بينت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ضرورة حماية البيئة من التلوث، بل إن الإسلام اعتبر ذلك مسؤولية شرعية يتحملها الإنسان دون غيره من المخلوقات لأن الله سخّر له الكون يخدمه وينتفع به . . لذا كان لابد من فرض عقوبات مشددة عليه في حال تفريطه في هذه المسؤولية وتجاوزه في تلويث البيئة واستنزاف مواردها والإضرار بها بشكل عام .

إذا كانت الدول قد وضعت القوانين والتشريعات والعقوبات لتنظيم الحفاظ على البيئة ومعاقبة المخالفين فإن ديننا الإسلامي وضع لنا تشريعات من خلال آيات القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم منذ 14 قرناً .

فما العقوبات الشرعية التي أقرها الدين الإسلامي لكل من يخالف أمر الله ويفسد في البيئة؟

يقول الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر: إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بعدم إفساد الطبيعة فقال في كتابه الحكيم: يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فقد دعا الإسلام إلى الحفاظ على البيئة حفاظاً لحياة الإنسان الذي سخر الله له كل المخلوقات لخدمته حتى إنه اعتبر الزرع والغرس من الصدقات الجارية وربط بينه وبين استمرار الأجر والثواب بعد الموت جاء ذلك في الحديث الشريف حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو بهيمة أو إنسان إلا كان به صدقة .

ولأن الوقاية خير من العلاج فقد سبق الإسلام كل الاتفاقيات والمنظمات والجمعيات التي تدعو إلى الحفاظ على البيئة، فحث على المشاركة العملية في نظافة البيئة التي يعيش فيها الإنسان بقوله تعالى: ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين، وهذه دعوة إلهية لكي لا يفسد المسلمون في الأرض . . أي الكون وكل من يقوم بعمل يلوث به البيئة فقد ارتكب فعلاً عصى الله فيه فيغضب الله عز وجل عليه ويستوجب اللعن والطرد من رحمته قال تعالى: ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً إما إذا نفذ أوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله وابتعد عما نهى الله عنه ورسوله فيكون من الطائعين الفائزين . وأكد أن من العقوبات التي أشار الشرع إليها هي عقوبة التعزير وهي عقوبة رغم أن الشرع لم يحدد مقدارها لكنه ترك أمر تحديدها للحاكم والمجتمع يقرران فيها ما يتلاءم مع درء هذه الجرائم، ومجال هذه العقوبات كثير جداً ويمكن التمثيل لها الآن بكسر إشارة المرور أو البناء في مكان من دون تصريح من الدولة أو تجريف الأراضي الزراعية ويدخل في هذا ما يسمى في القانون بالمخالفات، فإذا نظرنا إلى تلويث البيئة فإنه بمقياس القواعد الشرعية جريمة لأنه يؤدي إلى الإضرار بالنفس والآخرين والشرع منع الإضرار بالنفس أو بالآخرين، قال صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وشددت آيات متعددة في القرآن الكريم على جريمة الإفساد في الأرض ولهذا يمكن أن يوضع قانون يعاقب من يلوث البيئة بعقوبة تعزيرية رادعة.

بين الحرمة والكراهة

الدكتور عبد الحكم الصعيدي أستاذ في جامعة الأزهر يؤكد أنه ليست هناك عقوبات شرعية مقدرة للمخالفات البيئية التي تصدر من الناس لكن هذه التصرفات تدور بين الحرمة والكراهة بصفة عامة، ومن جهة أخرى فإن الشريعة الإسلامية قد وضعت لنا نموذجاً مثالياً حينما جعلت الحرم المكي محمية طبيعية بيئية وهنالك قدرت عقوبات شرعية محددة لمن يعتدي على الحياة البرية في هذه المنطقة سواء أكان ذلك بقطع النبات أو بقتل الصيد أو حتى الحشرات كذلك إهاجة بعض الطيور كحمام الحرم، ويضيف أن هذه المحمية كان من المفترض أن يتسع نطاقها في دنيا المسلمين وأن تكون هناك عقوبات رادعة لمن يعتدي على الحياة البرية بصورة أو بأخرى، والإسلام بهذا يبتغي استتباب الأمن في ربوع الدنيا . . ولكن للأسف لم يتم تفعيل مثل هذه القواعد والقوانين وأصبحت المسألة تدور بين الحرمة والكراهة والله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى ترك الفساد في الأرض فقال: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .

أشد من سفك الدماء

يقول الشيخ فرحات المنجي من علماء الأزهر الشريف إن الإسلام عظم بعض صور التعدي على البيئة وجعله أشد من سفك الدماء وذلك يتضح في قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . .، فالإفساد في الأرض وهو صورة من صور التعدي على البيئة مقدم هنا على سفك الدماء وذلك لأن تلوث البيئة أعظم خطراً من القتل، لأن القتل فيه إزهاق لنفس أو اثنتين أو ثلاث . . أما تلويث البيئة فهو يعرض الآلاف بل الملايين للقتل البطيء بسبب الأمراض المزمنة وغيرها من الأوبئة الناتجة عن تلوث البيئة والمهلكة لملايين البشر والزرع والثمار . . كما قال تعالى: إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد .

أما عن جزاء هذا الفساد يوضح أن الإسلام جعل أقسى العقوبات لمن يعتدي على البيئة في قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، والمقصود بالفساد هنا هو كل أنواع الإثم مثل الشرك والقتل وسفك الدماء وقطع الطريق والسرقة وتدمير البيئة.