يقول الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: في هذه السرية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وقال: «إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة»، (رواه البخاري).
ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعين لأي سرية إلا قائداً واحداً إلا أنه في هذه السرية أمّر ثلاثة.. وذلك لأهمية هذه السرية. ولما تجهز الجيش وبدأوا في الخروج للجهاد قام أهل المدينة يودعون الجيش ويدعون له بالنصر والتمكين والعودة بسلام.
مفاجأة كبرى
خرج الجيش المسلم.. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعهم ويدعو لهم. ومضى الجيش في طريقه حتى وصل إلى مكان في أرض الشام يسمى (معان) وهنا بدأوا في جمع المعلومات عن الجيش الذي سيقابلونه. وإذا بالمفاجأة الكبرى في انتظارهم.. فقد علموا أن تعداد جيش الروم يبلغ مئتي ألف في حين أن عدد المسلمين ثلاثة آلاف رجل. فأصبحوا بين ثلاثة حلول: إما أن يرجعوا وإما أن يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل لهم مددا من الرجال، وإما أن يقاتلوا، وظلوا لمدة يومين ينظرون في أمرهم،
فقام عبدالله بن رواحة وقال لهم «يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون (الشهادة)، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة». وكان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر التردد، وقرروا القتال، مهما كانت النتائج».
وهناك في «مؤتة» التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، وأخذ الراية زيد بن حارثة - حب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وجعل يقاتل بضراوة بالغة، وبسالة لا نظير لها حتى خر شهيداً.
ذو الجناحين
أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، وطفق يقاتل قتالا منقطع النظير، حتى إذا أرهقه القتال عقر فرسه الشقراء، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، وظلت مرفوعة حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعا إياها حتى استشهد.
ويقال: إن رومياً ضربه ضربة قطعته نصفين، وأثابه الله جناحين في الجنة، يطير بهما حيث يشاء، ولذلك سمى بجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين.
وبعد استشهاد جعفر الذي قاتل بضراوة لا مثيل لها أخذ الراية عبدالله بن رواحة، وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يقبل على القتال ثم يتردد بعض الشيء.. فجاءه ابن عمه بقطعة من اللحم وقال له: خذ هذه واشدد بها صلبك فإنك لقيت ما لقيت في هذه الأيام من الشدة والمتاعب، فأخذها عبدالله بن رواحة ثم نظر إلى نفسه وقال لها: وأنت ما زلت حية في الدنيا؟ ثم أخذ سيفه فقاتل حتى استشهد. فأخذ الراية ثابت بن أرقم وقال: يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.
كان هدف (خالد) مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر من دون أن يعرض كتلة الجيش للالتحام، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الآلاف القليلة التي معه، وإنقاذ سمعة المسلمين في أول معركة لهم مع دول كبرى. والعجيب أن الرومان أعياهم هذا القتال وأصيبوا فيه بخسائر كبيرة، بل إن بعض فرقهم انكشفت، وولت مهزومة، واكتفى خالد بهذه النتيجة، وآثر الانصراف بمن معه.
كأنه مشهد حي
عن أنس بن مالك رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ بن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم». رواه البخاري وهنا يذهب الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى أسماء بنت عميس رضي الله عنها ليبلغها خبر استشهاد زوجها.. ويا له من مشهد يجعل القلوب تبكى الدماء بدل الدموع.
عن أسماء بنت عميس، قالت: «لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت وعجنت عجيني، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتني ببني جعفر». قالت: فأتيته بهم، فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: «نعم، أصيبوا هذا اليوم». قالت: فقمت أصيح، واجتمعت إلي النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله. فقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً فإنهم قد شغلوا بأمر أصحابهم»، (رواه أحمد). وفي غزوة مؤتة كان (أسامة) يقاتل مع أبيه زيد بن حارثة، وتحت لوائه ولم يكن عمره وقتها قد بلغ الثامنة عشرة، وهناك على أرض الشرف رأى بعينيه مصرع أبيه شهيداً، وعلى الرغم من ذلك لم يضعف ولم يتكاسل لحظة واحدة عن أداء واجبه فقاتل تحت لواء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حتى استشهد ثم قاتل تحت لواء عبدالله بن رواحة رضي الله عنه حتى استشهد ثم قاتل تحت لواء سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه حتى استطاع خالد-بإذن الله- أن يقوم بخطة رائعة للانسحاب فأنقذ الجيش المسلم من براثن الروم الذين كان عددهم مئتي ألف مقاتل، بينما عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل.
وعاد أسامة إلى المدينة وقد احتسب أباه عند الله، راكباً جواده الذي استشهد عليه وعاد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لما قتل زيد بن حارثة أبطأ أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأته ثم جاءه بعد ذلك فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزفت عبرته قال النبي صلى الله عليه وسلم: لم أبطأت عنا ثم جئت تحزننا؟ قال: فلما كان الغد جاءه فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: إني للاق منك اليوم ما لقيت منك أمس، فلما دنا دمعت عينه فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم».
شوق الحبيب إلى حبيبه
عن خالد بن سلمة قال: «لما جاء نعي زيد بن حارثة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد فخرجت عليه ابنة لزيد، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم أجهشت في وجهه، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه».