لا تزال حضارة المصريين القدماء وإبداعاتهم تبهر الكثير من شعوب العالم، وهي الحضارة التي حرصوا على ألا تتوقف عند القطر المصري، حيث تعدته إلى خارجه، بوصولهم إلى أطراف أخرى تجاوز الحدود المصرية. لم يكن هذا من قبل الطموح العسكري، ولكنه كان دافعا لتعزيز العلاقات التجارية مع الغير، والحرص على تقوية الداخل المصري باقتصاد قوي، فتأثروا بتجارة غيرهم، كما تأثر الغير بهم.

هذه الحضارة لا تزال تدهش الغربيين إلى اليوم، للدرجة التي جعلتهم يطلقون تكهناتهم بأن المصريين القدماء عرفوا الطيران بوصولهم إلى مناطق نائية في العالم، وأوصلهم حالهم إلى المكسيك وأقاموا فيها هرما يشبه أهراماتهم في الجيزة، كما فعلوا الشيء نفسه في بلغاريا، على حد ما تذهب إليه الدعاية الغربية بتراث الفراعنة.

من فرط الاهتمام الغربي بحضارة المصريين القدماء، ما أعلنته إحدى بعثات الآثار البلغارية في العاصمة صوفيا عن اكتشافها مقابر أثرية تشبه الأهرامات المصرية، فضلاً عن العديد من التماثيل لإيزيس وأوزوريس، ومجموعة من الأواني الفخارية الشبيهة بتلك الأنواع الشائعة في الآثار المصرية وقطع زجاجية مصرية وعملات معدنية قديمة.

وإذا كانت التكهنات السابقة قد جاوزت الحقيقة، فإن هناك واقعا على الأرض سجله علماء آثار سعوديون، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للسياحة والآثار في السعودية بعثور علماء الآثار هناك على خرطوش مذيل بتوقيع الملك رمسيس الثالث، بالقرب من واحة تيماء التاريخية في شمال المملكة.

من هنا أصبح الخيال الذي ظل يسيطر على كثيرين في الغرب هو بالعثور على آثار فرعونية في بلادهم، إلا أن هذا الخيال أصبح واقعاً ولكن في بلاد الشرق، باكتشاف آثار فرعونية لأول مرة في بلاد الحرمين الشريفين، ما يطرح العديد من التساؤلات، حول علاقة الفراعنة، وخاصة رمسيس الثالث ببلاد شبه الجزيرة العربية، قبل 3500 عام. كما يفتح الكشف الفرعوني في شبه الجزيرة العربية الحديث عن مستقبل هذه المكتشفات، وجدوى ترميمها، وإمكانية العثور على مزيد منها ليس في شبه الجزيرة العربية وحدها، ولكن في المناطق والدول المجاورة.

خبراء الآثار في مصر يجيبون عن التساؤلات السابقة بأن المصريين القدماء حرصوا على التواصل مع الآخر، وخاصة عندما ازدهرت حضارتهم في عصر الدولة الفرعونية الحديثة، والتي اتسعت معها الإمبراطورية المصرية لتنطلق إلى آفاق أرحب خارج القطر المصري. وكان من تأثيرات هذه الإمبراطورية أن اتجهت إلى الدول المجاورة لمصر، ومنها شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام وأقصى الجنوب الإفريقي، حيث كان هدف هذه الإمبراطورية تعزيز أواصر العلاقة مع البلاد المجاورة من ناحية، وتبادل التجارة معها عن طريق تسيير القوافل التجارية إليها من ناحية أخرى.

ويكشف الدكتور زاهي حواس، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، عن سبب آخر وهو نشر الديانة المصرية القديمة آنذاك، والتي كانت حديثة بالنسبة إلى الفراعنة، وخاصة بعد دعوة إخناتون لتوحيد الآلهة، ودعوته أيضا إلى عبادة الإله الواحد، حسب معتقداتهم القديمة.

ولا يبدي حواس دهشته من الاكتشاف الفرعوني في السعودية، نتيجة لما هو ثابت في التاريخ الفرعوني بأن المصريين القدماء خرجوا من القطر المصري، وتجاوزوه إلى الجنوب الإفريقي وآسيا مرورا بشبه الجزيرة العربية واليمن والعراق والصومال وسوريا والأردن.

ويلفت إلى أن هذا ليس بغريب على المصريين القدماء، الذين حرصوا على التواصل مع العالم، بما يعكس قوتهم وعمق حضارتهم، فمنذ الدولة الفرعونية الحديثة والتي كانت توصف بأنها العصر الذهبي للمصريين القدماء توسع الملوك وحرصوا على نشر ديانتهم الجديدة إلى آفاق أوسع، وليس داخل مصر فقط، ولكن خارجها.

ولذلك يؤكد حواس أن ظهور نقش هيروغليفي بالقرب من الواحة السعودية، والتي تحمل توقيعا ملكيا للفرعون رمسيس الثالث أحد ملوك مصر الدولة الفرعونية الحديثة والذي حكم في الفترة بين (1192 1160) قبل الميلاد جاء نتيجة للقوافل التجارية الفرعونية التي كان يتم تسييرها آنذاك من مصر إلى المناطق المشار إليها، ومنها شبه الجزيرة العربية.

ويكشف أنه في خلال عهد الأسر الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين للمصريين القدماء، شهدت مصر توسعا لإمبراطوريتها في الخارج، وبدأت تنتشر معها الديانة المصرية القديمة، ومن ثم الحرص على نشر الآلهة في خارج القطر المصري، ولذلك من الممكن أن يكشف المستقبل عن مزيد من الآثار الفرعونية خارج مصر، وهو ما نرحب به ونتعاون في ترميمه.

والواقع أن النقش الفرعوني الذي تم اكتشافه في السعودية لم يكن هو الوحيد من نوعه في خارج مصر، بل سبقته اكتشافات أخرى على نحو ما تم العثور عليه في فلسطين والأردن وسوريا وشمال العراق وليبيا والسودان، بما يجعل المستقبل يحمل العديد من الحقائق التاريخية ويكشف الكثير من الأسرار عن هذه الفترة التاريخية من التاريخ المصري القديم، خاصة بالمناطق التي شملتها الإمبراطورية المصرية القديمة إبان الدولة الفرعونية الحديثة. وفي هذا السياق يرجح الدكتور أحمد عيسى، أستاذ الآثار بجامعة جنوب الوادي المصرية، العثور على مثل هذه الاكتشافات نتيجة لأسباب تجارية وليس لأسباب عسكرية تتعلق بغزو مصري لهذه المنطقة.

ويرجع العثور على نقوش رمسيس الثالث بالقرب من واحة تيماء في شمال السعودية إلى أسباب تجارية، لأن تيماء قريبة من طرق تجارية استخدمها المصريون في علاقاتهم عبر محطات معروفة مثل البتراء ومدائن صالح والشام، كما أن منطقة تيماء لم تكن مطمعا لحكام مصر في تلك الفترة. وفي المقابل كان القدماء يصلون إلى هذه البلاد مثل شبه الجزيرة العربية وغيرها بحثا عن التجارة، لجلب أبرز ما تشتهر به هذه البلاد، فمن تيماء كان المصريون القدماء يحرصون على جلب البخور والنحاس والذهب، وهو ما كانت تشتهر به المنطقة السعودية، ومن بلاد بونت الصومال حاليا كان يتم جلب المعادن والبخور وغيرها. وللوقوف على الطبيعة التاريخية للدولة الفرعونية الحديثة التي شهدت رواجا تجاريا وعسكريا خارج مصر. يقول عالم الآثار الدكتور عبدالحليم نور الدين، أستاذ الآثار المصرية في كلية الآثار في جامعة القاهرة، هذه الفترة تميزت بالانتشار العسكري، والقضاء على كافة المحاولات التي كان يسعى المستعمرون للقيام بها، واحتلال مصر، ولذلك كانت تمثل مجدا عسكريا لمصر آنذاك.

ومع هذا الزهو آنذاك، حسبما يؤكد الدكتور نور الدين، فإن العلاقات التجارية المصرية مع الدول الأخرى كانت تنتعش إلى أبعد حد، حيث أخذ القدماء في الانتشار إلى البلاد المجاورة لتعزيز العلاقات التجارية مع الغير من ناحية، وتقوية الاقتصاد المصري من ناحية أخرى، بعد انتصاراتهم العسكرية. ويلفت إلى أن أهم ملوك الدولة الحديثة في التاريخ المصري القديم هو أحمس الأول قاهر الهكسوس الذي عمل على طردهم من أطراف مصر الشرقية، وأدركت مصر وقتها أهمية القوة العسكرية لحماية البلاد، فتم إنشاء جيش قوي لتكوين إمبراطورية عظيمة امتدت من نهر الفرات شرقا إلى الشلال الرابع على نهر النيل جنوبا، لتصبح مصر بذلك أول قوة عظمى في تاريخ البشرية، وصارت بذلك إمبراطورية عظيمة مترامية الأطراف وأقدم إمبراطورية في التاريخ. ثم توالى ملوك الدولة الحديثة فجاء أمنحتب الأول الذي أصدر قانونا بمنع السخرة وبوضع المعايير العادلة للأجور والحوافز، ثم تحتمس الأول المحارب الذي قام بتوسيع الحدود المصرية شمالاً وجنوباً ونشر التعليم وتوسع في فتح المناجم وصناعة التعدين.

بعده تولى تحتمس الثاني، ثم تحتمس الثالث الإمبراطور صاحب العبقرية العسكرية، ثم تحتمس الرابع الدبلوماسي الذي كان أول من اهتم بتدوين وتسجيل المعاهدات الدولية. وجاء بعد ذلك الملك أمنحتب الثالث أغنى ملك في العالم القديم والذي فتح المدارس بيوت الحياة لنشر التعليم والفنون التشكيلية والتطبيقية، ثم الملك إخناتون، والذي نادى بالتوحيد، حيث دعا إلى عبادة إله واحد ورمز له بقرص الشمس وأنشأ عاصمة جديدة للبلاد سماها اخيتاتون، ثم ابنه توت عنخ آمون الذي حاز شهرة كبيرة في العالم.

ومن أشهر ملوك الدولة الحديثة الملكة الشهيرة حتشبسوت التي حكمت مصر قرابة عشرين عاما، وبلغت مصر في عهدها أعلى قمة في الحضارة والعمارة والتجارة الدولية حيث أرسلت البعثة البحرية التجارية والعلمية إلى بلاد بونت، والمعروفة حاليا باسم الصومال.

ولا يغفل التاريخ قوة الفرعون رمسيس الثاني الذي هزم الحيثيين وعقد مع ملكهم أول معاهدة سلام في التاريخ، إلى أن جاء بعده رمسيس الثالث الذي صد هجمات الغزاة من البحر المتوسط، وحرص على تقوية بلاده عسكريا، ودعمها اقتصاديا بتسيير القوافل مع جيرانه، ولذلك كانت رحلاته إلى حيث العثور على النقش الخاص به في شمال السعودية.