتمام ببيان أن الغرض من إسكانهم بذلك الوادي هو العبادة لا غير، بيان ذلك انه لما قال: بواد غير ذي زرع نفى أن يكون إسكانهم للزراعة، ولما قال: عند بيتك المحرم أثبت أنه مكان عبادة، فلما قال: ليقيموا أثبت ان الإقامة عنده عبادة، وقد نفى كونها دنيوية، فجاء الحصر في ربنا من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود.

(وعلق ليقيموا ب أسكنت أي علة الإسكان بذلك الوادي عند البيت أن لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في ذلك البيت شاغل فيكون البيت معموراً أبدا. وتوسيط النداء، للاهتمام بمقدمة الدعاء زيادة في الضراعة، وتهيأ بذلك أن يفرّع عليه الدعاء لهم بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، لأن همة الصالحين في إقامة الدين).

وخصت الصلاة بالذكر لأهميتها ولفضلها ولتكررها مع الأوقات ولأنها عماد الدين. واللام في ليقيموا للتعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، والجار والمجرور متعلقان ب أسكنت، أي أسكنتهم لأجل إقامة الصلاة فيه، وأن يعمروه بصلاتهم.

وبعد أن ذكر إبراهيم عليه السلام في هذا التمهيد حالهم وحال الأرض التي أسكنهم بها دعا لهم طالبا من ربه فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.

والفاء تشير إلى أن ما تقدم من بيان حالهم هو من مبادئ إجابة دعائه وتحقق رجائه عليه السلام، وما بعد الفاء مترتب ومبني عليه. والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب، وهي مفعول أول لاجعل، ومفعوله الثاني جملة تهوي، والمراد: فاجعل أناسا يهوون اليهم. ولفظ الأفئدة يشير الى أن يكون مسير الناس اليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد.

ومن في قوله من الناس تبعيضية، أي: أفئدة من أفئدة الناس. ولو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليهم كل أهل الأديان والملل والطوائف، ولحجّ الى البيت هؤلاء.

وقبل: انها ابتدائية، كقولك: القلب مني سقيم.

وقيل: انها بيانية، والمعنى: فاجعل أناساً يقصدونها بحبات قلوبهم. وهذا قول ضعيف، لأن الأفئدة لا تحتمل ان تكون من جنس آخر غير جنس الناس حتى يبين أنها أفئدة من الناس لا من هذا الجنس الآخر.

والقول بأنها ابتدائية قول ضعيف ايضاً، لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي اليها، إذ لا يصح ابتداء جعل افئدة من الناس. ويبقى القول الصواب والله أعلم انها تبعيضية بدلالة الواقع المشاهد فإن بعض قلوب الناس تهفو الى البيت لا كلها.

والهوي: الهبوط بسرعة، وللفعل هوى عدة معان، يقال: هوى يهوي هوياً بالفتح، إذا هبط، وهو يهوي هويا بالضم إذا صعد، وقيل بالعكس، وهوى يهوي هويا: إذا اسرع في السير.

وذهب المفسرون أن الفعل هوى حق ان يتعدى باللام كما في قول الشاعر:

حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها بتك

وإنما عدي بإلى لتضمينه معنى الميل، كما في قول الشاعر:

تهوي الى مكة تبغي الهدى ما مؤمن الجن كأنجاسها

وأرى أنه لا داع للقول بالتضمين هنا ما دام المعاني المذكورة للفعل تؤدي بحرف الانتهاء الى، وذلك ان ابراهيم عليه السلام اسكن ذريته بواد، والمتجه الى هذا الوادي إنما يهبط من الجبال والتلال التي تحيط بمكة اليه. والى تشير كذلك مع الفعل تهوي الى جعل منتهى غاية ومقصد الناس هذا المكان ومن فيه، فتسرع اليهم وتقصدهم برغبة وشوق ولهفة وهنا معنى الاسراع، ومعنى الصعود يمكن ان يراد هنا كذلك إلماحاً الى شرف ذلك المكان، وسمو المقصد. والى تلمح الى ارتفاع نفوس الحجيج وعلوها بعلو الهدف والغاية التي يسعى اليها، ومن شواهد تعدية هذا الفعل بحرف الانتهاء الى دالاً على معنى الصعود قول الشماخ:

على طريق كظهر الأيم مطرد يهوى الى قنة في منهل عال

واطلاق تهوي على الاسراع في المشي استعارة تبعية، وأوثر هذا الفعل لما فيه من دلالة على غاية السرعة التي لا يمنعها شيء لأنها سقوط من أعلى الى اسفل. وما أروع هذا التعبير أفئدة من الناس تهوي اليهم حيث جعل القلوب نفسها تهوي. وفي التعبير رقة ورفرفة، تصور القلوب مجنحة وهي تهوي الى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب، إنه تعبير ندي يندي الجدب برقة القلوب. والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم.

ولما دعا ابراهيم عليه السلام لذريته بالدين، دعا لهم بالرزق فقال: وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ارزقهم من الثمرات عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج ليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا، ليتحقق من ذلك ما يرجوه ابراهيم عليه السلام لعلهم يشكرون.

وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام، أنه إقامة الصلاة على اصولها كاملة لله. ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويها الي أهل البيت، ورزقهم من ثمرات الأرض. إنه شكر المنعم الوهاب.

وجاء الدعاء الثاني معطوفاً على الدعاء الأول، وكان الوصول للتوسط بين الكمالين، لاتحادهما في الانشائية مع التناسب.

ومن في قوله من الثمرات للتبعيض. والتعريف في الثمرات للاستغراق العرفي، أي من جميع أنواع الثمرات المعروفة للناس. ولعلهم يشكرون رجاء داخل في الدعاء، جعل تكملة له تعرضا للإجابة، وزيادة في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين. وهذا الدعاء يعني توافر أسباب الانقطاع للعبادة، وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب، وفيه دليل على ان تحصيل منافع الدنيا إنما ليستعان له على أداء العبادات وإقامة الطاعات، فيجب ان تسخر في الطاعة لا المعصية، في الشكر لا الكفر.

ونزل الفعل يشكرون المتعدي منزلة الفعل اللازم من خلال حذف المفعول به لرجاء اتصافهم الشكر في كل احوالهم وعلى الاطلاق.

وبهذين الدعاءين الكريمين ضمن ابراهيم عليه السلام لذريته اسباب الحياة في واد مقفر لم تكن تتوافر فيه أي مقومات للحياة حينذاك. وقدم الدعاء الأول على الثاني لما أن الأول من أسباب الثاني، فالناس حينما يفدون عليهم سيحملون معهم من خيرات بلادهم ما يستطيعون، ويتم البيع والشراء وتبادل المنافع، فتزدهر الحياة، ويتحقق الخير والرخاء وقد اجاب الله دعاء نبيه الكريم، فجعله حرماً آمناً تجبى اليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه، ثم فضله في وجود اصناف الثمار فيه على كل بلد، وعلى اخصب المناطق واكثرها ثماراً، وانك لترى بواكير الثمار والفواكه المختلفة الأزمان في يوم واحد، وتلك من آيات الله.

والله أعلم بمراده، والحمد لله رب العالمين.

[email protected]