د. محمد رأفت عثمان*

الإسلام دين رحمة ورفق بالإنسان أياً كانت عقيدته وأياً كانت حالته، فهو يتعامل معه بالرحمة والرفق في حالة الحرب، كما يتعامل معه في حالة السلم، لأن الإنسان له كرامته الإنسانية الذي ينبغي الحفاظ عليها حتى في ميادين المواجهة وساحات الحروب.
والشريعة الإسلامية جاءت بكل ما هو راق وإنساني في التعامل مع أسرى الحرب حتى ولو كانوا متورطين في جرائم ضد المسلمين، حيث أمرت بالتعامل الرحيم مع الأسرى على اختلاف مللهم وعقائدهم، ومراعاة حقوقهم الإنسانية كافة، وتحديد مصيرهم وفق منظومة الإسلام الأخلاقية والتي يسيطر عليها الرفق والرحمة والعدل.
وعدالة الإسلام وإنسانيته ورحمته تتجلى في جملة الآداب والأخلاقيات التي ضبط بها سلوكيات المسلمين مع بعضهم البعض ومع غير المسلمين في أوقات الحروب والصراعات التي يشتد فيها غضب الإنسان، وتسيطر على نفسه الرغبة في الانتقام، ولذلك خلت حروب المسلمين مما نراه الآن من قسوة وانتقام بشع وإهدار لأبسط حقوق الإنسان على أيدي المجرمين الذين أساؤوا إلى الإسلام بحماقتهم وجهلهم أبلغ إساءة.
ورغم ما في الحروب والمواجهات العسكرية من مشاعر غضب ورغبة في الانتقام والثأر، إلا أن شريعة الإسلام ترفض وتدين التعامل غير الإنساني مع الأسير، بل هي تكفل كل حقوقه وتضمن له حياة كريمة حتى يبت في أمره بالعفو أو الفداء، والإسلام لا يلجأ إلى الحروب والمواجهات العسكرية إلا عند الضرورة القصوى، فالسلام هو هدف المسلمين وثقافتهم التي تسيطر عليهم كل الوقت، فإذا ما تعرضت أوطانهم أو حرماتهم أو دينهم لعدوان فعليهم في هذه الحالات فقط أن يهبوا للدفاع عن دينهم وأوطانهم وحرماتهم، ولذلك عرفت حروب المسلمين عبر التاريخ بأنها حروب دفاعية، وحتى الفتوحات الإسلامية لم تكن عدواناً ولا إرهاباً، بل كانت تستهدف الدفاع عن حقوق المسلمين، حيث تعود الخصوم في كل عصور التاريخ على إهدارها وعدم الاعتراف بها.
وصور التسامح والرحمة تتجلى فيما قررته شريعة الإسلام من معاملة كريمة من جانب المسلمين لغيرهم في حالة الحروب، فالفضيلة لا ينبغي أن تفارق المسلم، وهو يتعامل مع إنسان في حالة ضعف، ففي الحروب نرى شريعة الإسلام لا تبيح التمثيل بجثث القتلى من العدو حتى ولو فعل بجثث شهدائنا ذلك.
لقد حدث في معركة أحد أن مثل المشركون بجثث شهداء المسلمين انتقاماً وشفاء لغليلهم منهم في معركة بدر التي هزمهم المسلمون فيها، وكان تمثيلهم بجثة حمزة عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شر تمثيل، ولما رأى رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- ما فعلوه بشهداء المسلمين حلف ليمثلن بالمشركين عندما يظفر بهم ويمكنه الله منهم، وذلك معاملة لهم بالمثل، فنهاه الله -عز وجل- عن ذلك، فأخرج الرسول صلى الله عليه وسلم كفارة عن يمينه، وكان ينهى المسلمين عن التمثيل بجثث المشركين فلم يحصل التمثيل من أحد من المسلمين.. وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا على اسم الله في سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا الغلول هو الخيانة في المغنم ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً».
ورحمة الإسلام بغير المسلمين في حالة الحرب تتجلى من خلال النهي عن التعرض لمن لا يقاتل بأي أذى، فلا يجوز للمسلمين أن يعتدوا على الآمنين، ولا يجوز لهم أن يقتلوا صبياً، ولا يجوز أن يقتلوا النساء، ولا يجوز أن يقتلوا شيخاً كبيراً والتوجيه النبوي الكريم واضح كل الوضوح في هذه المسألة «لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة».
لذلك فإن ما قام به المجرمون من حرق الأسرى بزعم أن خليفة المسلمين الأول أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- قد أمر بحرق أحد الأسرى يعبر عن جهل هؤلاء بالإسلام وبالتاريخ الإسلامي
إن إنسانية الإسلام في الحروب لا تقف عند احترام حقوق الإنسان، بل تتعدى ذلك إلى احترام حقوق الحيوان وعدم العدوان على البيئة وعناصرها المتعددة بالإفساد والتدمير والتخريب، فلا يجوز للمسلمين في حروبهم الدفاعية عقر الحيوانات التي يمتلكها العدو من أجل إغاظته أو إلحاق الأضرار المادية به، أو من أجل الانتقام منه.
هذا السلوك الحضاري كان شأن المسلمين في كل حروبهم، وقد بدأ هذا المنهج الإنساني الذي أرساه الإسلام منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقة الخلفاء الراشدون خير تطبيق، ولو رجعنا إلى وصايا هؤلاء لقادة الحروب في عصرهم لوجدنا ذلك واضحاً جلياً، فهذا أبو بكر يقول ليزيد حين بعثه أميراً: «يا يزيد لا تقل صبياً ولا امرأة ولا هرماً ولا تخربن عامراً ولا تعقرن شجراً مثمراً ولا دابة عجماء ولا شاة لمأكله ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدواب صبراً».

*عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.