في فصل الشتاء الذي تكثر فيه الرحلات إلى الصحراء، للتمتع بالطبيعة الجميلة والطقس الخلاب والابتعاد عن زخم المدينة وأفكارها المتداخلة، يخرج بعض الناس من بيوتهم من أجل التخييم لليلة أو أكثر بشكل متكرر وعلى فترات قد تكون متباعدة أوقصيرة . تبدأ الرحلة بالمشاورة بين الأصدقاء أو العائلات وتوزيع المهام والخروج مصطحبين معهم حاجياتهم الأساسية الخاصة بالرحلة، والبحث عن مكان يوجد فيه جيران، طلباً للمساعدة إن اقتضى الأمر، حيث يوجد ما يشغلون به أوقاتهم في النهار وفي الليل، خاصة أنه لكل منهم أجواؤه الخاصة التي تريد التمتع بها هناك .

يوضح خالد يوسف بن هويدن، موظف في وزارة الداخلية في الشارقة، أن سبب خروجهم إلى رحلات البر هو الهروب من المدينة والمباني والمراكز التجارية، لأنها تصبح مملة، وطوال الأسبوع عمل ودوام رسمي وواجبات، وأنه غالباً ما يخرج مع الأصدقاء، حيث يخيمون ليلة كاملة، وعندما يخرج مع العائلة، فإنهم يعودون قبل منتصف الليل .

وعن التجهيزات قبل الخروج إلى الرحلة يقول: سواء إن ذهبنا في رحلة شبابية أم عائلية فإن الحاجيات لا تختلف، ورحلة التحضير لها تبدأ من أنني أذهب إلى السوق وأشتري الحطب والفحم والعصائر وذبيحة للشواء والدجاج المحشي الذي نلفه بورق القصدير، وأحجز طلبي من اللحم والدجاج قبلها بيوم أو يومين، كي يكون جاهزاً في الموعد المقرر، يضاف إليها كوار، وهو الإناء الحديدي الذي يوقد فيه الفحم، والشاي والقهوة والماء البارد في الحافظات ومولّد صغير كي ننير به المكان .

ويضيف: فيما يخص مستلزمات الأكل، نستخدم أدوات المطبخ التي نستعملها في المنزل لا البلاستيكية، حتى الكؤوس نستخدم الزجاجية، ويتم وضعها كلها والدراجات النارية في جالوفة وهي القاطرة التي تربط بالسيارة، وتحسباً لأي مكروه أحمل معي في السيارة حقيبة مزودة بمعدات الإسعافات الأولية، وجهاز إطفاء الحريق، والأدوات الصحية والتعقيم .

ويؤكد أنه سواء كانت الرحلة مخصصة للشباب فقط أو للعائلات، فإن لكل نوع منهما نكهته الخاصة، باستثناء أن الشبابية يكون وقتها أطول من العائلية، ويقول: عندما أخرج مع الشباب، أذهب وحدي إلى مكان لقائنا ومن ثم يتوافد البقية، إلى أن يكتمل العدد، أما بالنسبة للرحلات العائلية فإننا نخرج في التوقيت نفسه، كي نتجمع في المكان معاً وإن كان هناك فارق في الزمن يكون بسيطاً، ونخرج من الساعة الرابعة عصراً أيام الخميس شتاءً، ابتداءً من نوفمبر/ تشرين الثاني إلى يناير/ كانون الثاني أو فبراير/ شباط، وذلك حسب الطقس، وهناك من يبيت فيها ليلة واحدة أو ليلتين وهناك من يبقى 3 أو 4 ساعات فقط، ولا داعي للخوف من وجود الحيوانات والحشرات، لأنه في الجو البارد شتاءً لا يظهر شيء منها .

ويقول هويدن بن هويدن، موظف في القوات المسلحة في أبوظبي: نخرج في رحلات يصل عدد العائلات فيها إلى 10 ونقوم بأنشطة متنوعة أهمها متابعة الأطفال والاستمتاع برؤيتهم وهم يلعبون وسط الرمال ويركضون تعبيراً عن المساحة الناقصة التي لا يستطيعون أن يعبروا عنها في البيت والمدرسة، باعتبار أن البر يعطيهم الطاقة كي يعبروا عن مشاعرهم كلها دفعة واحدة من دون أن توجد أية حدود تقيدها .

ويضيف: نشارك الأطفال لعبة التزلج على الرمل، عبر ربط حوض بالسيارة أو الدراجة النارية وجره، فيشعر الشخص الذي يوجد في الحوض بسعادة كبيرة عندما يدور به مسرعاً على الرمال ونجول بالدراجات قليلاً من ثم نقعد على الحصيرة أو السجاد بالاستناد إلى مخدات صغيرة لتبادل الأحاديث .

وعن مكان تخييمهم يقول: نتخذ من العرقوب التل مكاناً لنا، ونراعي أن نكون متقاربين، لأنه قد يكون أحدهم بحاجة إلى مساعدة الآخرين، وساعدنا أكثر من مرة جيراننا في البر، ففي إحدى المرات أعطينا العائلة المجاورة لنا جهاز نفخ الإطارات، ولولاها لكانوا مجبرين على أن يذهبوا بسيارة أخرى ليقوموا بتزويد إطار السيارة بالهواء في إحدى محطات البترول التي كانت تبعد عنا مسافة طويلة، وفي حادثة أخرى قمنا بتوصيل بطارية سيارتنا بسيارتهم، لأنهم استهلكوا طاقتها بينما كان محرك السيارة متوقفاً عن العمل، وساعدنا عائلة أخرى بإخراج عجلات سيارتها عندما علقت في الرمال .

ويقول حسن الشامسي، موظف في شرطة دبي، أخرج وأسرتي برفقة عائلات أقربائنا، كل أسبوعين أو شهرياً لنجلس في الهواء الطلق، حيث يجلس الرجال معاً، ليشربوا الشاي والقهوة ويتحادثوا، كذلك تفعل النساء، وننسى همومنا كلها والتكنولوجيا ونعود للحياة السابقة بفطرتها، وبدوره الجيل الجديد متعلق بها، وأطفالنا يطلبون منا الخروج للبر على الدوام للأسباب نفسها .

ويضيف: أعددت خيمة مزودة بمطبخ وحمام وسور سناح لحمايتنا من الهواء البارد طوال فصل الشتاء، وقمت بوضعها في البر، وهي جاهزة للسكن في أي وقت، كذلك يفعل الكثيرون من الذين يصطحبون معهم عائلاتهم للتخييم في البر لليلة أو ليلتين، وفي حال خروجنا من دون خيمة، بإمكاننا النوم في حقيبة النوم المجهزة للاستخدام في الظروف الاستثنائية، ويضع فيها الشخص نفسه ويغطى به كامل جسده باستثناء الوجه .

وحسب الشامسي، فإن خدمة إرسال الهواتف النقالة متوافرة في أغلبية أماكن البر في الدولة، وعندما يفرغ شحن البطاريات تشحن بوصلة خاصة بها بالسيارة .

ويختم حديثه قائلاً: في نهاية الرحلة نجمع مخلفاتنا في أكياس سوداء مخصصة لذلك، ونحملها معنا في القاطرة ونضعها في أقرب حاوية قمامة نجدها في طريقنا .

ويصنف حميد النقبي، موظف في مؤسسة الإمارات للاتصالات في الشارقة، رحلات البر والتخييم حسب المدة التي يستغرقها، منها رحلات طويلة تستغرق أربعة أيام وأخرى قصيرة تبدأ من الصباح وتنتهي في الليل، وتتضمن تناول وجبة الفطور والغداء والعشاء هناك . ويقول: نخرج إليها في أيام العطل والإجازات والأعياد، إذ نعيّد الجميع، وفي العصر نذهب للتخييم، وهناك رحلات التخييم في الصيف أيضاً، وهي من أجل الصيد، إلا أنها خاصة بالشباب .

وعن التخطيط للرحلة، يقول: تبدأ الرحلة بالمشاورة مع إخواني الأربعة للخروج برفقة أسرهم، وأحياناً نخرج كلنا، ثم يقوم بعض شباب العائلة بالذهاب لموقع الرحلة أولاً، وعندما أكون من بينهم أخرج بعد صلاة الفجر، حيث نصطحب معنا الخيم والفواصل التي يتم وضعها بينها وبين المطبخ والحمام المخصصين للرحلات، والفرش والأسرّة والكراسي، إضافة إلى الكمية التي نستطيع حملها معنا من أدوات الرحلة، من الملابس والخضراوات والحطب والمواد الغذائية التي توضع في حافظات، ويتم وضعها كلها في القاطرة المخصصة لهذا الغرض، ويتم التنسيق مع الشخص المسؤول لملء الخزان بالماء الصالح للشرب .

ويضيف: بعد اختيار المكان المناسب، نقوم بتركيب الخيم لكل عائلة ونضع ما بينها الفواصل، وتقوم مجموعة أخرى من الشباب بالالتحاق بنا في الساعة السابعة صباحاً تقريباً، مصطحبين معهم ما لم نستطع حمله معنا، ثم يبقى شاب أو أكثر في المكان، ويقوم الآخرون باصطحاب الأهل، حيث نعود إلى هناك ظهراً، وكل عائلة تأخذ مكانها .

ويضيف أخوه علي النقبي، موظف في الشارقة: يقوم الشباب بالطبخ، حيث نطبخ جابسة الأرز أو أرزاً أبيض مع السمك المشوي، فيما تقوم النسوة بإعداد سلطة الخضراوات، وقبل البدء بالغداء نضع الشاي والقهوة على النار، لاحتسائهما مع الحلوى التي يتم إعدادها قبل الذهاب للرحلة، مثل البسبوسة والكنافة والقطايف .

ويضيف: بعد صلاة العصر تقوم النسوة المسنات بإعداد المأكولات المحلية، مثل البلاليط وخبز خمير وخبز جباب، وتوضع مع الفواكه والقهوة والشاي، ونقوم بالسباحة إن كنا قد خيمنا بالقرب من البحر، ونلعب الكرة الطائرة ونركب الدراجات النارية ويلعب الأطفال على الرمال إلى المغرب قبل الاستعداد للعشاء، حيث نقوم بإعداد المشاوي مثل التكة والكباب مع السلطة وأحياناً المعكرونة .

ويوضح أنه كلما قاموا بإعداد وجبة يجب أن يعطوا جزءاً منها للجيران المخيمين بالقرب منهم، كذلك يفعل الجميع، ويتابع: بعد العشاء بساعة أو ساعتين نجتمع للسهر وتبادل الأحاديث والضحك وإن كان الجو بارداً نوقد ناراً ونجلس حولها ونشوي الكستناء والذرة إلى أن يحين وقت النوم، وفي الصباح تقوم النسوة بإعداد الفطور .

وهناك من يتطلع إلى رحلات البر للتقرب إلى الطبيعة والحياة القديمة، ويقول عيد مطر (موظف في الشارقة): أعدّها فرصة للالتقاء بالأصدقاء والاستماع إليهم من دون وجود ما يقطع الحديث، وهدوء البر يساعد على استماع كل واحد إلى الآخر ومناقشة الأمور بكل سلاسة، بعيداً عن الانفعالية .

ويضيف: في البر نكتشف مدى ابتعادنا عن أعزائنا وأحبابنا في ظل زحمة الحياة ونكتسب فرصة للاسترخاء بعيداً عن زخم المدينة والأمور الحياتية، وعن التلوث السمعي والبصري .

ويؤكد أنه يعجبه في البر الهدوء الذي يجلب راحةً للعين في مد النظر نحو المسافات الشاسعة من دون أن يقطعها فاصل يعكر صفو استرسال الأفكار نحو الماضي، والتفكير في المستقبل من دون ما يؤرق النفس عن المشكلات التي تعترض حياتنا .

ويشير مطر إلى أن منظر إيقاد النار وجلوس الأصدقاء حولها لقضاء أجمل لحظات العمر وأكثرها إحساساً بالآخر، من أروع المناظر .

ويوضح رجب منير، موظف في شركة سياحية في دبي، أنه نتيجة للتنقل المستمر من المنزل إلى العمل ومشاغل الحياة المختلفة، فإن الحياة تضيق به ولا يجد فيها متنفساً إلا في اللجوء إلى الطبيعة الرحبة كي تنقله إلى عالم آخر من النقاء والصفاء، لذا فإنه وأفراد عائلته يقومون بالذهاب في رحلات إلى البر أيام العطل، وأنهم يخرجون في المساء إلى منطقة قريبة وآمنة ويخيمون هناك إلى الصباح .

ويقول: تمر فترات طويلة لا أشعر فيها بأنني وأسرتي نعيش في بيت واحد، بسبب انشغالي المستمر بالعمل وتفكيري الذي يربطني به، إضافة للجهد الجسدي الذي أبذله في سبيل ذلك، وتأتي الرحلة مثل محطة للاستراحة وتفريغ مشاعر الأبوة تجاه أطفالي، ومنح زوجتي وقتاً لاستعادة الذكريات الجميلة .

ويجد منير في الرحلة فرصة مناسبة لتناول الطعام بروح العائلة التي قد يحرمون منها في باقي الأيام، بسبب طبيعة عمله وزوجته ودوام أطفالهم المدرسي .

بهية عبدالمقصود، ربة منزل في الشارقة، تقول: نادراً ما أخرج وأسرتي إلى رحلات البر، إلا أنها تترك في أنفسنا أثراً عميقاً، باعتبارها اللحظات الأقرب إلى الماضي، لأن الليل الحالك والهدوء اللذين يرافقان الأحاديث المشوّقة يجعلانا نتفوه بأجمل الكلمات وأرق التعابير، خاصة مع الأطفال .

وتضيف: في كل رحلة نقوم بها نتفق وأقاربنا للخروج معاً، وننظم جدولاً لكافة التفاصيل، بدءاً من ساعة الخروج إلى العودة، وبعد قضاء الرحلة يعود كل واحد إلى حياته السابقة بشغف ومتابعة اليوم إلى آخره من دون التفكير بأي مسبب للغضب أو الحزن .